جنبلاط: أزمات المنطقة لن تنتهي ما دام الإسرائيليون يفعلون ما يشاؤون

الرئيسية سياسة / Ecco Watan

الكاتب : المحرر السياسي
Oct 26 26|13:08PM :نشر بتاريخ

حلّ الرئيس السابق للحزب "التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط ضيفاً على كبيرة المذيعين الدوليين في مجموعة "IMI" للإعلام، هادلي غامبل، في مقابلة عُرضت على قناة "سكاي نيوز عربية" وموقع صحيفة "ذا ناشيونال".

وفي ما يلي نصّ الحوار مترجماً من الإنكليزية:

غامبل: وليد جنبلاط شكراً جزيلاً لانضمامك إليّ في هذا الحوار. كيف ترى المشهد في المنطقة اليوم؟

جنبلاط: الأميركيون ينسحبون. لا يعني ذلك أن المنطقة كانت أكثر هدوءاً حين كانوا موجودين، لكن كان لوجود ما يُسمّى بالقواعد الأميركية أهمية، إذ كان يُفترض أنها تحمي بعض الدول العربية. والآن ينسحبون، وما بقي هو أن نتنياهو موجود هنا، يسيطر على الأراضي ويوسّعها، ويبني إمبراطوريته، إمبراطوريته التوراتية.

غامبل: إذاً، خلّف الأميركيون فراغاً.

جنبلاط: نعم، والإسرائيليون يملأونه.

غامبل: عندما ترى الرئيس الأميركي دونالد ترامب يشيد بنتنياهو، تدرك مدى أهمية نتنياهو و"إيباك" هناك. وأيهما أهم من الآخر؟

جنبلاط: بالطبع نتنياهو حتى الآن.

غامبل: لكننا نرى اليوم، في الولايات المتحدة، وتحديداً داخل حركة "ماغا" في الحزب الجمهوري، خلافاتٍ بشأن العلاقة التقليدية مع "إيباك". ألا ترى أن هذه الخلافات مؤثرة بما يكفي؟

جنبلاط: نعم، لكن ذلك لن يؤثر فينا فعلياً. لن يتغير شيء هنا، سواء بسبب العناصر الخلافية في حركة "ماغا" ـ عذراً ـ أو بسبب ماركو روبيو أو فانس. لن يتغير شيء هنا.

غامبل: ألا تأثير لذلك في الانتخابات النصفية؟

جنبلاط: لا أعتقد ذلك.

غامبل: إذا كان الأميركيون قد خلّفوا فراغاً، وإسرائيل، كما تقول، تملأه، فماذا يعني ذلك للبنان؟

جنبلاط: أخشى أننا نواجه، أو سنواجه، مشكلات كبيرة، لأن الإسرائيليين يقولون صراحةً إنهم سيوسّعون أراضيهم أكثر.

وفي الوقت نفسه، يستخدم الإيرانيون حزب الله ويدعمونه، معتقدين أن ذلك سيحقق الاستقرار في لبنان أو يضعف إسرائيل، وهذا خطأ تماماً. لا أعرف ما سيحدث في لبنان أو في مناطق أخرى، لكن في لبنان لن يتغير شيء. ستزداد مشكلاتنا ودمارنا.

غامبل: هل يكتسب حزب الله مزيداً من النفوذ؟

جنبلاط: ما زال موجوداً. 

غامبل: نعم، ما زال موجوداً، لكن هل أصبح أقوى؟

جنبلاط: ربما ضعف بعد الحروب الأخيرة، لكنه ما زال موجوداً. وهذا ما أعنيه بمسار إسلام آباد الذي أخطأنا حين لم نختره، بل اخترنا مسار ماركو روبيو، مع أن الاتفاق الذي وُقّع في إسلام آباد وقّعه فانس في جنيف. وقد تطرّق إلى الإيرانيين واللبنانيين. أما المسار الذي اخترناه، مسار ماركو روبيو، فلن يقودنا إلى أي مكان.

غامبل: وضّح لي ذلك أكثر.

جنبلاط: أجرينا مفاوضات بين لبنان وإسرائيل، وكانت الولايات المتحدة تقودها، أو يُفترض أنها تقودها. عُقدت سبع جولات من دون التوصل إلى قرار، وإسرائيل ما زالت تحتل الجنوب. لن يحدث شيء، لأن الإسرائيليين قالوا: نريد نزع سلاح حزب الله. حسناً، نريد نزع سلاح حزب الله. لقد نُزع السلاح، إلى حدّ ما، من معظم الجنوب. لكن هناك الآن شمال الليطاني. ثم عندما يقولون إنهم يريدون نزع السلاح، نسأل: أي سلاح؟ فهناك اليوم تقنيات كثيرة جديدة، مثل المسيّرات وغيرها. سيقولون إن هناك مصنعاً للمسيّرات في بعلبك، وإنهم يريدون الذهاب إليه. هذا عبث، عبث بكل معنى الكلمة، لكنه مخيف.

غامبل: هل تعتقد أن الحكومة اللبنانية أخفقت؟

جنبلاط: لقد حاولت. لا أستطيع القول إنها أخفقت. لقد حاولت. اعتقد بعضهم، ولا يزال بعضهم يعتقد، أن الأميركيين قادرون على الضغط على الإسرائيليين للانسحاب. هذا وهم كامل.

غامبل: هل سنشهد وضعاً تبقى فيه إسرائيل لعقود؟

جنبلاط: أعتقد ذلك. في الاجتياحات الأخيرة لجنوب لبنان، لم يُمحَ الجنوب من على الأرض بالكامل. وهم يحاولون الآن محو كل ذكريات الجنوب، كما لو أنهم يهيّئون لإقامة مستوطنات، أو مستعمرات، في جنوب لبنان أو في جزء منه.

غامبل: وهل سيسمح لبنان بحدوث ذلك؟

جنبلاط: ما الذي نملكه من قوة أو من مبادرة سياسية؟ نحن، للأسف، خاضعون للإسرائيليين.

غامبل: وهل ستسمح سوريا بحدوث ذلك؟

جنبلاط: النظام السوري الجديد يكمل عامه الثاني بعد أشهر. كانت سوريا في الماضي أقوى، لكن بشار الأسد دمّرها حين استخدم الجيش ضد شعبه، لذلك لم يعد الجيش قائماً. والرئيس الجديد، أحمد الشرع، يحاول بناء جيش جديد، لكن هناك قيوداً. لن تسمح إسرائيل له أبداً بامتلاك جيش حديث.

غامبل: هل ما زلت تعتقد أنه كان الحل الأفضل لسوريا؟

جنبلاط: بالطبع. بعد 54 عاماً من هيمنة الأسد على سوريا، حان الوقت ليقول السوريون كلمتهم وينالوا حريتهم. بالطبع.

غامبل: وماذا عمّا يحدث للدروز في جنوب سوريا؟ فهم يقولون إنّهم القادرون على تولّي شؤون أمنهم بأنفسهم.

جنبلاط: إنهم يسلكون الطريق الخطأ في التاريخ. اختاروا أن يكونوا أداة بيد الإسرائيليين، وأن يُستخدموا كجنود جيدين. لن أتمنى لهم التوفيق. سنذهب إلى الجحيم إذا استُخدمنا من قبل الإسرائيليين، كما يستخدمون الدروز في إسرائيل. لديهم جنود جيدون، هذا كل ما في الأمر. والجنود الإسرائيليون يقاتلون الفلسطينيين هنا، ويقاتلون غيرهم. 

غامبل: الدروز في إسرائيل، فيقولون إنهم يريدون السلام، وإنهم يريدون حماية دروز سوريا. هل هم مجرد بيادق؟ أليسوا هم من يقرر؟

جنبلاط: كلا، هم لا يقررون. الحكومة الإسرائيلية هي التي تقرر مصير الدروز داخل إسرائيل وفي سوريا. هم لا يقررون.

غامبل: هل تعتقد أن دمشق تتخذ القرار الصائب بعدم فرض الأمور بالقوة مجدداً في الجنوب؟ يبدو أنها مترددة جداً، لكن المسؤولين الأميركيين يقولون لي إن ذلك يقوّض حكومة الشرع بالكامل.

جنبلاط: لم يعد هناك توازن للقوى. في السابق، كانت سوريا حليفة لنا في مرحلة ما، وكان لدينا نوع من النفوذ بفضل الاتحاد السوفياتي. أما اليوم، فلم يعد الاتحاد السوفياتي موجوداً، ولم تعد روسيا حاضرة في المعادلة؛ فهي تخوض حربها الخاصة. وهذه الآن سنتها الخامسة. ولبنان وسوريا، إلى حدّ ما، بلا حول ولا قوة.

الشرع يبني سوريا الجديدة. لكن أين حلفاء سوريا الجديدة، باستثناء بعض كلمات ترامب؟

غامبل: نعم، لكنها لا تكفي. وهل تعتقد أن دعم الخليج لسوريا قوي بما يكفي؟

جنبلاط: الخليج يواجه مشكلاته الخاصة الآن.

غامبل: نحن أمام ما يمكن وصفه بفراغ في موازين القوى، مع مغادرة الولايات المتحدة، وخروج روسيا من المعادلة، كما قلت. من سيملأ هذا الفراغ؟

جنبلاط: إنه نظام جديد، ونظام عالمي جديد. سمعتُ، كما سمعتِ أنت، أنه قد يُعقد اجتماع ما في مكان ما. آمل ذلك، بين الصينيين والأميركيين والروس. لكن هل سيحدث؟ هل سيكون يالطا جديدة، إذا جاز التعبير؟

غامبل: أتعتقد أن ذلك سيحدث؟

جنبلاط: لا أعرف. كيف لي أن أعرف؟ لكن هنا في الشرق الأوسط لن يحدث شيء، ومصالح الولايات المتحدة غير متضررة: لا النفط، ولا السلاح، ولا أسواق الأسهم، ولا غيرها.

غامبل: بعد أن تركت الولايات المتحدة الشرق الأوسط ليواجه مصيره، ماذا يعني ذلك، برأيك، للأقليات مثل الدروز؟ أليس عليهم اختيار طرف؟

جنبلاط: أنتمي إلى تاريخ طويل من المواجهة، وإلى الحركة القومية العربية. لذلك، بصفتي درزياً، إذا لم أنتمِ إلى حركات واسعة من التضامن الوطني، وإلى القومية العربية، فنحن ذاهبون إلى الانتحار.

غامبل: وهل ما زلت تعتقد أن لبنان قادر على البقاء موحّداً، وأننا لن نشهد تفككاً؟

جنبلاط: آمل ذلك. ولهذا أدعو إلى حوار داخلي، وهو أمر لا بدّ منه. يجب أن يستند هذا الحوار إلى أن الدولة وحدها مخوّلة الاحتفاظ بالسلاح. أما بالنسبة إلى حزب الله، فربما يمكن تطبيق ما جرى في بريطانيا وإيرلندا في مرحلة ما؛ فقد تنجح هنا عملية نزع السلاح. لكن هذه العملية لا يمكن أن تنجح من دون دعم الإيرانيين والطرف الآخر، أي إسرائيل والإسرائيليين.

غامبل: نعم، لا بدّ إذاً من حوار. وإذا أرادوا القتال هنا، فكيف تصف ذلك على مستوى المنطقة؟ قبل سنوات، كنا نتحدث عن هلال شيعي يمتد عبر سوريا وصولاً إلى لبنان. وقد دُمّر هذا الهلال تقريباً، لكن حزب الله، كما تقول، ما زال موجوداً.

جنبلاط: ما زال حزب الله موجوداً بسبب الطريقة التي نتعامل بها معه، سواء من جانب بعض الأطراف اللبنانية أو من جانب السياسة الأميركية. فالشيعة جزء من لبنان. لا يمكنك القضاء عليهم أو أن تقول لهم: ارحلوا.

غامبل: من ينبغي أن يشارك في هذا الحوار؟

جنبلاط: حزب الله، وبعض الأطراف الأخرى، مثل الأحزاب اليمينية في لبنان. أنا مستعد للحوار. ولا أعتقد أن الطوائف الأخرى مترددة في المشاركة. هذا هو الحل الوحيد.

غامبل: نعم، لكن لم يُحرز أي تقدم في نزع سلاح حزب الله. هل أخفقت هذه الحكومة؟ فهذا الأمر هو ما تطالب به إدارة ترامب.

جنبلاط: كما قلت لك، في ما يتعلق بحزب الله، السبيل الوحيد هو الحوار معه، وربما إيجاد طريقة تتيح التوصل إلى عملية لنزع السلاح. لقد نجح هذا الأسلوب في مرحلة ما. وحتى مارغريت تاتشر، المرأة الحديدية، قبلت آنذاك بتسوية مع الجيش الجمهوري الإيرلندي. وأشخاص كانوا في السجون بسبب انتمائهم إليه أصبحوا اليوم في السلطة.

غامبل: يقول بعضهم إنك لا تتشدد بما يكفي في موقفك من حزب الله.

جنبلاط: أتشدّد؟ لكي يؤدي التشدد إلى حرب أهلية، كما يريد بعض الدبلوماسيين أو بعض الأطراف المحلية هنا؟ لا أستطيع أن أقبل بذلك.

غامبل: إذاً، ترى أن سياسة هذه الحكومة ليست صائبة؟

جنبلاط: ليس في عهد هذه الحكومة وحدها. فقد حدث ذلك أيضاً في مرحلة سابقة، حين استُخدم الجيش ضد شعبه، أو ضد جزء من شعبه، عام 1983، قبل 43 عاماً. يومها انقسم الجيش وتفكك جزء منه. فلماذا نكرّر تجربة سيئة مضى عليها 43 عاماً؟

غامبل: قلت لي إن دروز سوريا يسلكون الطريق الخاطئ، وإنهم يتطلعون إلى إسرائيل لحمايتهم. أهذا ما يحدث؟

جنبلاط: إنّهم يسيرون عكس تاريخهم الوطني، وعكس تاريخ التحرر الوطني الذي قاد فيه سلطان باشا الأطرش، في مرحلة ما، تحرير سوريا بأكملها من الانتداب الفرنسي.

غامبل: ماذا كان والدك سيقول في ما يفعلونه؟

جنبلاط: آمل أن أكون سائراً على خطاه، وعلى الطريق الصحيح، رغم شعوري بأن بعض الدروز تخلّوا عني. لا بأس. سأواصل طريقي وحدي، حتى لو بقيت وحيداً.

غامبل: كيف ينعكس ذلك، برأيك، على الطائفة الدرزية، وهي للأسف لا تتحرك كجماعة واحدة؟

جنبلاط: ينبغي للدروز أن يدركوا أن استخدامهم، وإخضاعهم للمخططات والهيمنة الإسرائيلية، وتحويلهم إلى جنود جيدين في مواجهة أي طرف، أو العرب، لن يقودهم إلى أي مكان.

غامبل: أيتجاوز الأمر مجرد خلاف سياسي؟ نرى الهجري يغيّر أسماء، ومنها اسم جبل العرب، ويطلق عليه اسماً عبرياً. ما الذي يقف وراء ذلك؟

جنبلاط: عندما بدأت أحداث غزة في السابع من تشرين الأول، استمعت إلى الأخبار وإلى بعض الشعارات الجديدة. وقررت أن أعود إلى قراءة الكتاب المقدس، أي العهد القديم. يبدو أننا نشهد الآن تحرير ما كان يُسمّى فلسطين، وما زال يُسمّى فلسطين، على يد النبي يشوع، كما ورد في تلك الرواية. علينا أن نعود إلى قراءتها، لأننا أمام سياسة تستند إلى العهد القديم وإلى المرويات التوراتية. وأذكّرك بأن الكتاب المقدس يضم، على ما أعتقد، نحو سبعين سفراً. فأيّها نختار؟

غامبل: في ظل هذا الفراغ في موازين القوى، هل تؤدي أوروبا أي دور على الإطلاق؟

جنبلاط: للأسف، لا. فبسبب السياسة الأميركية، قررت الولايات المتحدة في مرحلة ما التخلي عن حلف شمال الأطلسي، وقررت الوقوف إلى جانب الروس في مواجهة أوروبا. لا أعرف لماذا. واعتقد ترامب أنه يستطيع الاستغناء عن أوروبا، وهذه ليست سياسة صائبة.

غامبل: وكيف ترى مسار السياسة الأميركية تجاه إيران؟

جنبلاط: اعتقد ترامب أن استخدام القوة العسكرية سيؤدي إلى فرض الهيمنة على المنطقة. لكنه أخفق حتى الآن. وإيران لا يمكن محوها من الوجود. قال ترامب ذات مرة إنه سيمحو إيران. يا لها من سياسة خاطئة.

غامبل: برأيك، هل كان الوضع سيعمل بصورة أفضل لو أُنشئت كانتونات، وأُديرت كل منطقة على حدة؟

جنبلاط: لقد فعلت ذلك بنفسي عام 1975. كان الأمر واقعياً آنذاك، مع شعار الانفصال، وشعار: "يمكننا أن نعيش، فلننشئ كانتونات". واستمر ذلك 19 عاماً. علينا أن نتخلى عن هذه السياسة. يجب أن نعيش معاً. هناك مسيحيون ومسلمون في كل مكان، ولا يمكن فصلهم بعضهم عن بعض، ولا يمكن إقامة كيانات صغيرة أو كانتونات.

غامبل: ما الذي تستطيع الولايات المتحدة فعله للمساعدة في حل هذا الوضع؟

جنبلاط: عليها أن ترسل إلينا دبلوماسيين أفضل، وأن تعتمد سياسة أفضل هناك (في واشنطن).

غامبل: أهذا يعني أن الولايات المتحدة تتدخل في اختيار المسؤولين المنتخبين لديكم؟ هل تعتقد ذلك؟

جنبلاط: لقد كان لها دور، نعم. لها نفوذ كبير، وتستخدم الآليات المحلية، نعم. لكن علينا أن نستخدم هذه الآليات بإيجابية، لا بسلبية.

غامبل: إذاً، هل تتحمل الولايات المتحدة مسؤولية الحكومة اللبنانية الحالية؟

جنبلاط: وبعض اللبنانيين في الولايات المتحدة أيضاً، وبعض المحافظين الجدد هناك، أو بعض المسيحيين الإنجيليين المولودين من جديد، ممن لهم أهمية كبيرة في السياسة الأميركية. أعتقد ذلك.

غامبل: كيف ترى روسيا؟

جنبلاط: إعتقد بوتين أنه قادر على ابتلاع أوكرانيا في أسبوع واحد.ونحن الآن على مشارف السنة الخامسة. وهذا يعيدنا إلى التاريخ. ففي ذلك الوقت، اضطهد ستالين الأوكرانيين. نعم، استخدم الأوكرانيين… أما خروتشوف، فكان من أصل أوكراني. هؤلاء الناس من حقهم أن يعيشوا وأن تكون لهم طريقة حياتهم الخاصة. أضف إلى ذلك أن لدى روسيا طموحات، وأن جزءاً من أوكرانيا ربما يؤيد روسيا.

جنبلاط: الحوار ضروري مرة أخرى.

غامبل: هل تعتقد أنه سرّع نهايته بنفسه، في ظل المشكلات الاقتصادية الكبيرة التي تواجهها روسيا نتيجة هذا الصراع؟

جنبلاط: لا أوافق. أنا أؤيد روسيا، وأؤيد وحدتها. أوروبا تدعم تفكك روسيا، وتفكك بلد يمتلك، لا أعرف، 15 ألفاً أو 8 آلاف رأس نووي. وهذا سيؤدي إلى نهاية العالم. أنا أؤيد وحدة روسيا رغم كل الصعاب.

غامبل: وماذا عن الإسرائيليين، مع اقتراب الانتخابات؟ هل ترى مستقبلاً لإسرائيل من دون بنيامين نتنياهو على رأسها؟

جنبلاط: وما البديل؟ آيزنكوت؟ لا أعرف.

غامبل: يبدو لك المشهد السياسي إذاً متمحوراً حول نتنياهو.

جنبلاط: سياسة إسرائيل، في الماضي والحاضر والمستقبل، تقوم على محو الهوية الوطنية الفلسطينية، من غزة إلى الضفة الغربية، وعلى التوسع في سوريا ولبنان. لن تتغير. لا يهم من سيفوز في الانتخابات؛ لن يتغير شيء، لا شيء.

غامبل: وماذا عن "مجلس السلام" الذي طرحه ترامب؟

جنبلاط: اختفى، وتلاشى. أراد أن يحلّ محل الأمم المتحدة، لكن لا يمكن استبدالها. يجب التمسك بها. أين مجلس السلام؟ أين القوات التي كان يُفترض أن تعمل على استقرار غزة؟ وأين خطة إعادة إعمار غزة؟ لا شيء. والشتاء يقترب.

غامبل: ماذا يعني ذلك للنازحين؟

جنبلاط: سيحاولون، إن استطاعوا، إخراج النازحين من غزة بالقصف والقتل، ودفعهم إلى المجهول: إلى مكان ما في أفريقيا أو الشرق الأوسط، أو لا أعرف أين، ربما إلى الضفة الغربية. هذا هو شعار السياسة الإسرائيلية القديم: «لا وجود لفلسطين». من هرتزل إلى وايزمان إلى بن غوريون، لم يذكروا فلسطين. وإذا كانت هناك فلسطين، فلتكن في الضفة الشرقية.

غامبل: هل ينبغي أن نتوقع أن يبدأ الإسرائيليون قصف لبنان مجدداً؟

جنبلاط: للأسف، نعم. قال وزير الدفاع ذلك قبل أسبوع: "سنبيد جزءاً من بيروت"، أي الضاحية الجنوبية ذات الغالبية الشيعية. هو قال ذلك، لا أنا.

غامبل: إذاً، نحن ننتظر ذلك، للأسف. برأيك، ما الذي يتطلبه الأمر حتى يدعم المجتمع الدولي سيادة لبنان؟

جنبلاط: نودّ أن نفصل لبنان عن محيطه، لكننا لا نستطيع. أعود إلى النموذج السويسري؛ فقد أصبحت سويسرا محايدة في مرحلة ما. لكن ذلك احتاج إلى موافقة القوى المحيطة بها.

إسرائيل لن تقبل بذلك أبداً. وفي المقابل، العالم العربي اليوم عاجز في ما يتعلق بلبنان. لذلك نرى نفوذ السعودية وسائر دول الخليج يتراجع. لديهم مشكلاتهم الخاصة.

أما مستقبل لبنان وهذه الحكومة، فيعيدنا إلى الشعار القديم، وهو أيضاً شعار جديد: علينا أن نتحدث بعضنا إلى بعض. ورغم أن الاحتمالات المقبلة تبدو مروّعة، لا مفرّ من الحوار والتواصل.

غامبل: ومن يقف في طريق ذلك؟

جنبلاط: علينا أن نتواصل مع حزب الله، وأن نتحدث، إذا اقتضى الأمر، مع الإيرانيين. وعلينا أيضاً أن نتحدث مع بعض الأطراف المحلية المترددة في الحوار مع حزب الله.

غامبل: إذاً، مع من ينبغي التحدث في إيران؟

جنبلاط: لا فكرة لديّ. يبدو أن هذا هو السؤال الذي يشغل معظم الدبلوماسيين اليوم. هذا الأمر يتجاوز فهمي. لست خبيراً في السياسة الداخلية الإيرانية، عذراً.

غامبل: ما طبيعة ما يحدث في جنوب لبنان؟ هل المسألة مسألة كبرياء؟

جنبلاط: المسألة ليست ما يحدث في جنوب لبنان. المسألة أنه في مرحلة ما، خلال وجود حسن نصر الله، كان لديه نفوذ يتيح له فرض الحوار، وكان قادراً على فهم القضايا اللبنانية، نعم. أما الآن، فقد رحل واغتيل. لذلك، فإن سياسة حزب الله الفعلية لا تُقرَّر هنا، بل في طهران. ولهذا أكرر أننا ينبغي أن نتحدث إلى الإيرانيين، وأن نحاول التواصل مع من يمكننا التحدث إليهم. لست خبيراً في السياسة الداخلية الإيرانية، لكن علينا أن نحاورهم كي نتمكن من التأثير هنا، والحدّ من نزعتهم إلى التصعيد.

غامبل: أريد أن أسألك مجدداً عن جنوب سوريا. ما الذي يقف وراء هذا التوجه نحو الحكم الذاتي؟ هناك مساران محتملان، وكلاهما لا يصبّ في مصلحة الحكومة المركزية في دمشق: إما أن يصبحوا أدوات بيد إسرائيل، أو أن يحاولوا العيش بحكم ذاتي.

جنبلاط: لنتذكّر المجزرة التي وقعت قبل نحو عام. في ذلك الوقت، كان ينبغي تشكيل لجنة لتقصّي الحقائق، فقد قُتل ألف درزي. لكن بعض الدروز اختاروا أيضاً طرد السكان البدو من جبل الدروز. نحن الدروز والحكومة مسؤولون. كان ينبغي أن تُشكَّل لجنة تحقيق، ثم يُعقد نوع من اللقاء للتوصل إلى تسوية. لكن شيئاً من ذلك لم يحدث.

غامبل: قلت إنك ترى أن هذه السياسة خاطئة. لكن هناك رجل دين يحشد الناس حولها.

جنبلاط: هو ليس رجل دين، بل مجرد دمية في أيدي الإسرائيليين، عذراً. وليس رجل الدين الموقّر الذي يُصوَّر على أنه كذلك.

غامبل: وهل لهذا السبب يتبعه الناس؟

جنبلاط: أنا أعترض على سياسته، ولن أنضم إلى مساعيه الرامية إلى فصل الدروز عن العالمين العربي والإسلامي.

غامبل: وهل تعتقد أنه لا يحظى بتأييد الطائفة كلها؟

جنبلاط: يحظى بتأييد بعض الدروز في السويداء، نعم، لكن ليس الجميع. فالدروز في سوريا لا يتركزون في جنوب شرق البلاد وحده. هناك أحياء في دمشق يسكنها دروز ومسيحيون ومسلمون. وهو يهدد هؤلاء الناس.

غامبل: عندما سألت وزير الخارجية التركي قبل بضعة أشهر إن كان الصدام مع إسرائيل في سوريا حتمياً نتيجة ما يجري في الجنوب، قال إن المشكلة هي إسرائيل، لكنه لم يوضح ما إذا كانت ستقع مواجهة مباشرة. نعرف أن الشرع ونتنياهو تحدثا. فهل تعتقد أننا قد نشهد اشتباكات أو مواجهة مباشرة؟

جنبلاط: حتى الآن، لا تقبل إسرائيل بإعادة خطوط الهدنة لعام 1974، التي أُقرت بعد حرب 1973. كان هناك خط هدنة، لكن الإسرائيليين يوسّعون الآن المنطقة التي يسيطرون عليها. باتوا على بُعد 40 ميلاً، أو 40 كيلومتراً، من دمشق، ويعتقدون أنهم قادرون على توسيعها أكثر في مناطق أخرى. فالمياه أيضاً جزء من القضية هناك؛ فجبل الشيخ، أو جبل حرمون، مصدر للمياه، أي للموارد الطبيعية.

غامبل: كيف سينتهي ذلك؟

جنبلاط: لن ينتهي. كيف يمكن أن ينتهي ما دام نتنياهو، أو الحكومة الإسرائيلية أو المجتمع الإسرائيلي، يشعر بأنه يستطيع فعل ما يشاء، في أي مكان، مستخدماً القوة؟ وهذا ما سيحدث مع تراجع النفوذ الأميركي. الأميركيون ينسحبون لمصلحتهم الخاصة، بعدما تعرّضت قواعدهم لضربات شديدة في مكان ما. ينسحبون ولا يكترثون؛ فلديهم أسطولهم في مكان آخر. أما السياسة الإسرائيلية، فمبنية على العدوان وتوسيع مناطق النفوذ في كل مكان.

غامبل: هل ترى أن الخليج سيبقى ضعيفاً نتيجة ذلك؟

جنبلاط: ينبغي للأمير محمد بن سلمان أن يعود إلى سياسته السابقة، وأن يتوصل إلى تسوية مع الحوثيين في اليمن فاستقرار السعودية بعيداً عن الحرب أمر بالغ الأهمية.

 

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : سكاي نيوز عربية