الأخبار: قصف متبادل... واستعدادات لتصعيد إضافي: أميركا تفجّر «مذكرة التفاهم»

الرئيسية صاحبة الجلالة / Ecco Watan

الكاتب : محرر الصفحة
Jul 09 26|06:41AM :نشر بتاريخ

عشية مواراة جثمان المرشد الإيراني الراحل، آية الله الشهيد علي خامنئي، اليوم، في مدينة مشهد، ضمن رحاب حرم الإمام الرضا، والتي تأتي بعد أسبوع حافل بمراسم تشييع جابت طهران، وقم، والنجف، وكربلاء، عادت المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة لتشتعل من جديد في مضيق هرمز. ومع إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، انتهاء وقف إطلاق النار، باتت أسس مذكرة التفاهم الموقَّعة بين الجانبين، في 18 حزيران الماضي، أكثر تزعزعاً من ما كانت في أيّ وقت مضى، الأمر الذي يضاعف الشكوك حول إمكانية تحويلها إلى اتفاقٍ نهائي، خصوصاً مع عودة ظلال الحرب لتخيّم من جديد على المنطقة بأسرها.

وبدأت جولة التصعيد الجديدة، أول من أمس، حين تعرّضت ثلاث سفن تجارية تابعة لقطر والإمارات والسعودية لهجوم نُسب إلى إيران، وهو ما اعتبرته الولايات المتحدة «خرقاً صارخاً» لوقف إطلاق النار، يستدعي ردّاً «فورياً» منها. ومع فجر أمس، شنّت مقاتلات أميركية غارات جوية واسعة استهدفت مواقع في بندر عباس وسيريك وجزيرة قشم في جنوب إيران، وطاولت -بحسب الإعلان الأميركي- منشآت صاروخية، ومخازن طائرات مسيّرة، ومستودعات ذخيرة، ومنظومات رادار ساحلية. وردّ «الحرس الثوري الإيراني» على ذلك بهجوم واسع بالصواريخ والمسيّرات ضدّ أهداف عسكرية أميركية في الكويت والبحرين.

ومع حلول ساعات المساء، أعلنت «القيادة المركزية الأميركية» شنّ ضربات إضافية ضدّ إيران، استهدفت، بحسب قولها، «رادارات ساحلية تابعة للحرس الثوري، ومواقع صواريخ مضادّة للسفن، وأنظمة دفاع جوي»، في حين أفاد «التلفزيون الإيراني» بسماع دويّ 8 انفجارات في مدينة بندر عباس جنوبي البلاد، مؤكداً تفعيل الدفاعات الجوية هناك. كما تحدّثت «وكالة الأنباء الإيرانية» عن انقطاع الكهرباء في أنحاء من مدينة تشابهار، بعد سماع دويّ انفجارات فيها؛ وتحدثت وكالة «مهر»، بدورها، عن سماع أصوات انفجارات في محافظة بوشهر جنوباً أيضاً.

وبالتوازي مع التصعيد الميداني، عاد ترامب ليجترّ تهديداته وشتائمه ضدّ إيران. فعلى هامش قمة حلف «الناتو» في أنقرة، تحدّث الرئيس الأميركي بنبرة عالية، معلناً انتهاء وقف إطلاق النار مع إيران، واصفاً الحوار معها بأنه «إضاعة للوقت». كما هدّدها بهجوم كبير يتمّ خلاله الاستيلاء على جزيرة «خارك»، مضيفاً أنه «إذا لزم الأمر سندمّر محطّات الكهرباء والمياه». ومن ثمّ زعم، بأسلوبه الاستعراضي المعهود، أن «الإيرانيين قد يسعون إلى قتلي لكوني الهدف رقم واحد».

وفي المقابل، حذر مستشار المرشد الإيراني، علي أكبر ولايتي، من أن «التحرّكات الأميركية ستدفع المنطقة مجدّداً نحو دائرة النار»، مؤكداً أن «محور المقاومة لن يبقى صامتاً أمام المغامرات. ويده على الزناد». ومن جهتها، أصدرت وزارة الخارجية الإيرانية بيانَين منفصلين دانت فيهما الإجراءات الأميركية الأخيرة بشدّة؛ ووصفت الوزارة، في البيان الأول، الغارات الأميركية على الأراضي الإيرانية بأنها «خرق صارخ» لمذكرة التفاهم و«اعتداء على سيادة» البلاد، محذّرة الدول الخليجية من استخدام «أراضيها وإمكانياتها» لشنّ هجمات ضدّ إيران، باعتبار ذلك «تواطؤاً ومشاركة في الجريمة». أمّا في البيان الثاني، فوصفت إلغاء ترخيص بيع النفط الإيراني بأنه «نقض» للمذكرة أيضاً، محذّرة الولايات المتحدة من «عواقب أفعالها». وكانت ألغت وزارة الخزانة الأميركية، مساء أول من أمس، الترخيص الخاص ببيع النفط الإيراني، والذي كان مُنح لطهران لمدة 60 يوماً.

ويبدو أن عودة التوتر الآن، مردّها الخلاف الجذري بين الطرفَين حول تفسير البند المتعلّق بمضيق هرمز وتنفيذه. فمن وجهة النظر الأميركية، يُعدّ المضيق ممراً دولياً يجب أن يخضع لمبدأ «حرية الملاحة» لجميع الدول، ولا يجوز لإيران أن تنفرد بالسيطرة عليه. كما تعتبر الولايات المتحدة أن البند المتّصل بفتح «هرمز» يعني الإنهاء الكامل لأيّ نوع من «المضايقات» الإيرانية للسفن، وإرساء نظام دولي اعتيادي لحركة الملاحة. وفي المقابل، تستند طهران إلى نص البند الخامس من المذكرة، الذي ينص صراحة على أن «إيران تتحمّل مسؤولية تنظيم المرور الآمن للسفن التجارية عبر مضيق هرمز لمدّة 60 يوماً». وبناء عليه، تعتقد طهران أن الإدارة الكاملة للممرّ تقع ضمن نطاق سيادتها، وأن على كلّ سفينة الالتزام بالمسارات والإجراءات التي تحدّدها هي فحسب.

ومن الناحية العملية، تصرّ إيران على ضرورة عبور السفن من المسار الشمالي القريب من سواحلها، وترفض الاعتراف بنظيره الجنوبي الموازي لسواحل سلطنة عُمان، والذي توصي به «المنظمة الدولية للملاحة البحرية» (IMO) كمسار بديل. وعليه، فإن طهران تسعى، عبر استهداف السفن التي تسلك الطريق الجنوبي، إلى ترسيخ نموذجها لإدارة المضيق، ومع انتزاع ورقة القوة هذه من يدها.

علاوة على ذلك، واجه تنفيذ البنود الأخرى في مذكرة التفاهم -بما في ذلك وقف الحرب في الجبهات كافة، ومنها لبنان، وتحرير الأموال الإيرانية المجمّدة- عوائق وشروطاً وتعقيدات عديدة، وهو ما أدى عملياً إلى تآكل أسس المذكرة وجعلها أكثر هشاشة في مواجهة رياح التصعيد.

وفي الأصل، فإن التفاهم الأخير ليس في حقيقته سوى «وثيقة مبادئ» تفتقر إلى توافق حول آليات تنفيذ بنود بعينها فيها، وهو ما يدلّ عليه تجدّد الاشتباكات الأخيرة عند كلّ خلاف حول تفسيرها.

ومع مرور الوقت منذ توقيع التفاهم، واستمرار التحدّيات التي تكتنف مسار تنفيذه، تتّسع الفجوات بين الطرفَين، في وقت تبدو فيه آفاق التوصل إلى اتفاق نهائي أكثر بعداً.

ورغم ذلك، لا يزال من المبكر الجزم بعودة الطرفَين إلى حال الحرب الشاملة؛ إذ يبدو أن كلاً منهما يدرك جيداً حدود هذه الاشتباكات، فيما يَظهر أن النمط القادم من التصعيد سيتمثّل في استمرار حال من الاشتباك الموضعي المنخفض الحدة، بالتوازي مع استمرار مسار التفاوض، لا سيما وأن إيران تستخدم «الملاحة في مضيق هرمز كورقة مساومة في مواجهة الولايات المتحدة»، بينما تسعى الأخيرة عبر تكثيف ضغوطها العسكرية إلى إبقاء «شبح الحرب» مصلتاً فوق الجمهورية الإسلامية.

وأثّرت الاشتباكات الأخيرة، مباشرة وبشكل سلبي، على حركة الملاحة، التي يبدو أنها ستظلّ تواجه تقلّبات حادة ومساراً طويلاً ومعقّداً قبل العودة إلى الاستقرار. وفي نهاية المطاف، يتوقّف مآل هذا النزاع على قدرة الطرفَين على التوافق حول تفسير مشترك لإدارة المضيق، وذلك تحت طائلة غرق المنطقة مجدّداً في دوامة من الصراع وعدم الاستقرار.

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : جريدة الاخبار