سعيد بك حمادة: اقتصاد يُفكَّر من الشوف إلى المشرق

الرئيسية بحوث علمية / Ecco Watan

الكاتب : فاروق غانم خداج
May 31 26|15:32PM :نشر بتاريخ

كتب الباحث في الأدب والفكر الإنساني الكاتب اللبناني فاروق غانم خداج في إيكو وطن:

سعيد بك حمادة: اقتصاد يُفكَّر من الشوف إلى المشرق
قراءة تحليلية وجدانية في مسار اقتصادي بين الجامعة والدولة والتعليم

في عطلة عيد الأضحى هذا العام، لم تكن الإجازة زمن راحة. كانت مساحة بحث هادئة، بين القراءة والمراجعة والعودة إلى الأرشيفات المكتبية والرقمية، والاطلاع على بعض مؤلفات الدكتور سعيد بك حمادة.
لفتني اسم قرأته قبل أشهر مرورًا عابرًا: سعيد بك حمادة. لكن هذه المرة لم يعد هامشًا في كتاب تاريخ الاقتصاد، بل أصبح مدخلًا لسؤال أوسع: كيف يمكن لشخص واحد أن يتحرك بين الجامعة والدولة، وبين النظرية والممارسة، من دون أن يفقد وحدة مشروعه؟
ما يُكتب هنا ليس سيرة تقليدية، ولا عرضًا أكاديميًا جافًا. بل قراءة تجمع بين التحليل والبعد الوجداني — محاولة لفهم تجربة رجل عاش بين المعرفة والواقع، وبين الفكر ومأزق التطبيق، وبين الاقتصاد كعلم والاقتصاد كقدر اجتماعي.
أولًا: من بعقلين إلى الاقتصاد الحديث
وُلد سعيد بك حمادة عام 1894 في بعقلين، في مرحلة انتقالية عاش فيها المشرق تفكّك البنية العثمانية وبدايات تشكّل الكيانات الحديثة.
في هذا السياق، لم تكن الأسئلة نظرية. كانت وجودية: كيف تُبنى الدولة؟ وكيف يُفهم المجتمع في لحظة إعادة التكوين؟
من هنا بدأ تكوينه الفكري — لا كاقتصادي فحسب، بل كباحث عن منطق يحكم التحولات الاجتماعية في المشرق.
ثانيًا: الجامعة الأميركية وكولومبيا
تلقّى حمادة تعليمه في الجامعة الأميركية في بيروت، ثم واصل دراسته في جامعة كولومبيا في نيويورك.
هذا الانتقال لم يكن مجرد عبور جغرافي. كان انتقالًا إلى فضاء معرفي مختلف — إلى مدرسة الاقتصاد الكلاسيكي الحديث والتحليل الكمي.
لكنه لم يتعامل مع هذا التكوين بوصفه قالبًا جاهزًا. تعامل معه أداةً قابلة لإعادة التكييف مع واقع مغاير في بنيته التاريخية والإنسانية.
ومن هنا تبدأ ملامح مشروعه الحقيقي: الانفتاح دون الاستنساخ، والاقتباس دون الذوبان.
ثالثًا: الأستاذ الذي بنى منهجًا
بعد تخرجه، التحق حمادة بمكتب المراقب المالي في الجامعة الأميركية عام 1915، وبدأ التدريس عام 1920. ومن 1937 إلى 1948 ترأّس قسم الاقتصاد وإدارة الأعمال، ثم تولّى رئاسة قسم إدارة الأعمال حتى تقاعده عام 1959.
هذه المرحلة لم تكن مجرد وظيفة أكاديمية. كانت لحظة تأسيس للاقتصاد كحقل علمي في المنطقة — لا كمادة تعليمية فحسب، بل كمنهج تفكير له أدواته وحدوده وأسئلته.
أثره لم يكن في "ما قاله للطلاب" وحده، بل في الطريقة التي جعلهم بها ينظرون إلى المجتمع بوصفه منظومة قابلة للفهم العلمي.
رابعًا: مؤلفات تُعيد رسم خرائط المشرق — المنهج والتطبيق
تتجلى القيمة الأعمق لحمادة في إنتاجه العلمي. أصدر سلسلة دراسات عن التنظيم الاقتصادي في سوريا ولبنان والعراق وفلسطين، في زمن كانت فيه الإحصاءات محدودة والخرائط الاقتصادية ما تزال قيد التشكل.
في كتابه التنظيم الاقتصادي لفلسطين الصادر عام 1938، يتضح منهجه بجلاء: لم يختزل الاقتصاد في التجارة أو النقد. امتد تحليله ليشمل السكان، والموارد الطبيعية، والأرض، والزراعة، والصناعة، والنقل، والنظام المالي والمصرفي معًا.
هذا الخيار ليس تفصيلًا تقنيًا. هو رؤية كاملة: الاقتصاد بنية مترابطة تتداخل فيها الجغرافيا مع الإنسان، والسياسة مع الإنتاج.
ومع ذلك، تبقى هذه المقاربة — رغم عمقها المبكر — أقرب إلى الإطار الوصفي-التحليلي منها إلى النماذج التنبؤية التي ستتطور لاحقًا في علم الاقتصاد التنموي. وهذا ليس نقصًا بقدر ما هو دليل على أنه كان يؤسّس أرضية لم تكن موجودة بعد.
وفي مقدمة الكتاب نفسه، يصرّح بأن غياب الإحصاءات الدقيقة كان عائقًا أمام دراسة شاملة للمنطقة، ما دفعه إلى بناء تصور كلي رغم محدودية البيانات. هنا يظهر بُعد تأسيسي عميق: المعرفة تُنتج في لحظة نقصها، لا في لحظة اكتمالها.
خامسًا: من الأكاديمية إلى الدولة
لم يبقَ حمادة في حدود الجامعة. عمل مستشارًا اقتصاديًا للحكومتين اللبنانية والعراقية، وشارك في لجان اقتصادية مرتبطة بالأمم المتحدة، قبل أن يتولى وزارة الاقتصاد والزراعة عام 1966.
هذا الانتقال يضعه أمام اختبار مباشر: هل تستطيع المعرفة أن تتحوّل إلى قرار؟ أم أن السياسة تُعيد دائمًا تفكيك ما تبنيه النظرية؟
في حالته، بقي الأثر مزدوجًا. حافظ على حضوره بوصفه عقلًا اقتصاديًا مهمًا، لكن تأثيره في السياسات الفعلية لم يكن بمستوى ثقل إنتاجه العلمي.
هذه المفارقة ليست ضعفًا. هي علامة على المسافة البنيوية الدائمة بين الفكر ومؤسسات الدولة — وهي مسافة تعيشها كل عقول التأسيس، لا في المشرق وحده.
سادسًا: كلية الشوف الوطنية — التعليم مشروع حياة
أما التحول الأكثر دلالة في مسيرته، فيتمثّل في تأسيس كلية الشوف الوطنية عام 1957 في بعقلين.
هذه الخطوة لا تُفهم خارج مشروعه الفكري. بعد عقود من تحليل الاقتصاد كشبكة علاقات إنسانية ومجتمعية، انتقل إلى الفعل المباشر: بناء مؤسسة تعليمية تُحوّل المعرفة إلى استثمار طويل المدى.
في عام 1956، نشأت فرصة نادرة حين أعربت البعثة الإنجليزية للكنيسة الأنجليكانية عن رغبتها في بيع قطعة أرض مساحتها 9330 مترًا مربعًا تضم ثلاثة مبانٍ. تشكّل مجلس أمناء ثلاثي: حمادة، ونجيب علم الدين رئيس مجلس إدارة طيران الشرق الأوسط، وفريد فليحان مسجّل الجامعة الأميركية في بيروت. قبلت الكنيسة سعرًا أدنى من المطلوب حين علمت أن الأرض ستحتضن مدرسة غير ربحية تخدم أبناء الشوف.
لم يكن في منطقة الشوف وقتها أي مدرسة ثانوية حكومية أو خاصة سوى مدرسة دينية للبنات. فتحت الكلية أبوابها في أكتوبر 1957 بـ149 طالبًا من 23 قرية. ارتفع العدد إلى 250 طالبًا بين 1959 و1960.
أما اليوم، فتضم الكلية 13 مبنى، ونحو 2500 طالب بالتساوي بين الجنسين، من 55 قرية، يشرف على تعليمهم طاقم من 300 شخص. وتقدم مناهج متعددة: الإنجليزي والفرنسي، والبكالوريا الفرنسية المعتمدة من AEFE، والمنهج الأميركي من الصف الثالث حتى الثاني عشر.
لكن ما يتجاوز الأرقام هو الفكرة الكامنة: التعليم ليس خدمة. هو بنية إنتاج وعطاء في آن واحد — وهو ما ينسجم انسجامًا عضويًا مع مشروعه الفكري الذي بناه على مدى عقود.
سابعًا: الإرث الممتد
أسهم حمادة في تأليف وتحرير كتب اقتصادية ونقدية عديدة حول لبنان وسوريا والعراق وفلسطين. كتب أرست تقليدًا جديدًا في البحث الاقتصادي العلمي، وظلت لسنوات مراجع يُرجع إليها كل من أراد فهم بنية الاقتصاد في المشرق.
استمر حضوره الفكري حتى مراحل متقدمة من حياته، محافظًا على صلته بمشروعه التربوي في بعقلين ومساهمًا في دوائر استشارية متعددة.
عاش عمرًا امتد تقريبًا عبر قرن من التحولات الكبرى في المشرق: من انهيار الإمبراطوريات، إلى تشكّل الدول الحديثة، إلى حروب الاستقلال وما تلاها.
ولم يتوقف إرثه مع الرحيل. كتبه بقيت مراجع في تاريخ الاقتصاد المشرقي. وكلية الشوف الوطنية بقيت مؤسسة حية تتوسع جيلًا بعد جيل.
ثامنًا: قراءة نقدية في المشروع
سعيد حمادة ينتمي إلى جيل من المثقفين الذين حاولوا تأسيس علم اقتصادي عربي حديث في لحظة كانت فيها المعرفة نفسها قيد التشكل.
لذلك بقي مشروعه أقرب إلى التأسيس النظري والوصفي منه إلى التأثير البنيوي الواسع في السياسات الفعلية. لكنه فتح أسئلة لم تكن مطروحة بوضوح من قبل، حول العلاقة بين الاقتصاد والمجتمع والدولة في منطقة تفتقر إلى أدوات قياس نفسها.
ما يميز هذه التجربة أنها لا تقدّم نموذجًا مثاليًا، بل نموذجًا مركبًا: عالم اقتصاد، وإداري، ومؤسس تربوي في آن واحد.
هذا التعدد لم يكن نافلةً. كان ضرورة فرضها سياق تاريخي لم يكن يعرف الفصل الحاد بين التخصصات. ولا يُعاب على رجل التأسيس أن أدواته لم تكتمل في عصره.
خاتمة
في النهاية، لا تبدو أهمية سعيد بك حمادة في ما أنجزه فقط، بل في ما تركه من أسئلة مفتوحة: هل يمكن للمعرفة أن تتحوّل إلى قوة تغيير حقيقية، أم أنها تبقى دائمًا محصورة في تفسير العالم دون إعادة تشكيله؟
بدأ من بعقلين. كتب اقتصاد المشرق كأنه وحدة واحدة. ثم عاد ليحوّل التعليم إلى مشروع حياة في الشوف.
وكلية اليوم، بطلابها الـ2500 القادمين من 55 قرية، هي الجواب المادي الأكثر صدقًا على سؤاله: المعرفة التي تبني مدرسة لا تبقى في النص — تتحول إلى جيل.
هذا السؤال، أكثر من أي جواب، هو ما يجعل تجربته قابلة للقراءة اليوم. لا كذكرى فكرية، بل كمرآة لمشروع لم يكتمل بعد في مشرق ما زال يبحث عن اقتصاديين يبنون، لا يشرحون فقط.

المصادر والهوامش
[1] الموقع الرسمي لكلية الشوف الوطنية، صفحة "عن المدرسة": snc.edu.lb/public/about
[2] قاعدة بيانات مؤلفات Himadeh, Sa'id B.: abebooks.com
[3] Economic Organization of Palestine (1938), AUB Press, Social Science Series No. 11 — متاح رقميًا عبر archive.org
4- مولفات الدكتور سعيد بك حمادة: محاضرات في العلوم والاقتصاد، كتب مرجعية ( جامعة بيروت الأميركية)

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : ايكو وطن-eccowatan