الجسر عند خليل حاوي: ليس عبورًا… بل انكشاف للهوة
الرئيسية ثقافة / Ecco Watan
الكاتب : فاروق غانم خداج
Apr 19 26|18:14PM :نشر بتاريخ
كتب الباحث في الأدب والفكر الإنساني الكاتب اللبناني فاروق غانم خدّاج في إيكو وطن:
ليست قصيدة “الجسر” لخليل حاوي نصًا عن العبور كما توحي القراءة الأولى، بل هي، في عمقها الأكثر قسوة، تفكيك كامل لفكرة العبور نفسها. إنها لا ترسم طريقًا إلى “شرق جديد”، بل تضع هذا الشرق تحت سؤال حاد: هل كان ممكنًا أصلًا؟ أم أنه لم يكن سوى قشرة لغوية تتكرر في خطابات النهضة بينما الواقع يتشقق تحتها بصمت؟
منذ المشهد الأول—“يعبرون الجسر في الصبح خفافًا”—يبدو أننا أمام لحظة جماعية، شبه احتفالية، أشبه بموكب نهضوي يتجه بثقة نحو المستقبل. لكن هذه الثقة لا تصمد طويلًا. فالجسر، مع التقدم في القراءة، لا يبقى بناءً هندسيًا، بل يتحول إلى شيء عضوي، إلى أضلاع الشاعر نفسه. هنا يحدث الانقلاب الجذري: الرمز لا يعود خارج الإنسان، بل يصبح جزءًا من جسده. الجسر ليس طريقًا يعبر عليه الآخرون، بل كيانًا يُستنزف كي يحدث العبور.
بهذا المعنى، لا يعود “الجسر” استعارة بريئة، بل يتحول إلى سؤال وجودي: ما الذي يُدفع ثمنًا لكي يحدث التغيير؟ ومن يدفع هذا الثمن؟
وحين تظهر عبارة “الشرق الجديد”، تتكشف المفارقة الكبرى. فهي ليست وعدًا بقدر ما هي صدى لخطاب مأزوم كان يكرر فكرة النهضة دون أن يمتلك أدواتها. في قصيدة حاوي، لا يولد الشرق من جديد، بل يُستعاد بوصفه عجزًا مزينًا بلغة الأمل. لذلك، فإن الجسر لا يؤدي وظيفته التقليدية. هو لا يصل بين ضفتين، بل يكشف أن المسافة بينهما ليست جغرافية، بل وجودية، أعمق بكثير من أي إمكانية عبور بسيط.
في قلب هذا الانكشاف، تبرز واحدة من أكثر صور الشعر العربي حدّة: “فرخ النسر من نسل العبيد”. هذه الصورة، رغم ما قد يبدو فيها من إشراق، ليست وعدًا نهضويًا مباشرًا. إنها أقرب إلى استفزاز فكري: كيف يمكن لقوة أن تولد من انكسار كامل؟ وكيف يمكن للتاريخ أن يقفز فوق جراحه دون أن يمر بها؟ هنا لا يقدّم حاوي حلاً، بل يضع فكرة النهضة نفسها في منطقة التوتر القصوى. إنها ليست مستحيلة فقط، بل مشروطة بعنف رمزي هائل، كأن الولادة الجديدة لا تتم إلا عبر تمزيق البنية القديمة بالكامل.
لكن قصيدة “الجسر” لا تُقرأ داخل حدودها النصية فقط. فهي تمتد إلى ما هو أبعد من اللغة، إلى حياة الشاعر نفسه ونهايتها. فموت خليل حاوي عام 1982، بعد اجتياح بيروت، لا يمكن فصله عن هذا النص. ليس بوصفه حادثة سير ذاتية، بل بوصفه امتدادًا مأساويًا لرؤية شعرية كاملة. الشاعر الذي جعل من جسده جسرًا رمزيًا للعبور، انتهى به الأمر إلى جسد ينهار في لحظة تاريخية قاسية. هنا يتوقف المجاز عن كونه مجازًا، ويتحوّل إلى واقع مكشوف: الجسر انهار، ومن بناه سقط معه.
هذا التحول بين النص والحياة يمنح القصيدة بعدها الأكثر إيلامًا: لم تعد مجرد تأمل في الفشل، بل تجربة وجودية عاشت فشلها حتى النهاية.
إذا انتقلنا إلى المقارنة مع صلاح عبد الصبور، تتضح ملامح خصوصية حاوي بشكل أكبر. فالجسر عند عبد الصبور مساحة تأمل، يتداخل فيها الموت بالحياة بنبرة غنائية، أقرب إلى الحزن المتأمل منه إلى الصدمة. أما عند حاوي، فلا مجال للتلطيف. لا جماليات تعزية، ولا مسافة بين الفكرة والجسد. كل شيء مباشر، مكشوف، وعنيف. الجسر هنا ليس استعارة شعرية، بل تجربة جسدية حدّية، تقترب من منطق التضحية أكثر مما تقترب من منطق الغناء.
لكن السؤال الذي تطرحه القصيدة اليوم لا يتعلق بالماضي فقط، بل بالحاضر أيضًا: ماذا بقي من هذا الجسر في واقعنا العربي؟
الجواب يكشف تحوّلًا جذريًا في معنى الرمز. الجسر لم يعد طريقًا إلى “النهضة”، بل صار في كثير من الحالات طريقًا للهروب. لم يعد فعلًا جماعيًا كما في القصيدة، بل صار فعلًا فرديًا، هشًا، معزولًا. الجماعة التي كانت تعبر في النص تفرقت في الواقع، وصار كل فرد يعبر وحده، لا نحو مستقبل واضح، بل هربًا من حاضر يزداد قسوة وتعقيدًا.
بل إن الجسر نفسه لم يعد ثابتًا. في كثير من الجغرافيا العربية، لم يعد رابطًا بين ضفتين، بل صار هدفًا للحرب أو أداة للقطع والفصل. وكأن الرمز الذي كان يفترض أن يوصل، صار يعلن استحالة الوصول. هنا تكتمل نبوءة حاوي بطريقة غير مباشرة: الجسر لا يوصل، بل يكشف.
يكشف أن فكرة “العبور” نفسها ربما كانت مبنية على تصور مبسّط للتاريخ، يتجاهل تعقيد التحولات الاجتماعية والسياسية والإنسانية.
ومن هنا، يصبح من الضروري إعادة النظر في نموذج “الشاعر-الجسر” الذي تقترحه القصيدة ضمنيًا. في زمن حاوي، كان هذا النموذج يحمل طابعًا بطوليًا واضحًا: المثقف الذي يستهلك ذاته من أجل عبور الآخرين. لكن هذا التصور، حين يُقرأ اليوم، يبدو مثقلًا بإشكاليات عميقة. هل يمكن لمجتمع أن يبني مستقبله على استنزاف أفراده الأكثر وعيًا؟ أم أن هذا المنطق ذاته هو ما أعاق تشكّل بنى مؤسسية قادرة على الاستمرار والتراكم بدل التضحية والانقطاع؟
من هنا تكتسب القراءة النقدية جرأتها الضرورية: ربما لم تكن “الجسر” مجرد قصيدة عن الفشل، بل جزءًا من بنية فكرية كرّست فكرة أن التغيير لا يتم إلا عبر الضحية. لكن التجربة التاريخية اللاحقة تُظهر أن هذا النموذج، رغم نبل نبرته، قد يكون ساهم في إعادة إنتاج العجز بدل تجاوزه.
ومع ذلك، تبقى “الجسر” واحدة من أكثر القصائد العربية كثافة وصدقًا. ليس لأنها تقدّم إجابة، بل لأنها تجرؤ على عدم تقديمها. لا تمنحنا طريقًا واضحًا، لكنها تضعنا أمام السؤال في أقصى حدته: ماذا يعني أن نعبر؟ ومن يدفع ثمن هذا العبور؟
في النهاية، ربما لا يكون الجسر عند خليل حاوي وسيلة للعبور أصلًا، بل لحظة انكشاف كاملة. لحظة نرى فيها الهوة كما هي، بلا تجميل، وبلا وهم.
هناك، حيث لا شرق جديد جاهز، ولا عبور مضمون، ولا جماعة متماسكة تعبر معًا.
فقط سؤال مفتوح،
وجسد شاعر
حوّل اللغة إلى جسر…
ثم تركه ينهار لكي نراه لأول مرة.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا