البناء: الاحتلال يصعّد في لبنان وغزة للتأقلم مع صعود آيزنكوت بتقليص المناطق الآمنة
الرئيسية صاحبة الجلالة / Ecco Watan
الكاتب : محرر الصفحة
Sep 07 26|06:36AM :نشر بتاريخ
دخلت مساعي التسوية في أوكرانيا مرحلة تبدو فيها قضية الأرض بوابةً لصفقة أكبر من حدود أوكرانيا نفسها. فبعد ثلاث جولات من المحادثات في كييف مع المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن قضية الأراضي لا تزال قائمة، وإن المسائل المعقدة من هذا النوع «لا يمكن حلها إلا على مستوى القادة»، في إشارة واضحة إلى أن تقديم أي تنازلات إقليمية لن يتم على مستوى المفاوضين، بل يحتاج إلى قمة تضع الضمانات والثمن السياسي المقابل على الطاولة. واتفق الجانبان على جولة لاحقة تضمّ أوكرانيا والولايات المتحدة والدول الأوروبية، بينما قال ويتكوف إن وفده حمل من موسكو “أفكاراً جديدة”.
لكن ما جرى في موسكو قبل الوصول إلى كييف يكشف أن المفاوضات الأميركية الروسية تجاوزت حدود الخريطة الأوكرانية. مستشار بوتين يوري أوشاكوف قال إن اللقاء الذي استمرّ أكثر من ثلاث ساعات تناول «بتفصيل كبير» قضايا اقتصادية ومشاريع روسية أميركية ضخمة ذات منفعة متبادلة، بحضور كيريل دميترييف، المسؤول عن ملف الاستثمار والتعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة. وهذه المشاريع تستعيد المسار الذي سبق أن فتحته موسكو مع واشنطن حول الطاقة، عودة روسيا إلى سوق النفط والغاز الأوروبية، مقابل تثبيت الحصة التي انتزعتها الولايات المتحدة في السوق الأوروبية بعد إخراج الجزء الأكبر من الطاقة الروسية منها، وإمكان دخول المصالح والشركات الأميركية شريكاً في ترتيبات الطاقة الروسية المقبلة. هنا تصبح الطاقة أداةً لإعادة توزيع النفوذ؛ موسكو تستعيد موقعها في الاقتصاد الأوروبي، وواشنطن لا تتخلى عن المكاسب التي حققتها منذ حرب أوكرانيا، بينما تكتشف أوروبا المنهكة التي استنزفت الحرب مواردها، أنها أمام تفاهم أميركي روسي حول أحد أهم مفاتيح استقلالها الاقتصادي. ولذلك فإن ما يبدأ كتقاسم محتمل لسوق النفط والغاز يمكن أن ينتهي، في معناه الاستراتيجي، إلى تقاسم جيوسياسي لأوروبا.
في منطقة الخليج، نقلت طهران المواجهة البحرية إلى مستوى جديد بعد الضربات الأميركية للناقلات الإيرانية وإطلاق إيران صواريخ بالستية باتجاه قطع حربية أميركية. بينما أعلن رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي أن إيران تستعد لإقامة «منطقة حظر» جديدة خارج مضيق هرمز، تبدأ من خط الحصار البحري الأميركي وتمتدّ باتجاه المضيق ثم إلى داخل الخليج، بحيث تصبح السفن التي تدخلها بقصد عبور هرمز عرضة للإجراءات الإيرانية. وبهذا تنتقل معادلة التحكم بالملاحة من داخل المضيق وحده إلى المنطقة الواقعة أمامه حيث ينتشر الأسطول الأميركي، فيما كانت إحدى الضربات الأميركية الأخيرة لناقلة إيرانية قد وقعت في بحر عُمان.
التطوّر أخطر من حرب ناقلات عادية، لأن خط التماس أصبح يقترب من مواجهة مباشرة بين القوتين البحريتين. واشنطن تقول إن أكثر من عشرين قطعة حربية تشارك في عمليات الحصار والمرافقة، بينما تقول طهران إنها مستمرة في تصدير ما بين مليون ومليون ونصف مليون برميل يومياً رغم الحصار. وفي الوقت نفسه تعود الأرقام الأميركية لتقول إن تسعة ملايين برميل يومياً تعبر هرمز، وهي أرقام تبقى موضع اختبار أمام بيانات حركة الناقلات وسعر النفط في السوق.
وفي هذه اللحظة، يصل التحرك القطري إلى بكين. فقد أعلنت الدوحة رسمياً أن رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني يبدأ اليوم السابع من أيلول زيارة للصين تستمر يومين، وأن جدول المباحثات يتضمن صراحةً «الجهود الدبلوماسية لخفض التصعيد» وضرورة ضمان أمن وحرية الملاحة الدولية في مضيق هرمز. وأكدت الخارجية الصينية الزيارة ومواعيدها. واختيار الصين ليس تفصيلاً؛ لأن بكين هي القوة الكبرى صاحبة المصلحة المباشرة في تدفق الطاقة عبر هرمز، وصاحبة العلاقة الاستراتيجية مع إيران، وخلفية الدعم للوسيط الباكستاني، ولذلك يبدو التحرك القطريّ محاولة لإضافة الوزن الصيني إلى مسار الوساطة قبل أن تتحول حرب الناقلات والحظر البحري إلى مواجهة مباشرة بين إيران والولايات المتحدة. ومع اقتراب النفط مجدداً من عتبة المئة دولار، تصبح بكين شريكاً ضرورياً في أي صيغة تريد منع الانتقال إلى الدرجة التالية من سلم التصعيد.
في المنطقة، يصعّد جيش الاحتلال عملياته في لبنان وغزة، لكنه بالتوازي يعيد حساب المساحة التي يحتاج إليها عسكرياً تحت عنوان «المنطقة الأمنية». ففي لبنان، أدت غارات الأحد إلى استشهاد سبعة أشخاص، بينهم امرأتان، ووصلت الضربات إلى عربصاليم والنبطية التحتا، فيما أصدر الاحتلال إنذار إخلاء لأهالي عربصاليم، هو الثاني فقط من نوعه منذ وقف النار في حزيران. لكن بالتزامن مع التصعيد، ظهرت من داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية مراجعة أمنية لافتة. فبعدما امتدّ «الخط الأصفر» الحالي إلى عمق يتراوح بين ثمانية وعشرة كيلومترات داخل لبنان، تدرس المؤسسة الأمنية خطة جديدة باسم «الخط الرمادي» تخفض عمق الانتشار إلى ثلاثة أو أربعة كيلومترات فقط، مع تقليص القوات وإنشاء مواقع عسكرية جديدة تسمح للجيش بالدفاع عن الشمال وتنفيذ عمليات داخل لبنان عند الحاجة. والخطة لا تزال تقديراً أمنياً وعسكرياً ولم تتحول إلى قرار سياسي؛ إذ يفترض عرضها على القيادة السياسية والكابينت للموافقة.
أهمية التقدير العسكري الجديد تظهر عند وضعه إلى جانب التحولات السياسية الإسرائيلية. فنتنياهو وكاتس يريدان تثبيت المنطقة الأمنية وربط الانسحاب منها بشروط أوسع، بينما يمثل صعود غادي آيزنكوت في استطلاعات الانتخابات مشروعاً مختلفاً يقوم على تقليص الأعباء العسكرية والتعامل مع السيطرة على الأرض ضمن ترتيبات أمنية يمكن أن تنتهي باتفاقات دائمة. الجيش لا يتبنى هذا المشروع السياسي ولا يصدر موقفاً انتخابياً، لكنه يقول من زاويته المهنية إن الدفاع عن الجليل لا يحتاج إلى الاحتفاظ بكل العمق الذي احتلّه خلال الحرب. وهكذا ينتج التقدير الأمني الجديد وضعاً عسكرياً يمكنه الاستمرار مع نتنياهو، لكنه يصبح أيضاً أكثر قابلية للتعامل مع حكومة لاحقة إذا صعد آيزنكوت.
لم تعد الجولة الثامنة المرتقبة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية في روما مجرّد موعد ينتظر التثبيت، بل أصبحت اختبارًا لما إذا كان المسار التفاوضي قادرًا أصلًا على إنتاج تفاهمات قابلة للتنفيذ. فالموعد الذي كان متوقعًا في منتصف أيلول لا يزال معلّقًا على الإشارة الأميركية وعلى مسار التطوّرات الميدانية، فيما تتسع الفجوة بين ما يريده كل من الطرفين قبل الجلوس إلى الطاولة.
ويصل لبنان إلى هذه الجولة وسط كلفة بشرية وميدانية متراكمة، ومن دون ضمانات واضحة بأن يؤدي التفاوض إلى وقف الاعتداءات أو إلى انسحاب إسرائيلي، وفق جدول زمني محدد. وهنا تكمن العقدة الأساسية، بحسب مصادر سياسية، فبدل أن تكون المفاوضات مدخلًا لخفض التصعيد، يجري استخدامها لتثبيت وقائع جديدة على الأرض، بحيث تدخل «إسرائيل» إلى روما وهي تحاول التفاوض على ما حققته ميدانيًا، فيما يحاول لبنان منع تحويل تلك الوقائع إلى شروط دائمة.
وتسعى «إسرائيل» إلى دخول الجولة المقبلة من موقع ميداني أكثر تقدّمًا، فهي تُثبّت وجودها في النقاط التي تعتبرها حاكمة وتوسّع عملياتها ضد البنية العسكرية لـ«حزب الله». وبذلك، لا يبدو الانسحاب بالنسبة إليها بندًا منفصلًا عن نتائج التفاوض، بل ورقة ضغط تريد ربطها بشروط أمنية وسياسية واضحة، وفي مقدّمها ملف السلاح.
هذا وأفادت هيئة البث الإسرائيلية بوجود خطّة لإعادة ترتيب انتشار القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان، تبدأ بتفجير مسارَي أنفاق تحت جبل علي الطاهر، يعقبها انسحاب تكتيكيّ من «الخط الأصفر» والتراجع نحو «الخط الرمادي»، الواقع على مسافة تتراوح بين كيلومترين وأربعة كيلومترات من الحدود.
وأضافت الهيئة أنّ القوات الإسرائيلية تبني 20 موقعًا ثابتًا، وأنّ تل أبيب أبلغت بيروت رسميًّا، عبر واشنطن، بمنع عودة السكان إلى القرى المُخلاة، وربطت البحث في عودتهم بمفاوضات روما المقبلة.
إلى ذلك، فإن الحركة التي يقودها السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى لم تنجح حتى الآن في تبديل المشهد.
وتشير المعطيات إلى أن عيسى نقل إلى المسؤولين اللبنانيين أن ما أمكن تحصيله من رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بشأن المحتجزين اللبنانيين استنفد الهامش المتاح حالياً، الأمر الذي يعكس ضيق مساحة المناورة الأميركية في مواجهة الموقف الإسرائيلي.
لكن المشكلة لا تكمن في إيجاد موعد للاجتماع بقدر ما تكمن في توافر الإرادة السياسية لإنجاحه. فالمناخ الإسرائيلي، عشية الانتخابات التشريعية، لا يشير إلى استعداد لتقديم خطوات نوعية، فيما تبدو الجولة المقبلة ـ إذا ولدت ـ أقرب إلى اختبار لمدى بقاء التفاوض حيًّا، منها إلى فرصة جدية لتسوية النقاط العالقة.
وفي هذا السياق، تبدو مبادرة عيسى، بحسب مصادر سياسية، محكومة بواقع أكبر من قدرته الديبلوماسية، فتراجع الاهتمام الأميركي بالملف اللبناني يترك تحركه في إطار محاولة منع الانسداد الكامل، من دون أن يرتقي بعد إلى مستوى مسار سياسي أميركي قادر على فرض معادلة جديدة.
واستشهد 3 مواطنين بغارة على النبطية مساء أمس. وكانت قد شهدت منطقة النبطيّة سلسلة غارات إسرائيلية استهدفت عددًا من الأحياء والمواقع في النبطية الفوقا والنبطية التحتا وكفررمان، بالتزامن مع غارات طالت بلدة عربصاليم، عقب إنذار إسرائيلي بإخلاء أحد المباني. وأسفر التصعيد عن سقوط أربعة شهداء و20 جريحًا، في حصيلة أولية أعلنتها وزارة الصحة.
وتعليقًا على الاعتداءات الإسرائيلية التي استهدفت مدينة النبطية وبلدة عربصاليم، وأدّت إلى تدمير المبنى القديم لمستشفى غندور في النبطية الفوقا، وتضرّر مبنى المصلحة المالية الإقليمية في المدينة، أشار الرئيس جوزاف عون إلى أن استهداف مبنى وزارة المالية، بعد استهداف مركز أمن الدولة الذي سبق أن أدّى إلى سقوط شهداء، يكشف نمطاً متمادياً من الاعتداءات يتخطى الأهداف العسكرية المزعومة إلى إدارات مدنية بحتة ومراكز صحية، بما يعكس نية واضحة لضرب استمرارية عمل المؤسسات اللبنانية وتعطيل مصالح الناس اليومية.
وحمّل الرئيس عون الجانب الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن هذا التصعيد المستمرّ، مطالباً الولايات المتحدة الأميركية والمجتمع الدولي بالتحرك العاجل لوقف هذه الخروقات ومحاسبة مرتكبيها، مؤكداً أن لبنان، رغم كل هذه الاعتداءات، ماضٍ في التزامه بما يصون سيادته واستقرار جنوبه وسلامة مواطنيه.
وأكّد رئيس مجلس النواب نبيه برّي أنّ «إسرائيل» «ماضية في تحويل الجنوب وأهله وممتلكاتهم إلى صندوق اقتراع بالدم»، مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية، معتبرًا أنّ المتنافسين فيها يخوضون «معركةً حول مَن يقتل ومَن يدمّر أكثر».
وقال برّي إنّ سفك «إسرائيل» دماء المدنيين يأتي في سياق مواصلة «حرب الإبادة وتدمير المنازل والقرى» في أقضية النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور.
واعتبر أنّ هذه الاعتداءات، بطبيعتها وحجمها، «ترقى إلى جرائم إرهاب دولة»، مؤكّدًا أنّها مدانة ومستنكرة.
وأضاف أنّ مواصلة «إسرائيل» حربها التدميرية «على هذا النحو الدموي غير المسبوق» تثبت، بالدليل القاطع، استمرار نهجها التصعيديّ القائم على استهداف المدنيين وتدمير المنشآت والممتلكات في جنوب لبنان.
وشدد البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي على أنه ليستعيد لبنان عافيته ولحمايته لا يمكن أن يبقى القرار الأمني موزعًا بين مرجعيات عدة. وأكد الراعي في عظة قداس الأحد أن لبنان يحتاج إلى جيش حاضر حيث يجب أن تكون الدولة، معتبرًا أن الدولة التي لا يملك جيشها القرار الفاصل تبقى فاقدة للسيادة. وأكد أننا نرفض أن يبقى لبنان ساحة للمحاور وجبهة مفتوحة، جازمًا بأن الوطن لا يُبنى بمنطق الغلبة والحسابات الخاصة.
وأمل الراعي أن يكون توقيع قانون العفو العام باباً للرحمة.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا