الجمهورية : حبسُ أنفاس انتظاراً لاتفاق يلفح لبنان… روبيو: الحزب يجرّ لبنان إلى الفوضى

الرئيسية صاحبة الجلالة / Ecco Watan

الكاتب : محرر الصفحة
May 25 26|07:28AM :نشر بتاريخ

فيما الأنظار مشدودة إلى واشنطن وطهران وإسلام آباد ترقباً لاتفاق على إنهاء الحرب بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران يمهّد إلى اتفاق لاحق على القضايا العالقة بين الجانبَين، عاش الجنوب اللبناني يوماً طويلاً من القصف الجوي والبري الإسرائيلي، طاول بلدات في البقاع الغربي، موقِعاً عشرات الضحايا والجرحى ومخلّفاً دماراً كبيراً في المساكن والممتلكات، وجاء بمثابة ردّ إسرائيلي على اتفاق أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعطيه الاستمرار في «حرّية الحركة» في لبنان. الأمر الذي طرح تساؤلات عن وضع لبنان في المفاوضات، طالما أنّ ترامب لم يفِ بوعده بإعلان وقف إطلاق نار شامل، وأثار مخاوف لبنانية من استمرار جبهة الجنوب مفتوحة خصوصاً أنّ «حزب الله» لن يتوقف عن إطلاق الصواريخ والمسيّرات.


 

انكبّت الأوساط الرسمية والحزبية أمس على تقويم النتائج التي يمكن أن يتلقّاها لبنان من اتفاق الإطار بين واشنطن وطهران. وفيما أبدى بعضها تفاؤلاً بأنّ الاتفاق سينهي حرب إسرائيل على لبنان، تخوّفت مصادر من لجوء واشنطن إلى إرضاء إسرائيل بإطلاق يدها في لبنان، طمأنةً لهواجسها وتأميناً لسكوتها عن الاتفاق مع طهران، خصوصاً أنّ واشنطن تؤكّد باستمرار «حق إسرائيل» في ملاحقة عناصر الحزب وتفكيك بُنيته التحتية.


 

 


 

وما يدعم المخاوف، هو أنّه على رغم من الإعلان الأميركي عن هدنة الـ45 يوماً المفترضة، فالوقائع على الأرض تثبت أنّها مجرّد «حبر على ورق». والمجازر المستمرة في الجنوب، والغارات العنيفة، وأعمال النسف والجرف المنظّم للقرى الحدودية، كلّها قرائن تدلّ إلى أنّ إسرائيل لا تقيم وزناً للمواقيت أو المواثيق الديبلوماسية. وبالتالي، فإنّ أي نصّ في اتفاق واشنطن – طهران يتحدث عن وقف النار في لبنان سيبقى على الأرجح قاصراً عن كبح جماح الآلة العسكرية الإسرائيلية، ولا يمكن تجاهل الإنذار الأميركي الأخير الذي تجسّد في حزمة العقوبات التي أصدرتها وزارة الخزانة أخيراً، وكانت الأولى من نوعها.


 

 


 

ولذلك، إنّ رهان الوسط الرسمي والقيادي اللبناني على انعكاسات إيجابية تلقائية للاتفاق الأميركي – الإيراني المحتمل ربما لا يكون واقعياً. وقد تقود واشنطن مساراً مزدوجاً: تهدئة كبرى مع طهران، مقابل الحسم في لبنان لإنهاء «حزب الله». وقد يذهب المفاوض اللبناني إلى واشنطن، ولا يجد في اتفاق طهران أي مظلة تحميه، إذ لا مصلحة لإسرائيل في وقف الحرب حالياً، ولا مصلحة لترامب في معاكسة نتنياهو حالياً.


 

 


 

الأولوية الأميركية


 

كشف مصدر ديبلوماسي مطّلع لـ«الجمهورية»، أنّ القراءة الغربية لمسار التفاهم الجاري بين واشنطن وطهران تقوم على مبدأ أساسي مفاده أنّ «الحرب المفتوحة في الإقليم بلغت حدود الاستنزاف المتبادل، وأنّ الأولوية الأميركية لم تعُد إسقاط النفوذ الإيراني دفعة واحدة، بل إعادة ضبطه ضمن قواعد اشتباك جديدة تمنع الانفجار الشامل وتحفظ المصالح الاستراتيجية الأميركية في الخليج والممرات البحرية، بينما تمنع إيران من الانفجار والاتجاه إلى تفكّك أو صدامات داخلية». وفي هذا السياق، فإنّ ما يُتداول عن أنّ «حزب الله» يشكّل العقدة المركزية في المفاوضات يبدو، بحسب المصدر، أقرب إلى «التهويل الإعلامي منه إلى الوقائع الفعلية على طاولة التفاوض».


 

 


 

وأشار المصدر إلى أنّ التسريبات «تعكس توجُّهاً واضحاً لدى إدارة ترامب نحو الفصل بين «التسوية الكبرى» مع إيران وبين الملفات الميدانية التفصيلية في لبنان وسوريا وغزة. فالتفاهم الجاري يركّز بصورة أساسية على وقف العمليات العسكرية في إيران، إعادة فتح مضيق هرمز، تخفيف الحصار البحري، والدخول في مرحلة تفاوض أطول حول البرنامج النووي الإيراني والصواريخ البالستية، فيما تُركت ملفات الأذرع الإقليمية إلى مقاربات لاحقة وأكثر تعقيداً».


 

 


 

ولفت المصدر إلى أنّ «الإسرائيليّين أنفسهم يتعاملون بحذر مع أي انطباع يوحي بأنّ واشنطن قد تربط حرّية الحركة العسكرية الإسرائيلية في لبنان بالتفاهم مع إيران، بدليل تأكيد بنيامين نتنياهو للرئيس ترامب أنّ إسرائيل ستحتفظ بحق التحرُّك ضدّ أي تهديد في لبنان، وأنّ واشنطن أبدت تفهّماً لهذا الموقف. وهذا يعني أنّ الساحة اللبنانية ما زالت تُدار وفق تفاهمات أمنية أميركية – إسرائيلية مباشرة، أكثر ممّا تُدار عبر التفاوض مع الإيرانيّين».


 

 


 

وأضاف المصدر أنّ «واشنطن تعمل منذ أسابيع على بناء مسار موازٍ خاص بلبنان، بعيداً من الضجيج المرتبط بالمفاوضات الإيرانية، ويتّصل مباشرة بترتيبات ما بعد وقف النار على الجبهة الجنوبية. وضمن هذا الإطار يأتي اجتماع البنتاغون المرتقب في 29 أيار، باعتباره بداية «مسار أمني تقني» بين لبنان وإسرائيل، لا مساراً سياسياً معلناً بالمعنى التقليدي».


 

 


 

وبحسب المصدر، فإنّ الأميركيّين يدركون حساسية أي انخراط لبناني رسمي في هذا النوع من الاجتماعات، لذلك يجري العمل على إعداد غطاء داخلي واسع للوفد العسكري اللبناني، سواء من خلال تنويع طبيعته التمثيلية أو مراعاة التوازنات الطائفية والسياسية داخل المؤسسة العسكرية، بما يمنع تصوير الخطوة كأنّها انحياز داخلي لفريق دون آخر. فالهدف الأميركي الفعلي لا يتمثل حالياً في فرض تطبيع سياسي سريع بين لبنان وإسرائيل، بل في إنشاء آلية أمنية ثابتة تمنع العودة إلى الحرب وتؤمّن استقراراً نسبياً على المدى المتوسط».


 

 


 

وختم المصدر بالتأكيد على أنّ أي تفاهم أميركي – إيراني مرتقب «لن يُترجم تلقائياً تسوية شاملة في لبنان، لكنّه قد يوفّر مناخاً إقليمياً أقل توتراً، يسمح بتمرير ترتيبات أمنية كانت تبدو مستحيلة قبل أسابيع، خصوصاً أنّ واشنطن تعتبر أنّ تثبيت الجبهة اللبنانية بات جزءاً من إعادة رسم التوازنات الإقليمية بعد الحرب، لا مجرّد تفصيل ملحق بالمفاوضات مع طهران».


 

 


 

خلط أوراق


 

من جهة أخرى، أوضحت مصادر رسمية لـ«الجمهورية»، أنّها «أعادت خلط الأوراق قبل موعد انعقاد مفاوضات المسار الأمني المقرر في واشنطن في 29 من الجاري»، بعد رفع الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم سقف المواجهة السياسية مع الحكومة اللبنانية إلى مستوى غير مسبوق، ومهدِّداً بأنّ الضغوط المرتبطة بملف «حصرية السلاح» واستهداف بيئة الحزب قد تدفع البلاد إلى مرحلة خطيرة من الانقسام الداخلي.


 

 


 

واعتبر قاسم في كلمة له لمناسبة «عيد المقاومة والتحرير» أنّ تحرير الجنوب عام 2000 شكّل «أول تحرير عربي من دون اتفاق مع إسرائيل»، معتبراً أنّ ما تحقق جاء نتيجة المواجهة مع إسرائيل. كما أشار إلى أنّ إسرائيل كانت تسعى إلى تثبيت احتلال دائم في جنوب لبنان. وانتقل قاسم إلى الوضع الراهن، متوقفاً عند اتفاق وقف الأعمال العدائية الموقع في 27 تشرين الثاني 2024، معتبراً أنّ الدولة اللبنانية و«حزب الله» التزما به، فيما استمرّت إسرائيل في تنفيذ اعتداءات وغارات وعمليات اغتيال خلال الأشهر الماضية.


 

 


 

وأشار إلى أنّ الحكومة اللبنانية تواجه صعوبات في التعامل مع الضغوط الخارجية، داعياً إلى تكثيف الجهود الديبلوماسية لحماية السيادة اللبنانية ووقف الاعتداءات الإسرائيلية. وأكّد قاسم أنّ مسألة سلاح «حزب الله» ترتبط، بحسب وجهة نظره، بالاستراتيجية الدفاعية الوطنية وبقدرة لبنان على حماية أراضيه، مشيراً إلى أهمّية الحوار الداخلي لمعالجة هذا الملف ضمن إطار وطني جامع. وانتقد العقوبات الأميركية التي طالت نواباً في «حزب الله» وشخصيات لبنانية أخرى، معتبراً أنّها تمثل ضغوطاً سياسية على لبنان.


 

 


 

روبيو يردّ


 

وردّ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على الشيخ قاسم متّهماً «حزب الله» بـ«السعي إلى جرّ لبنان مجدّداً نحو الفوضى والدمار»، محذّراً من خطورة دعواته للإطاحة بالحكومة المنتخبة ديموقراطياً. واصفاً الدعوة التي أطلقها «حزب الله» بأنّها «متهوِّرة»، مؤكّداً «أنّ واشنطن تدين أي محاولة لزعزعة الاستقرار السياسي في لبنان».


 

 


 

وأضاف: «لقد تجاهل «حزب الله»: النداءات المتكرّرة الصادرة عن الحكومة اللبنانية الشرعية لوقف هجماته واحترام وقف إطلاق النار، وبدلاً من ذلك واصل إطلاق النار على مواقع إسرائيلية ونقل المقاتلين والأسلحة إلى جنوب لبنان، ويُعدّ ذلك حملة متعمَّدة لزعزعة استقرار البلاد والحفاظ على نفوذه على حساب مستقبل الشعب اللبناني».


 

 


 

وشدَّد روبيو على «أنّ الحكومة اللبنانية تعمل على تحقيق التعافي وإعادة الإعمار وتأمين المساعدات». فيما أكّدت الخارجية الأميركية أنّ «الولايات المتحدة تقف بثبات إلى جانب الحكومة الشرعية في جهودها لاستعادة سلطتها وبناء مستقبل أفضل لجميع اللبنانيّين»، مؤكّدةً أنّ «تهديدات «حزب الله» بالعنف لن يُسمح لها بأن تنجح». وخم روبيو بتأكيد «دعم بلاده الكامل لمساعي الحكومة اللبنانية في استعادة سلطتها وبناء مستقبل أفضل للبنان».


 

 


 

ترامب ونتنياهو


 

تتّجه الأنظار إلى التصعيد المتزامن بين الجبهة اللبنانية والملف النووي الإيراني، في ظل مؤشرات إسرائيلية واضحة إلى استمرار الخيار العسكري ورفض أي ترتيبات إقليمية قد تُقيِّد حرية تحرُّكها في المنطقة.


 

 


 

وفي هذا السياق، كشف مسؤول إسرائيلي أنّ نتنياهو شدَّد خلال محادثاته مع ترامب على ضرورة الحفاظ على «حرّية العمل» ضدّ ما وصفه بالتهديدات في مختلف الساحات، بما فيها لبنان. وبحسب المسؤول نفسه، فقد أبدى ترامب تأييده لهذا التوجُّه، مؤكّداً لنتنياهو أهمّية العمل على تفكيك البرنامج النووي الإيراني.


 

 


 

وتعكس هذه المواقف الإسرائيلية قلقاً متزايداً داخل تل أبيب من إمكان التوصُّل إلى تفاهم أميركي – إيراني جديد قد يفرض تهدئة موقتة في المنطقة، تشمل لبنان ومضيق هرمز، من دون معالجة شاملة للملف النووي الإيراني أو للنفوذ الإقليمي لطهران. وفي هذا الإطار، نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مصدر مطّلع، أنّ نتنياهو عبّر خلال اتصالاته مع ترامب عن تخوُّفه من تأجيل الحسم في الملف النووي، أو ربط وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية بمسار التفاهمات مع إيران.


 

 


 

ميدانياً، بدا واضحاً أنّ المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تسعى إلى تأكيد جاهزيّتها لأي تطوُّرات محتملة، سواء على الحدود الشمالية أو في ما يتصل بإيران. فقد أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، أنّ الجيش يواصل عملياته ضدّ «حزب الله»، مشدِّداً على الحفاظ على «الجاهزية والمرونة العملياتية» في مواجهة أي تطوُّرات إقليمية. كما كشف أنّه صادق، صباح أمس، على خطط عسكرية لمواصلة العمليات على الجبهة الشمالية. وتأتي هذه التطوُّرات في لحظة إقليمية حساسة تتداخل فيها المسارات السياسية والعسكرية، وسط محاولات دولية لاحتواء التصعيد، مقابل إصرار إسرائيلي على إبقاء الضغط العسكري قائماً، سواء في لبنان أو في ما يتعلّق بالملف الإيراني، تحسباً لأي تسوية تعتبرها تل أبيب غير كافية لضمان مصالحها الأمنية والاستراتيجية.


 

 


 

وأبلغ نتنياهو ترامب أنّ إسرائيل ستواصل الاحتفاظ بـ«حرية العمل» ضدّ ما تعتبره تهديدات أمنية في مختلف الساحات، بما فيها لبنان، مشيراً إلى أنّ الرئيس الأميركي أبدى دعمه لهذا التوجُّه. كما نقلت القناة عن مصدر سياسي إسرائيلي، أنّ الإدارة الأميركية تضع تل أبيب بصورة المفاوضات الجارية بشأن مذكّرة التفاهم المرتبطة بإعادة فتح مضيق هرمز، بالإضافة إلى المحادثات المتعلّقة بصَوغ اتفاق أوسع مع إيران.

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : جريدة الجمهورية