الجمهورية: أزمة «الميكانيزم» معقّدة ومخاوف من تصعيد وعون: رغم التحريض البلد على الطريق الصحيح
الرئيسية صاحبة الجلالة / Ecco Watan
الكاتب : محرر الصفحة
Jan 22 26|09:06AM :نشر بتاريخ
العالم مصدوم بأحداث متسارعة تُنذر باحتمالات ساخنة على أكثر من ساحة، لم تستطع تقديرات المحلّلين والمعلّقين من اختراق جدار الغموض الذي يكتنفها، وتحديد مساراتها وما قد تختزنه من سيناريوهات مجهولة، وتداعيات وربما متغيّرات وتحوّلات. ولبنان في موازاة هذه الأجواء، يتخبّط من جهة بعاصفة سياسية وسجالات دخلت مدار الاحتدام على غير صعيد رسمي وسياسي وحزبي، ومن جهة ثانية بـ»أزمة الميكانيزم» وما قد يرخيه تعطيلها أو تجميدها من تداعيات، ولاسيّما على الصعيد الأمني، وخصوصاً في ظل رفع إسرائيل لوتيرة التصعيد والإعتداءات على المناطق اللبنانية، ولاسيما الجنوبية، على ما حصل في الساعات الأخيرة من غارات واغتيالات.
«خبيصة» مفزعة!
المناخ الدولي، ووفق ما تخلص إليه مقاربة ديبلوماسية أممية، يبدو وكأنّ موجة اهتزاز عنيفة ضربته، والصورة على مستوى العالم، تعكس في معظمها، ازدحاماً لتطوّرات وخطوات ومبادرات غير محسوبة أو متوقعة، رسمت خريطة توترات واسعة ومقلقة، ودائرة مفاعيلها خارج نطاق التقدير حالياً.
وساحات التوتر، كما ترسمها تلك المقاربة، تتجاذبها سلسلة من النقاط الساخنة، بدءاً أولاً، من جبهة إيران التي لم تخرج بعد من دائرة الاحتمالات الحربية بين واشنطن وطهران، وثانياً جبهة غرينلاند المستجدة، التي تشهد استنفاراً دولياً، مصحوباً بكباش متصاعد حولها بين الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها الأوروبيِّين، ومن بينهم مَن يُعتبَرون أقرب الحلفاء لها مثل بريطانيا، وعلى حافة هذا النفور تساؤلات فرضت نفسها حول أوكرانيا، وخصوصاً في ظل ما ذهبت إليه بعض التقديرات من فرضيات ترجّح تأثرها بارتدادات هذا الخلاف، ما يعزّز المخاوف من بروز تحوّلات جذرية في مسار الحرب. وثالثاً الجبهة الكندية، إذ إنّ كندا التي تُعتبَر من أكثر الدول قرباً من الولايات المتحدة، تمرّ العلاقة بينها وبين الولايات المتحدة في مرحلة هي الأسوأ في تاريخ الدولتَين. وما يقوّي احتمال حماوة الكباش أكثر، ما تبدّى في الأيام الأخيرة من مغازلة علنيّة، وربّما متعمّدة من قِبل بعض تلك الدول للصين. ورابعاً، العلاقات بين بعض دول الخليج التي دخلت في الفترة الأخيرة في توتر غير مسبوق، تتبدّى في أفقه مخاوف واحتمالات مقلقة.
وعلى حدّ توصيف مسؤول رفيع لـ»الجمهورية»، فإنّ «ما يشهده العالم أشبه بـ«خبيصة مفزعة»، تنذر بصراع دولي واسع، إنما معالمه لم تتحدّد بعد، فالصراع ليس على إيران، كون الضغط عليها الاقتصادي والعسكري وغير ذلك، يحظى بإجماع واشنطن والدول الحليفة لها، بل انتقل إلى مكان آخر، واشتعلت شرارته مع رفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب لشعار «أميركا أولاً» بمعزل عن تلك الدول، وحدّد الهدف المركزي له باستعادة غرينلاند وحتى كندا، ويبدو مع النبرة العالية التي يقارب فيها ترامب مواقف الدول الأوروبية وإجراءاتها التي اتخذتها، وخصوصاً إرسال قوات عسكرية إلى غرينلاند، أنّ الأمور سائرة في مسار تصعيدي، حيث لا يبدو أنّ ترامب سيتراجع عن تحقيق هدفه».
وكان الرئيس الأميركي أعلن في منتدى دافوس أمس «أنّ أوروبا لا تسير في الاتجاه الصحيح، وهناك دول لم نعُد نتعرّف عليها. نريد من أوروبا أن تكون حليفاً قوياً، ولا توجد قوة في الناتو قادرة على حماية غرينلاند سوى الولايات المتحدة. كم كنّا أغبياء عندما أعدنا غرينلاند إلى الدنمارك سابقاً، ونستغرب هذا القدر من الجحود الذي يواجهوننا به»، موضّحاً «أنّنا لا نحتاج إلى معادن غرينلاند النادرة، ونحتاج إلى الجزيرة لأنّها مهمّة لمصالحنا الأمنية. الولايات المتحدة وحدها القادرة على حماية غرينلاند، وأريد مفاوضات فورية لنبحث شراءها، معتبراً «أنّ استحواذنا على غرينلاند لن يقوّض الناتو بل سيعزّزه، و لن أستخدم القوّة للاستحواذ على غرينلاند».
تصعيد واسع
داخلياً، شهد يوم أمس، وتيرة عالية من التصعيد الإسرائيلي التي تُرجِمت بسلسلة استهدافات وغارات طالت مناطق عديدة في الجنوب، واغتيالات لاسيّما في صور والزهراني، وقصف عدد من المنازل في بعض قرى صيدا والنبطية وإقليم التفاح ومنطقة الخيام وجرجوع والكفور وقناريت والخرايب وأنصار.
ويتزامن ذلك، في ظل تعطّل عمل لجنة «الميكانيزم» وتوقفها عن الاجتماع. وفيما لا تبدو في الأفق أي مؤشرات لاستئناف اجتماعات اللجنة، أكّد مصدر رسمي لـ»الجمهورية» أنّ «الأجواء غير مشجّعة، والتعقيدات كثيرة».
وحول هذا الموضوع أبلغ مرجع سياسي إلى «الجمهورية» قوله: «حتى على رغم من عدم فعالية لجنة «الميكانيزم»، وأيضاً على رغم ممّا عبّرت عنه هذه اللجنة منذ تشكيلها من انحياز كامل لإسرائيل، فإنّها تريد تطيير اللجنة، وفرض مسارات وأطر جديدة، تمكّنها من فرض إرادتها على لبنان، والإلتزام بالقواعد السياسية وغير السياسية التي تحدّدها، ويجب هنا ألّا نُخرج من حسباننا المنطقة العازلة التي تريد فرضها في المنطقة الحدودية».
ورداً على سؤال عمّا قاله رئيس الوفد اللبناني السفير السابق سيمون كرم، من أنّ إسرائيل تطرح أموراً قاسية، قال: «كما سبق وقلت، إسرائيل تريد أن تفرض إرادتها وتُخضِع لبنان، ومنذ إعلان اتفاق وقف الأعمال العدائية لم تقدّم شيئاً، على رغم من كل ما قدّمه لبنان، ولم تبدِ أي إشارة إلى استعدادها لتقديم أي شيء، بل هي تطلب وتطلب، ولا تريد أن تقدّم شيئاً، بل عندما يُستجاب لطلبها، تطلب أكثر».
ولفت المرجع عينه إلى «أنّ هدف إسرائيل واضح، لجهة نسف اتفاق وقف إطلاق النار والقرار 1701 والإطاحة بوجود «اليونيفيل» في الجنوب، وقد نجحت بذلك بدعم أميركي واضح في إنهاء وجود «اليونيفيل» آخر السنة الحالية، من البداية توضّح هدفها هذا، وجوهره إخضاع لبنان لمشيئتها، وتثبيت احتلالها للنقاط اللبنانية المحتلة وتوسيع نطاق احتلالها، ومزيد من حرّية الاستهداف والاستباحة للمناطق اللبنانية، والواضح بشكل جلي أنّ ما تقوم به إسرائيل يتمّ برعاية أميركية كاملة».
وعلى رغم من ذلك، يقول المرجع: «إسرائيل تريد نسف اتفاق وقف الأعمال العدائية وفرض إطار جديد، ومن جهتنا نؤكّد أنّ لبنان الملتزم بهذا الاتفاق إلى جانب التزامه الكلي بالقرار 1701، لا يقبل بأي اتفاق أو أي إطار آخر. كما أنّه على رغم من تجميد أو تعطيل اجتماعات «الميكانيزم»، وعلى رغم من المآخذ الكثيرة التي سجّلناها على أدائها وتراخيها أمام اعتداءات إسرائيل، فما زلنا متمسكين بهذه اللجنة، بوصفها الآلية التطبيقية لاتفاق وقف الأعمال العدائية».
وإذ أكّد أنّ لبنان يرفض أي تغيير في بنية اللجنة، بل يصرّ على بقائها بإطارها الخماسي؛ الأميركي، الفرنسي، اللبناني، الإسرائيلي و«اليونيفيل». كما يرفض أي تعديل ينقلها من كونها لجنة أمنية إلى لجنة سياسية. ذكّر بأنّه عندما وافق لبنان على إضافة مدني إلى الوفد اللبناني تمّ ذلك تحت سقف الثوابت اللبنانية التي ترتكز على وقف العدوان، والانسحاب الإسرائيلي من النقاط التي تحتلها إلى ما بعد الحدود الدولية، وإطلاق الأسرى. ولا شيء آخر سياسياً كان أو اقتصادياً كما يروّجون أو غير ذلك.
وعن التصعيد المتجدّد أوضح: «طالما الإعتداءات الإسرائيلية مستمرة وليس ما يردعها، فإنّ الوضع لا يبعث على الإطمئنان، وما يُخشى منه في هذا الإطار، ليس اشتعال حرب واسعة، بل أن ترفع إسرائيل وتيرة الضغط على لبنان، عبر تكثيف اعتداءاتها وتوسيع نطاقها».
بري: الوحدة
وقد تابع رئيس مجلس النواب نبيه بري الوقائع الميدانية جراء العدوان الجوي الإسرائيلي الذي إستهدف مساء امس، بلدات قناريت، الخرايب، الكفور، جرجوع وأنصار، وأعطى توجيهاته للأجهزة المختصة في الدفاع المدني التابع لكشافة الرسالة الإسلامية ومكتب الخدمات الاجتماعية في حركة أمل والمجالس البلدية المعنية بوضع كل إمكاناتها بتصرف عشرات العائلات التي دمرت منازلها وأصبحت بلأ مأوى جراء العدوان الإسرائيلي المتواصل على لبنان.
وقال بري: «لم يعد يجدي لبنان واللبنانيين بيانات الشجب والإدانة، ما ينقذ لبنان ويحرر أرضه ويحصنه في مواجهة العدوانية الإسرائيلية الوحدة الوطنية ثم الوحدة الوطنية، الرحمة للشهداء والشفاء العاجل للجرحى الذين سقطوا اليوم لا سيما الاعلاميون منهم.
عون لإجراء الانتخابات
سياسياً، أكّد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، أمام السلك القنصلي أمس «أنّ لبنان كما سبق وقلت، بات على الطريق الصحيح على رغم من التحدّيات وبعض المشاكل، إنّما ليس هناك من مستحيل، والحكومة التي لم يمضِ على تشكيلها سنة، أنجزت الكثير واتخذت قرارات لم تُتخذ منذ ما يقارب الـ40 عاماً، وملأت الفراغ في الإدارات، وما تحقق في هذه الفترة هو إنجاز مهمّ لا يمكن لأحد أن ينكره، ويبقى الكثير أيضاً لإنجازه».
وتمنّى الرئيس عون أن تكون السنة الحالية أفضل من السنة الماضية، لجهة الإصلاحات التي يُعمَل عليها، ومكننة ورقمنة الإدارة، وإصلاح الوضع المصرفي والمالي، واستقرار الوضع في الجنوب وعلى الحدود مع سوريا.
وإذ أشار إلى بعض حملات التشويه والتضليل، أوضح «أنّ الواقع مغاير تماماً، ويمكن للجميع أن يشهدوا ما حصل وسيحصل، ونحن على أبواب الإنتخابات النيابية التي يجب أن تُجرى في وقتها لأنّها استحقاق دستوري ويعزّز مصداقيّتنا أمام الخارج، كما أنّها من ضمن الإصلاحات التي تُجرى، ولا يمكن القيام بجزء فقط منها».
وأضاف عون: «تعرّض مشروع قانون الفجوة المالية للانتقادات، حتى قبل أن يُقدَّم إلى المجلس النيابي، لكنّ المهمّ أنّ الحكومة وضعت مشروع قانون على رغم من أنّه غير كامل أو عادل بالمطلق، لكن بات هناك مشروع يمكن للجان النيابية ومجلس النواب مناقشته ووضع الملاحظات عليه، قبل أن يُرفَع إليّ لإتمام الملاحظات عليه، وإذا لزم الأمر أعيده إلى البرلمان مجدّداً. ولكن بات المودع على يقين أنّ أمواله لن تذهب إدراج الرياح، ويمكن استعادتها خلال فترة محدّدة، بدل أن يبقى في المجهول في ظل غياب أي قانون يؤسس لإعادة الودائع إلى أصحابها».
وختم بالقول: «في الإجمال، الأمور تسير بشكل جيد، والوضع الاقتصادي أفضل بكثير بدليل ما تحقق من أرقام، فيما عودة النشاط إلى الحركة السياحية تثبت أنّ الثقة تعود بين لبنان والخارج وبين الحكومة والشعب.
وأمام وفد من «جمعية عباد الرحمن»، لفت الرئيس عون إلى «أنّ مسؤولية بناء الوطن لا تقع على رئيس الجمهورية وحده بل هي مسؤولية مشتركة»، مشدّداً على أنّ لا خوف على البلد: «الوطن هو السقف الذي يحمي الجميع بعيداً عن الطائفية والمذهبية والحزبية، وعلى أنّ لا فضل لأحد على آخر فيه، وعندما يسقط سقفه فهو يسقط على الجميع».
حاجات الجيش
من جهة ثانية، لا جديد على صعيد ما سُمّيت المرحلة الثانية من تنفيذ قرار حصر السلاح في منطقة شمال الليطاني، وذلك في انتظار صدور القرار الحاسم من الجهات المعنية السياسية والعسكرية لتحديد لحظة التنفيذ. فيما تعكس الأجواء المحيطة بهذا الملف، تعقيدات مانعة للإنتقال إلى المرحلة الثانية، وجوهرها وفق ما يقول مصدر سياسي لـ«الجمهورية»: «عدم اكتمال المرحلة الأولى من خطة الجيش بصورة كاملة في ظل بقاء الاحتلال الإسرائيلي لمجموعة النقاط اللبنانية، بالإضافة إلى منع إسرائيل للجيش من استكمال انتشاره في المنطقة الجنوبية. يُضاف إلى ذلك، موقف «حزب الله» الذي أعلن صراحة رفضه القيام بأي شكل من أشكال التعاون في شمال الليطاني، على اعتبار أنّ اتفاق وقف الأعمال العدائية يعني منطقة جنوب الليطاني حصراً، دون غيرها من المناطق اللبنانية».
على صعيد متصل بالمؤسسة العسكرية، فحاجات الجيش اللبناني كانت محور نقاش في اجتماع لجنة الإشراف العليا على برنامج المساعدات لحماية الحدود البرية، الذي عُقِد في اليرزة أمس، في حضور قائد الجيش العماد رودولف هيكل، والسفير الأميركي ميشال عيسى والسفير البريطاني هاميش كاول والسفير الكندي غريغوري غاليغان، إلى جانب عدد من ضباط القيادة وقادة الوحدات، وأعضاء فريق العمل المشترك اللبناني - البريطاني - الأميركي، وفريق التدريب الكندي (CTAT) وخلال الاجتماع، عُرضت المراحل المنفَّذة من البرنامج والخطوات المقبلة لتلبية حاجات الوحدات العسكرية المكلّفة بضبط الحدود الشمالية والشرقية ومكافحة التهريب والتسلّل غير الشرعي، والتحدّيات التي تواجهها هذه الوحدات وسط التطوّرات الحالية.
وأكّد العماد هيكل «أنّ التزامنا حماية الحدود التزام نهائي، وقد بذلنا الكثير من الجهود والتضحيات لهذه الغاية، غير أنّ تحقيق هذا الهدف بفاعلية يستلزم دعماً عسكرياً نوعياً، انطلاقاً من حجم التحدّيات القائمة على الحدود الشمالية والشرقية»، وشدّد على «أهمّية المساعدات التي قدّمتها السلطات الأميركية والبريطانية والكندية إلى الجيش»، شاكراً دعمها المتواصل في ظل الصعوبات الحالية.
كما لفت السفراء المشاركون إلى أهمّية دور الجيش في حفظ أمن لبنان واستقراره، منوّهين بمستوى احترافه ونجاحه، ومؤكّدين ضرورة دعم المؤسسة العسكرية لتعزيز قدرتها على أداء مهماتها على كامل الأراضي اللبنانية.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا