البناء: لبنان يستولي على محادثات جنيف بدلاً من النووي والوفد الإيراني يفرض إيقاعه

الرئيسية صاحبة الجلالة / Ecco Watan

الكاتب : محرر الصفحة
Jun 22 26|06:55AM :نشر بتاريخ

عندما أعلنت إيران إقفال مضيق هرمز والذهاب إلى جنيف لبدء التفاوض، كانت تعلم ما تفعل بالاستفادة من نصوص مذكرة التفاهم، حيث ينتمي البند الخاص بمضيق هرمز والبند الخاص بلبنان إلى فئة البنود المعطلة للتفاوض النووي؛ فاستعملت إيران واحداً مقابل واحد، وربطت فتح المضيق بتنفيذ وقف نهائيّ وشامل للنار في لبنان، كما نص التفاهم، وذهبت إلى التفاوض الذي يشكل تعطيله بنظر الوسطاء خروجاً عن التفاهم. ولكن لم يكن متوقعاً أن تتحول جنيف، التي دخلتها واشنطن وطهران تحت عنوان الملف النووي والعقوبات وحرية الملاحة في مضيق هرمز، كما يقول التفاهم، إلى منصة نقاش يتقدم فيها الملف اللبناني على سائر الملفات. بيد أن ما جرى أظهر أن الوفد الإيراني نجح في فرض جدول أعمال مختلف، واضعاً تنفيذ التفاهمات المتعلقة بلبنان ووقف النار والانسحاب الإسرائيلي في مقدمة الأولويات قبل العودة إلى النقاشات النووية التفصيلية. ونقلت مصادر متعددة أن الجولة الأولى من المحادثات تناولت بصورة أساسية ملفات الأصول الإيرانية المجمّدة والعقوبات النفطية والوضع في لبنان، فيما تراجع الملف النووي إلى مرتبة لاحقة بانتظار تثبيت مناخ سياسي يسمح باستكمال التفاوض.

ويبدو أن هذا التوجه الإيراني اصطدم سريعاً بموجة من التصريحات التصعيدية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي عاد إلى لغة وُصفت بالـ «هيستيرية» عبر التهديد تجاه إيران وربط استمرار المسار التفاوضي بملفات تتعلق بلبنان وهرمز. وقد أدى هذا الخطاب إلى توتر واضح داخل أجواء جنيف، وسط تقارير تحدثت عن تعليق أو تجميد بعض جلسات التفاوض احتجاجاً على ما اعتبرته طهران خروجاً على روح التفاهمات التي فتحت الطريق إلى المحادثات الحالية، ونجح الوسيطان الباكستاني والقطري بتجاوز آثارها. وفي المقابل، حاول نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس الإبقاء على خطاب أكثر هدوءاً، مؤكداً استعداد واشنطن لإحداث تحول كبير في علاقتها مع إيران إذا نجحت المفاوضات في تحقيق تقدم ملموس.

وفي موازاة ذلك، برز تطور سياسي لافت تمثل في ظهور تلفزيوني بدا أنه مبرمج للرد على كلام ترامب، سعى خلاله الرئيس السوري أحمد الشرع إلى تبديد الانطباعات التي خلفتها تصريحات ترامب حول إمكان قيام دمشق بدور عسكري مباشر في لبنان أو تولي مهمة مواجهة حزب الله بدلاً من «إسرائيل». وقال الشرع إن الحديث عن دخول سورية إلى لبنان غير وارد، وإن دمشق لا تنوي الانخراط في أي دور عسكري داخل الأراضي اللبنانية. وجاء هذا الموقف بعد تكرار تصريحات أميركية تحدثت عن رغبة واشنطن في أن تتولى سورية أدواراً أمنية في لبنان، وهو ما نفته دمشق، في خطوة فُهمت على نطاق واسع بأنها جاءت بطلب خليجي وتركي لتجنب أي التباسات قد تثير توترات إضافية في المنطقة.

أما في الجنوب اللبناني، فلا تزال الهدنة تبدو شديدة الهشاشة؛ فعلى الرغم من إعلان وقف النار أكثر من مرة قبل أن يعود وينتكس بانتهاكات إسرائيلية جديدة، ما زالت «إسرائيل» تؤكد احتفاظها بحرية العمل العسكري داخل المناطق التي تحتلها، فيما يواصل حزب الله تأكيد أن أي خرق إسرائيلي سيقابل بردّ مماثل. وقد قال الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم إن المقاومة ستردّ على أي انتهاك، مؤكداً أن بقاء القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية أمر غير قابل للاستمرار. وفي المقابل، يُصرّ المسؤولون الإسرائيليون على الاحتفاظ بحق التحرك العسكري تحت عنوان مواجهة التهديدات الأمنية، الأمر الذي يجعل وقف النار قائماً من الناحية الشكلية، لكنه مفتوح على احتمالات الانفجار في أي لحظة.

وسط هذه الأجواء، يزداد الغموض المحيط بمستقبل المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية التي ترعاها واشنطن؛ فبينما تتردد معلومات عن مقترحات أميركية تتحدث عن انسحاب إسرائيلي على مراحل، تبدأ بشمال الليطاني، ثم تطال المناطق التي جرى احتلالها خلال الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وتبقى المناطق التي تم احتلالها قبل شهر آذار، والتي تربط واشنطن الانسحاب منها بملفات أمنية وسياسية، عنوانها نزع سلاح المقاومة، بينما تتنامى داخل الأوساط اللبنانية مخاوف من أن تحاول الولايات المتحدة تعويض «إسرائيل» في الساحة اللبنانية عما اضطرت إلى تقديمه في جنيف. ولذلك يزداد الحديث عن سبب عدم انتقال لبنان إلى مسار جنيف نفسه، حيث تُبحث القضايا المرتبطة بالحرب ونتائجها، بدلاً من البقاء أسيراً لمسار تفاوضي منفصل تتحكم واشنطن وحدها بقواعده وإيقاعه. وبين جنيف وواشنطن يبقى السؤال مفتوحاً: أي مسار سيرسم مستقبل لبنان؛ مسار التفاهمات الإقليمية أم مسار المفاوضات الثنائية التي لم تنتج حتى الآن سوى مزيد من المكاسب الإسرائيلية؟

لم يكن اليوم الأول من محادثات بحيرة لوسيرن في سويسرا هادئاً كما كان مأمولاً؛ فبينما دخلت واشنطن وطهران مرحلة التفاوض المباشر حول الاتفاق النهائي، كادت تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإعادة استهداف إيران وربطها مباشرة بسلوك حلفائها في لبنان أن تعصف بالمسار التفاوضي منذ ساعاته الأولى.

وبين الرواية الإيرانية التي تحدّثت عن مغادرة الوفد المفاوض قاعة الاجتماعات احتجاجاً، والنفي الذي نقله موقع «أكسيوس» باستمرار المحادثات، بدا واضحاً أن المفاوضات دخلت منذ بدايتها اختباراً سياسياً يتجاوز تفاصيل الاتفاق إلى حدود إدارة الصراع نفسه. فالرسائل النارية التي سبقت التفاوض تؤشر إلى أن واشنطن تحاول التفاوض من موقع الضغط، فيما تسعى طهران إلى تثبيت معادلة مفادها أن التهديد العسكري لن يغيّر شروطها على طاولة المفاوضات، ما يجعل الساعات المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت الأزمة تتجه نحو اتفاق شامل أم نحو جولة جديدة من التصعيد الإقليمي.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد حمّل إيران مسؤولية دعم «وكلائها» في لبنان، معتبراً أن ذلك يتسبب في الكثير من المتاعب، ودعا ترامب طهران إلى وقف دعمها لـ«حزب الله» فوراً، محذراً من أنه إذا استمرّ هذا الدعم، فإن الولايات المتحدة ستوجه لإيران ضربة جديدة «أقوى من تلك التي نُفذت الأسبوع الماضي».

وقال عضو في الوفد الإيراني المفاوض للتلفزيون الإيراني إن مباحثات يوم أمس، تناولت إنهاء الحرب على مختلف الجبهات، بما في ذلك لبنان. وأفاد التلفزيون الإيراني بانعقاد اجتماع بين إيران والولايات المتحدة وقطر، لبحث وقف شامل لإطلاق النار في لبنان، إلى جانب ملف الأصول الإيرانية المجمّدة.

وكانت وكالة «تسنيم» قد نقلت عن مصدر قريب من فريق التفاوض قوله إن مضيق هرمز لن يُعاد فتحه ما دام وقف إطلاق النار في لبنان غير محترم، وما لم تصدر إعفاءات تسمح ببيع النفط الإيراني.

وقال نائب الرئيس الأميركي إن الولايات المتحدة أحرزت تقدماً في العمل مع قطر وباكستان، معرباً عن ارتياحه لما تحقق في الملف اللبناني، وأضاف أن الأيام الثلاثة الماضية شهدت تقدماً كبيراً في مسار وقف إطلاق النار في لبنان، مشيراً إلى وجود رؤية لمستقبل مشترك تستطيع فيه الأطراف العمل على تعزيز السلام والازدهار.

وفي السياق، نقلت صحيفة «إسرائيل هيوم» عن مصدر مقرّب من البيت الأبيض تقديره أن توجيه الولايات المتحدة مطالبةً إلى «إسرائيل» بالانسحاب من جنوب لبنان بات «مسألة وقت».

وفي وقت تتجه فيه الأنظار إلى مسار التفاوض الأميركي – الإيراني في سويسرا، فإن الملف اللبناني حضر في الاجتماع الرباعي في القاهرة، الذي خصّص جانباً أساسياً من مداولاته للتصعيد العسكري الإسرائيلي ضد لبنان. ويأتي ذلك عشية الجولة الخامسة من المفاوضات المباشرة بين لبنان و»إسرائيل» في واشنطن، في مؤشر إلى أن مستقبل الجنوب لم يعد يُبحث فقط في إطار الترتيبات الميدانية، بل بات جزءاً من مقاربة سياسية وأمنية أوسع ترسم ملامح مرحلة ما بعد الحرب.

وتدخل بيروت هذه الجولة وهي تسعى، بحسب مصادر سياسية، إلى تثبيت وقف إطلاق النار، وإطلاق العمل في «المناطق التجريبية» في جنوب لبنان، ووضع جدول زمني واضح للانسحاب الإسرائيلي. في المقابل، تبدو تل أبيب، بحسب مصادر أميركية، متمسكة بفرض وقائع أمنية جديدة، سواء عبر الإصرار على الاحتفاظ بما تسميه «الخط الأصفر» كحزام أمنيّ دائم، أو من خلال رفض أي دور لـ«اليونيفيل» وآلية المراقبة الدولية، والدفع نحو تنسيق أمني مباشر مع الجيش اللبناني، وهو طرح ترفضه المؤسسة العسكرية اللبنانية بشكل قاطع.

وأعلن رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن «إسرائيل» ستُبقي على «المنطقة الأمنية» في لبنان طالما كان ذلك ضرورياً لحماية شعبها، واعتبر أن «إسرائيل» ستبرم اتفاقاً مع لبنان بعد إزالة ما وصفه بتهديد حزب الله، معرباً عن تطلعه إلى ذلك، كما اعتبر أنه لا يمكن التنبؤ بموعد سقوط النظام الإيراني، لكنه أكد أن «إسرائيل» عملت على تهيئة الظروف لتحقيق هذا الهدف.

وأفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب طالبت «إسرائيل» بتنفيذ انسحاب جزئي من جنوب لبنان، وتسعى إلى تقليص عمق «الخط الأصفر» داخل الأراضي اللبنانية، بالتزامن مع بدء الجيش الإسرائيلي تقليص قواته المنتشرة في لبنان. وفي السياق نفسه، أعلن الجيش الإسرائيلي رفع القيود المفروضة على الجبهة الداخليّة في بلدات الشمال اعتباراً من صباح اليوم. وأفادت «القناة 12» الإسرائيلية نقلاً عن مسؤولين إسرائيليين بأن «إسرائيل» تدرس تنفيذ انسحابات صغيرة من جنوب لبنان، مؤكدين في الوقت نفسه أنه لم يصل إلى تل أبيب أي طلب أميركي يدعو إلى الانسحاب من الأراضي اللبنانية.

وأكد وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الجيش الإسرائيلي غير مقيّد في عملياته داخل لبنان، مشدداً على أن القوات الإسرائيلية ستواصل العمل لإزالة ما وصفه بـ»التهديدات» أينما وُجدت.

في المقابل، اعتبر حزب الله أن مواصلة المشاركة في جلسات التفاوض المباشر تمثل تنفيذاً لتوجيهات تمليها الإدارة الأميركية على السلطة اللبنانية، معلناً رفضه لهذه المفاوضات، ومعتبراً أنها تشكل إذعاناً للإملاءات الأميركية، وتمسّ بسيادة لبنان وتخدم المصالح الإسرائيلية.

وقال الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم إن «إسرائيل» لم تلتزم باتفاق وقف العدوان المعلن في 27 تشرين الثاني 2024، معتبراً أن الحرب على إيران هدفت إلى استهداف «رأس المقاومة في العالم العربي»، لكنها فشلت في تحقيق أهدافها. وأكد أن مشروع إنهاء حزب الله والمقاومة في المنطقة سقط، وأن إيران خرجت أقوى من المواجهة، مشيراً إلى أن المقاومة صمدت رغم آلاف الغارات التي استهدفت لبنان خلال الحرب.

وشدد قاسم على رفض أي وقف لإطلاق النار يمنح «إسرائيل» حرية التحرك العسكري، مؤكداً أن الحزب يلتزم بوقف النار فيما تواصل «إسرائيل» خرقه، وأن وقف إطلاق النار يجب أن يشمل وقف العمليات براً وبحراً وجواً تمهيداً للانسحاب. كما رفض أي مناطق أمنية أو بقاء للاحتلال على الأراضي اللبنانية، مؤكداً أن الجيش اللبناني وحده المخوّل بالانتشار على الأرض وحماية السيادة، معتبراً أن الدعم الأميركي مكّن «إسرائيل» من مواصلة عدوانها وأن واشنطن قادرة على وقفه.

وأكد رئيس مجلس النواب نبيه بري في حديث صحافي أنه على تواصل دائم مع رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، رغم وجود اختلاف في الأفكار والمقاربات بينه وبينهما، مشدداً على أن انسحاب «إسرائيل» من أي قضاء في الجنوب سيتزامن مع خلوّه من السلاح، وهو ما تعهّد به بالإنابة عن حزب الله شرط التزام «إسرائيل» بذلك.

وفيما دخل وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في الثاني من آذار، فارضاً هدوءاً حذراً على بلدات وقرى جنوب لبنان، توقفت الغارات الإسرائيلية، لكن الاختبار الحقيقي لا يكمن في الساعات الأولى لوقف النار، بل في مدى التزام «إسرائيل» به، بعدما سبق أن انهار اتفاق مماثل بفعل الخروقات الإسرائيلية عقب توقيع التفاهم الأميركي – الإيراني، علماً أن عمليات التمشيط التي ينفذها الجيش الإسرائيلي بالأسلحة الرشاشة من مواقعه في البياضة استمرت باتجاه أطراف بلدتي بيوت السياد والمنصوري من منسوب الحذر.

وعكست دعوات البلديات للأهالي بالتريث 72 ساعة قبل العودة إلى قراهم حجم المخاوف من احتمال تجدّد التصعيد. وذكّرت قيادة الجيش اللبناني بضرورة تريّث الأهالي في العودة إلى القرى والبلدات الحدودية الجنوبية، والالتزام بتوجيهات الوحدات العسكرية المنتشرة، حفاظاً على سلامتهم من مخاطر الخروقات والاعتداءات الإسرائيلية.

وبينما اعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه يقترب من تسليم ملف «حزب الله» إلى سورية، ومنح الرئيس السوري أحمد الشرع دوراً أوسع في التعامل مع هذا الملف، قال الرئيس السوري أحمد الشرع إن بعض الأطراف اللبنانية لا تزال أسيرة الماضي وتتعاطى بالمعطيات نفسها التي كانت سائدة سابقاً، رغم الحرب الكبيرة التي يتعرّض لها لبنان، لافتاً إلى أن الأزمة اللبنانية عميقة وتشهد انسداداً في الحلول السياسية.

وأوضح الشرع أن سورية تطرح مقاربة مختلفة للحل، إلا أن الأولوية تبقى لوقف الحرب والقصف، كاشفاً أن دمشق عرضت رؤيتها على الولايات المتحدة، والتي تقوم على وقف الحرب ومعالجة تداعياتها السلبية على لبنان وسورية، إلى جانب البحث عن حلول اقتصادية وسياسية واجتماعية مختلفة. وقال: «الحل في لبنان لا يمكن أن يكون عسكرياً، وسنجلس مع حزب الله إذا كان ذلك يصبّ في مصالح لبنان وسورية».

وشدّد الشرع على أن سورية لن تتدخل عسكرياً في لبنان، قائلاً: «لن نرى سورية ولا الرئيس الشرع داخلَين إلى لبنان لنزع سلاح حزب الله، وما قاله ترامب لا يعني دخول قوات سورية إلى لبنان، بل البحث عن دور سوري إيجابي للمساعدة في إيجاد حل».

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : البناء