عمال الصين يتطلعون إلى أوروبا ضد «ثقافة 996»

الرئيسية اقتصاد / Ecco Watan

الكاتب : المحرر الاقتصادي
Aug 26 26|20:32PM :نشر بتاريخ

تكتسب المواجهة التجارية بين الصين والاتحاد الأوروبي بُعداً جديداً يتجاوز الرسوم الجمركية والدعم الحكومي والطاقة الإنتاجية الفائضة، ليصل إلى ظروف العمل داخل المصانع والشركات الصينية. والمفارقة أن بعض العمال الصينيين بدأوا ينظرون إلى التشريعات الأوروبية بوصفها أداة ضغط يمكن أن تساعدهم على مواجهة ساعات العمل الطويلة، حتى لو أدى تطبيقها إلى زيادة الضغوط على المصدِّرين الصينيين.

وتظهر هذه الظاهرة في وقت تستعد فيه بكين وبروكسل لمحادثات تجارية حساسة، بعدما منح الاتحاد الأوروبي الصين مهلة حتى أكتوبر (تشرين الأول) لمعالجة اختلالات تجارية يقول إنها تضر بالصناعات الأوروبية وتتسبب في فقدان الوظائف. وسجّل الاتحاد الأوروبي العام الماضي عجزاً تجارياً مع الصين يعادل نحو مليار دولار يومياً.

وتربط بروكسل جانباً من المشكلة بضعف الطلب المحلي الصيني، الذي يعكس بدوره تباطؤ الأجور وعدم كفاية الحماية الاجتماعية والعمالية. فمن وجهة النظر الأوروبية، يؤدي ضعف الاستهلاك إلى تقليص الطلب الصيني على الواردات، فيما تدفع الطاقة الإنتاجية الضخمة الشركات المحلية إلى تصريف مزيد من منتجاتها في الخارج بأسعار يصعب على المنتجين الأوروبيين منافستها.

لكن النقاش بدأ يأخذ منحى أكثر حساسية مع دخول ظروف العمل نفسها في معادلة القدرة التنافسية.

فقد أثار قانون الاتحاد الأوروبي بشأن العمل القسري، الذي اعتُمد عام 2024 ومن المقرر أن يدخل حيز التنفيذ في ديسمبر (كانون الأول) 2027، اهتماماً متزايداً على منصات التواصل الاجتماعي الصينية. ويحظر القانون دخول السلع المنتجة باستخدام العمل القسري أو غير الطوعي إلى السوق الأوروبية، بما في ذلك الحالات المرتبطة بساعات العمل الإضافية المفرطة.

«996» تحت المجهر

يلامس التشريع الأوروبي واحدة من أكثر القضايا إثارةً للجدل في سوق العمل الصينية، وهي ما تُعرف بـ«ثقافة 996»، أي العمل من التاسعة صباحاً إلى التاسعة مساءً، ستة أيام أسبوعياً.

وتُظهر البيانات الرسمية اتساع الفجوة بين التشريعات والممارسة الفعلية؛ إذ يعمل الصينيون أكثر من 48 ساعة أسبوعياً في المتوسط، مقارنةً بالحد القانوني البالغ 44 ساعة.

وقد أعادت التوترات التجارية هذه القضية إلى منصات التواصل. وحصد منشور على منصة «ريد نوت» الصينية نحو 3 آلاف إعجاب بعدما أيَّد صاحبه تحرك الاتحاد الأوروبي ضد العمل القسري، قبل حذف المنشور. ولم يكتفِ مستخدمون بالتأييد، بل تبادلوا معلومات بشأن كيفية تقديم شكاوى إلى السلطات الأوروبية.

وعلى منصة «دوين»، النسخة الصينية من «تيك توك»، تجاوزت مشاهدات مقاطع تحمل وسوماً مرتبطة بـ«موقع الإبلاغ في الاتحاد الأوروبي» و«إجراءات الإبلاغ» 200 ألف مشاهدة، فيما حصد أحد المقاطع التي تشرح عملية تقديم الشكوى أكثر من 5400 إعجاب و714 مشاركة.

ولا تعني هذه الأرقام حتى الآن أن أوروبا تواجه موجة واسعة من الشكاوى الصينية. وقال مصدر في المفوضية الأوروبية إن الجهات المختصة تلقَّت ادعاءات غير رسمية بانتهاكات عمالية، من بينها العمل الإضافي المفرط، لكنها لم تسجل زيادة ملحوظة في الشكاوى مؤخراً... لكن الأهمية الاقتصادية للظاهرة تكمن في الرسالة التي تحملها.

وقال مينغوي ليو، مدير مركز العمل والتوظيف العالمي في جامعة روتجرز، إن بعض العمال اكتشفوا أن الشركات التي قد لا تكترث كثيراً بنزاع محلي فردي حول العمل الإضافي يمكن أن تصبح أكثر اهتماماً عندما تواجه خطر فقدان الوصول إلى الأسواق الغربية. وهذا يحوّل قواعد التجارة الخارجية، نظرياً، إلى وسيلة ضغط عمالية داخلية.

عندما تختلف مصالح العامل والمصدّر

وتكشف المناقشات أيضاً عن فجوة محتملة بين مصالح الشركات المصدرة ومصالح موظفيها. فنجاح المصدر في خفض التكلفة وزيادة ساعات الإنتاج لا يعني بالضرورة أن العامل يرى النتيجة بالطريقة نفسها.

وقال شياو تشيانغ، مؤسس «تشاينا ديجيتال تايمز»، إن ظهور مثل هذه المناقشات يشير إلى أن بعض الصينيين لا يعدون مصالح المصدرين مطابقة بالضرورة للمصلحة الوطنية. والأكثر لفتاً للنظر هو الربط المباشر بين شكاوى العمل المحلية وآليات إنفاذ قوانين أجنبية.

وهذه نقطة حساسة بالنسبة إلى نموذج النمو الصيني، فإذا أصبحت معايير العمل جزءاً متزايداً من شروط الوصول إلى الأسواق الغربية، فلن يعود بإمكان الشركات المنافسة فقط عبر السعر والإنتاجية وسلاسل التوريد، بل ستحتاج أيضاً إلى إثبات التزام مورديها بمعايير العمل.

وقد يرفع ذلك تكاليف الامتثال على المصدرين، خصوصاً في الصناعات كثيفة العمالة، ويجبر الشركات على تحسين أنظمة تسجيل ساعات العمل والأجور والتدقيق في الموردين.

والخطر الأكبر بالنسبة إلى بكين هو تحول ضعف حماية العمال من مشكلة اجتماعية داخلية إلى مبرر لقيود تجارية خارجية.

وفي الولايات المتحدة، قالت إدارة الجمارك وحماية الحدود إن الأدلة على وجود «ساعات عمل إضافية مفرطة ومنهجية وغير مدفوعة الأجر» يمكن أن تؤدي إلى تحقيقات في سلاسل التوريد. كما ناقش مستخدمون صينيون إمكانية اللجوء إلى الآليات الأميركية، وليست الأوروبية فقط.

وكان لو مينغ، عضو المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني، قد حذر في مارس (آذار) من هذه المشكلة، داعياً إلى تعزيز حماية العمال. وأشار إلى أن الدول الأخرى قد تنظر إلى القدرة السعرية التنافسية للمنتجات الصينية بوصفها ناتجة جزئياً عن العمل المفرط وتدني مستويات المعيشة، بما قد يتحول إلى حواجز تجارية فعلية. وهنا تصبح حماية العمال جزءاً من السياسة الصناعية والتجارية، وليس مجرد ملف اجتماعي.

وبالنسبة إلى الصين، قد يكون تحسين الأجور وتقليص ساعات العمل المفرطة مكلفاً للشركات على المدى القصير، لكنه يحمل فائدة اقتصادية أوسع، إذ إن زيادة دخل الأسر ووقت الفراغ يمكن أن يدعما الاستهلاك المحلي، وهو بالضبط أحد الاختلالات التي تطالب أوروبا بكين بمعالجتها.

لذلك تكشف قضية «996» عن معادلة أعمق في النزاع التجاري الصيني - الأوروبي، فبروكسل تريد تقليص الاختلالات وحماية صناعاتها، والعمال يريدون ظروفاً أفضل، بينما تحتاج بكين إلى الحفاظ على تنافسية صادراتها وتحفيز الاستهلاك في آن واحد.

ومع اقتراب المحادثات التجارية، قد تكتشف الصين أن ملف العمل لم يعد شأناً داخلياً بالكامل. فالمنافسة العالمية تتحول تدريجياً من سؤال «بأي سعر صُنعت السلعة؟» إلى سؤال أكثر تعقيداً هو «كيف، وتحت أي ظروف، صُنعت؟».

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : وكالة رويترز