وداع رسمي وشعبي للنائب السابق جورج قصارجي

الرئيسية مجتمع / Ecco Watan

الكاتب : محرر الصفحة
Jul 07 26|18:44PM :نشر بتاريخ

ايكو وطن- البقاع- عارف مغامس

ودّعت مدينة زحلة والبقاع النائب السابق جورج قصارجي في مأتم رسمي وشعبي مهيب، حيث احتشدت الشخصيات الرسمية والسياسية والدينية والاجتماعية، إلى جانب أفراد العائلة والأصدقاء وأبناء المدينة، للمشاركة في مراسم الصلاة الجنائزية التي أُقيمت في كاتدرائية سيدة النجاة.

وترأس صلاة الجناز رئيس أساقفة الفرزل وزحلة والبقاع للروم الملكيين الكاثوليك، المطران إبراهيم مخايل إبراهيم، بمعاونة لفيف من الكهنة، وبحضور النائب هاكوب بقرادونيان ممثلاً الرؤساء الثلاثة جوزاف عون، نبيه بري ونواف سلام، المطران شاهيه بانوسيان ممثلاً بالارشمندريت يزيكيل سيلوميان، الرئيس ايلي الفرزلي، النائبان سليم عون والياس اسطفان، الوزير والنائب السابق خليل الهراوي، النائب السابق حسن يعقوب، رئيسة الكتلة الشعبية السيدة ميريام سكاف، إلى جانب عدد من رجال الدين والفعاليات الرسمية والبلدية والاختيارية والاجتماعية، وحشد كبير من المؤمنين.

وألقى المطران إبراهيم كلمة تأبينية نوّه فيها بمسيرة الراحل الوطنية والإنسانية، مستذكراً ما تحلّى به من إخلاص في خدمة الشأن العام، وما تركه من أثر طيب في الحياة السياسية والاجتماعية، مؤكداً أن الراحل شكّل نموذجاً في الالتزام بقضايا وطنه ومدينته، وأن ذكراه ستبقى حيّة في قلوب كل من عرفه وعمل معه.

وما قال: "ليست الحياة، في الإيمان المسيحي، امتدادًا لسنوات تُحسب، بل مسيرة أمانة تُوزن. فالإنسان لا يُقاس بطول العمر، بل بعمق الأثر الذي يتركه في ضمير الناس، وبالخير الذي يزرعه في أرض الزمن قبل أن يعبر إلى أبدية الله. وما الموت، في نظر المؤمن، إلا انتقال من حدود التاريخ إلى رحابة الملكوت، حيث لا تُسأل النفوس عمّا امتلكت، بل عمّا أحبّت، ولا عمّا جمعت، بل عمّا أعطت."

وأضاف: "إن الله، الذي يكتب تاريخ البشر بحروف لا تراها العيون، لا ينظر إلى المناصب والألقاب كما ينظر إلى نقاوة القلب، وإلى الأيدي التي امتدت لتصنع سلامًا، وإلى الكلمة التي رمّمت جراحًا، وإلى الإنسان الذي عاش للآخرين أكثر مما عاش لنفسه. لذلك، فإن بعض الراحلين لا يغيبون، لأن حضورهم يصبح جزءًا من ذاكرة الوطن، ومن ضمير المجتمع، ومن تاريخ الخير الذي لا يموت.
بهذا الرجاء، وبهذا الإيمان، نودّع اليوم رجلًا من رجالات زحلة ولبنان، النائب السابق جورج قصارجي، الذي طوى صفحةً مشرقة من صفحات حياته الأرضية، بعدما أمضى ثمانيةً وثمانين عامًا من العمل، والعطاء، والخدمة، تاركًا وراءه سيرةً تُروى باحترام، وذكرى تُستعاد بمحبة."

وتابع: "كان الراحل ابن زحلة الأصيل، المدينة التي أحبها حتى آخر يوم من حياته، وحملت هي أيضًا اسمه بكل اعتزاز. بدأ مسيرته في ميادين الصناعة والتجارة، فآمن بأن بناء الوطن لا يكون بالشعارات، بل بالإنتاج والعمل، وأن كرامة الإنسان تبدأ من اقتصاد قوي وصناعة مزدهرة. فكان من الداعمين الدائمين للصناعة اللبنانية، ومن المؤمنين بأن النهوض الاقتصادي هو أحد أعمدة الاستقرار الوطني.

وعندما دخل الحياة السياسية، لم يدخلها طلبًا لمجد شخصي، بل حملاً لمسؤولية عامة. فانتخبه أبناء زحلة والبقاع نائبًا في أعوام 1992 و1996 و2000 و2005، فجاءت ثقتهم به ثمرة مسيرة طويلة من الصدق والقرب من الناس، ومن الحضور الدائم في قضاياهم وهمومهم.

وفي المجلس النيابي، مارس دوره التشريعي والرقابي بروح المسؤولية، فشارك في أعمال لجان الأشغال العامة والنقل، والإعلام والبريد والمواصلات، وتولى مهمة مقرر لجنة تكنولوجيا المعلومات، وتابع ملفات وطنية أساسية، وفي مقدمتها ملف الاتصالات والهاتف الخليوي، مدافعًا عن الشفافية، وعن الاقتصاد الحر، وعن مكافحة الاحتكار، واضعًا المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
غير أن السياسة لم تكن وحدها عنوان حياته. فقد عرفه اللبنانيون، ولا سيما خلال سنوات الحرب الأليمة، رجل مصالحة قبل أن يكون رجل سياسة. كان يؤمن أن الأوطان لا تُبنى بالأحقاد، وأن المجتمعات لا تنهض إلا إذا انتصرت المحبة على الانتقام، والحوار على القطيعة، والغفران على الضغينة. لذلك، جاب البيوت، وقصد المتخاصمين، وسعى بين العائلات، حتى أصبح اسمه مرادفًا للإصلاح بين الناس، واستحق عن جدارة لقب "شيخ الصلح"، وهو لقب لا تمنحه القوانين، بل تمنحه ثقة الناس ومحبتهم.

وكان في حياته الخاصة صورة الإنسان النبيل. طيب القلب، بشوش الوجه، قريبًا من الجميع، لا يرد صاحب حاجة إذا استطاع إليها سبيلًا، ولا يميّز بين الناس إلا بمقدار حاجتهم. وكان يرى أن المسؤولية ليست امتيازًا، بل خدمة، وأن قيمة الإنسان تُقاس بما يقدمه للآخرين.

أما عائلته، فكانت وطنه الصغير. أحبها بكل صدق، وجمع أفرادها بمحبة قلّ نظيرها، حتى غدت الأسرة بالنسبة إليه رسالة قبل أن تكون رابطة دم. ولم يرزقه الله أبناءً، لكن العناية الإلهية جعلت قلبه يتسع لجميع أفراد عائلته، فكان لهم الأخ المحب، والعم الحنون، والخال الوفي، والأب الذي توزعت أبوته على الجميع"

وقال: "لقد خسر لبنان اليوم أحد رجالاته الذين مارسوا السياسة بأخلاق، والعمل العام بتواضع، والخدمة بمحبة. وخسرت زحلة واحدًا من أبنائها الذين اقترن اسمهم بتاريخها الحديث، فيما خسرت العائلة سندًا كبيرًا، وخسر الأصدقاء رفيقًا صادقًا، وخسر المحتاجون بابًا كان مفتوحًا دائمًا.

لكن عزاءنا أن الرجال الذين يزرعون الخير لا يرحلون حقًا. إنهم يبقون في ذاكرة المدن، وفي وجدان الناس، وفي دعوات الفقراء، وفي كل مصالحة صنعوها، وكل يدٍ أمسكوها، وكل دمعةٍ مسحوها. وهكذا يبقى جورج قصارجي حاضرًا في ضمير زحلة، وفي ذاكرة لبنان، وفي سجل الرجال الذين خدموا وطنهم بإخلاص وكرامة."

وختم المطران إبراهيم: "إلى زوجته الفاضلة السيدة عايدة جميل الخويري وإلى عائلته الكريمة، وإلى جميع أنسبائه وأصدقائه ومحبيه، وإلى أبناء زحلة والبقاع الذين عرفوه وأحبوه، نتقدم بأصدق مشاعر التعزية والمواساة، سائلين الله، الغني بالرحمة، أن يضم روحه إلى صفوف الأبرار، وأن يمنحه الراحة في نور وجهه، حيث لا وجع ولا حزن ولا تنهد، بل حياة لا تزول.

"طوبى لصانعي السلام، فإنهم أبناء الله يُدعون." فليكن هذا الوعد الإلهي خير تعزية لنا، وخير إكليل على حياة رجلٍ جعل من السلام رسالة، ومن المحبة نهجًا، ومن خدمة الإنسان طريقًا إلى الله."

وفي ختام الصلاة، تقبّلت عائلة الفقيد التعازي من المشاركين الذين عبّروا عن مواساتهم، مستذكرين مزايا الراحل وإسهاماته في خدمة زحلة ولبنان، قبل أن يُوارى الثرى في مدافن العائلة وسط أجواء من الحزن والتأثر.

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : ايكو وطن-eccowatan