الجمهورية: عون: الديبلوماسية وحدها تحقّق الأمان... انتهت الانتخابات وبدأت قراءة التداعيات

الرئيسية صاحبة الجلالة / Ecco Watan

الكاتب : محرر الصفحة
Oct 29 26|07:50AM :نشر بتاريخ

 انتهت الانتخابات الإسرائيلية، وانصرفت غرف التقدير والتحليل المحلية والإقليمية والدولية إلى استشراف مآلاتها وتداعياتها، فيما بدأ العدّ التنازلي لانتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة الأميركية المقرّرة في الثالث من الشهر المقبل، والتي تجمع التقديرات على أنّ النتائج التي ستتأتّى منها، أكانت لمصلحة الحزب الجمهوري والحزب الديموقراطي، حبلى بالتداعيات، سواء على مستوى الداخل الأميركي، او على مستوى الشرق الأوسط، وعلى وجه الخصوص على جبهة إيران. علماً انّ الأيام الأخيرة شهدت حراكاً مكثفاً للوسطاء بين واشنطن وطهران، تسرّبت من جوانبه أجواء معاكسة للأجواء الحربية التي تنذر بضربة أميركية وشيكة لإيران، تفيد بجهد جدّي على الخط القطري- الباكستاني، لتحقيق اختراق نوعي يمهّد لاتفاق بين الجانبين في المدى المنظور.

لا تغيير

وإذا كانت الانتخابات في إسرائيل، قد خالفت التهويلات بتصعيد عسكري إسرائيلي يسبقها على جبهة لبنان كما على جبهة إيران، فإنّ السؤال الذي يفرض نفسه إزاءها: هل صوّتت إسرائيل لمواصلة الحرب ام لإغلاق الجبهات الحربية المتعددة التي فتحتها حكومة بنيامين نتنياهو الحالية؟ 

الثابت لدى الخبراء في الشأن الإسرائيلي، هو أنّ كل انتخابات منذ نشوء إسرائيل، يصاحبها صخب كبير وتباينات سياسية عميقة، وسباق محموم على السلطة، إنما في المبدأ العام والهدف، فإنّ الانتخابات، وبمعزل عن الفائز فيها أكان معسكر اليمين او اليسار او الوسط، لا تغيّر في سياسات إسرائيل، التي تجمع عليها كل المستويات السياسية في إسرائيل، أكان على المستوى الفلسطيني، او على مستوى عدوانيتها تجاه دول منطقة الشرق الأوسط، وأهدافها الاحتلالية والتوسعية فيها.

بناءً على ذلك، فإنّ هؤلاء الخبراء يجمعون على أنّ ما قد تغيّره الانتخابات في إسرائيل هو شكل الحكم فيها لا أكثر، والذي سيتبلور مع اعلان نتائج الانتخابات بصورة رسمية، والتي من شأنها أن تحدّد ما إذا كان حجم المقاعد التي حققها كل طرف في الكنيست، سيفرض حكومة يمينية برئاسة نتنياهو تشكّل استمراراً لحكومته الحالية، او حكومة وحدة وطنية بين الليكود بزعامة نتنياهو ومعسكر خصومه برئاسة غادي ايزنكوت صاحب «عقيدة الضاحية»، او حكومة يقودها معسكر الخصوم بدعم من المجموعة العربية، التي أظهرت النتائج غير الرسمية، انّها حققت تقدماً ملحوظاً في هذه الانتخابات.

ماذا عن لبنان؟ 

بعض التقديرات، قاربت الانتخابات في إسرائيل كمحطة أخيرة لبنيامين نتنياهو، تخرجه من الحياة السياسية، حتّى أنّ أحد الديبلوماسيين العرب وخلال لقاء جمعه بشخصيات سياسية ونيابية وكانت «الجمهورية» حاضرة فيه، بدا مبالغاً في مقاربته للانتخابات في إسرائيل، حيث أنّه في معرض حديثه استند إلى تحليلات معلّقين إسرائيليين ونتائج الإستطلاعات التي سبقت الإنتخابات، ليرجح احتمال سقوط نتنياهو وتشكيل حكومة إسرائيلية جديدة برئاسة إيزنكوت، أولويتها داخلية، تتركّز من جهة، على الانصراف الكلّي إلى إعادة ترميم سمعة إسرائيل التي تهشّمت على المستوى الدولي، وتتركّز من جهة ثانية على معالجة «إرث» نتنياهو وما خلّفته سياسته في السنوات الأخيرة ومعالجة الآثار الداخلية للحروب، وترييح الجيش الإسرائيلي الذي بات منهكاً من القتال المتواصل لسنوات، وبالتالي إخراج إسرائيل من الجبهات الحربية المنخرطة فيها، وتحديداً مع إيران وكذلك مع لبنان، الذي قد تتبدّى إيجابية التغيير في إسرائيل سريعاً، عبر استكمال تنفيذ الاتفاق الإطاري المعقود معه».

ولكن على الخط المعاكس لهذا الرأي، تبرز مقاربة شديدة التشاؤم، يبديها زعيم وسطي، حيث يؤكّد رداً على سؤال لـ«الجمهورية»، أنّ «إسرائيل بُنيت من الأساس على عدوانية وإجرام، يشكّلان جوهر السياسة في إسرائيل، من بن غوريون إلى موشي شاريت، وموشي دايان واسحق رابين وشيمون بيريز ومناحيم بيغن وأرييل شارون وأولمرت وغيرهم، وصولاً إلى نتنياهو. وبالتالي، فإنّ المفاضلة بين شكل حكومة في إسرائيل وشكل آخر، وتوقّع إيجابيات تجاه لبنان او اي مكان آخر، هي مفاضلة سخيفة ورهان «أهبل» وغبي». وخلص إلى القول: «مع أي حكومة ستتشكّل في إسرائيل أخشى أنني أتوقع الأسوأ على لبنان، ولا استبعد في الوقت ذاته، مواجهة جديدة مع إيران». 

وتتلاقى مقاربة الزعيم الوسطي مع قراءة مماثلة لمرجع كبير، حيث يؤكّد رداً على سؤال لـ«الجمهورية»، أنّ «الانتخابات الإسرائيلية لا تغيّر في واقع لبنان كهدف دائم على منصة التصويب الاسرائيلي»، معبّراً عن قلق بالغ ممّا سمّاها المرحلة الانتقالية الفاصلة عن تشكيل الحكومة الجديدة في إسرائيل. ومردّ هذا القلق، كما يقول، ما بدأ الإعلام العبري يروّج له مع ظهور النتائج غير الرسمية للانتخابات الإسرائيلية، حول مغامرة إسرائيلية قد يلجأ اليها نتنياهو في هذه الفترة، سواء في اتجاه لبنان او في اتجاه إيران».

استنتاجات

وفيما أعلن الجيش الإسرائيلي في الساعات الماضية، عن خطة لنشر سلاح ليزر حديث على جبهة الشمال مع لبنان، كشف تقرير ديبلوماسي غربي عمّا سمّاها «استنتاجات من داخل إسرائيل»، تتضمن الآتي: 

اولاً، تؤكّد الاستطلاعات انّ ما يزيد عن 80 في المئة من الإسرائيليين مع استمرار الحرب على «حزب الله» حتى القضاء عليه.

ثانياً، المستوى السياسي والجيش في إسرائيل يقدّران أنّ «حزب الله» أصابه ضعف شديد جراء الضربات التي تلقّاها.

ثالثاً، المستوى السياسي، رغم ذلك، ما زال متهيّباً من عودة الحزب إلى النهوض من جديد واستعادة عافيته وقدراته.

رابعاً، أعضاء في الحكومة الإسرائيلية، إضافة إلى اتجاهات سياسية متعددة داخل إسرائيل، يقرّون بأنّ إسرائيل خاضت مع بنيامين نتنياهو أطول حرب في تاريخها، ومع ذلك لم تتمكن حتى الآن من الحسم ضدّ اي مجموعة من المجموعات التي تعتبرها إرهابية، ولاسيما حركة «حماس» و«حزب الله». 

خامساً، مستويات رفيعة في قيادة أركان الجيش تؤكّد انّ «حزب الله» و«حماس» لا يزالان قادرين على انتاج تهديدات ضدّ اسرائيل». وتقدّر في الوقت عينه أنّ «حزب الله» ما زال يخفي آلاف الصواريخ، وهذا ما تعتبره إسرائيل تهديداً لها..

سادساً، التقدير الواسع المدى في إسرائيل هو انّ «حزب الله» يرفض تسليم سلاحه، ومستعد للمواجهة والقتال دفاعاً عن هذا السلاح، برغم انّ أكثرية اللبنانيين أطلقت مواقف جريئة ضدّ هذا السلاح، كونه يقوّض كل احتمالات الوصول إلى تفاهمات تنهي عوامل التوتر والتصعيد على جبهة لبنان بصورة نهائية».

سابعاً، لدى بعض الساسة في إسرائيل اعتقاد بأنّ الولايات المتحدة الأميركية ترغب بشدة في وضع خطة عاجلة من قبل الدولة اللبنانية لنزع سلاح منظمة «حزب الله» في أقرب وقت. ما قد يشكّل دفعاً كبيراً لمسار المفاوضات والاتفاق المعقود مع لبنان، نحو السلام المستدام».

«اليونيفيل»: خطأ كبير

في سياق متصل، أبلغ مصدر فرنسي إلى «الجمهورية» قوله: «إنّ إنهاء مهمّة قوات حفظ السلام (اليونيفيل) في جنوب لبنان خطأ كبير جداً، لافتاً إلى أنّ باريس، تضع ثقلها على المستوى الإقليمي والدولي، وفي الأمم المتحدة تحديداً، لتجنيب منطقة جنوب لبنان فراغاً أمنياً خطيراً». كاشفاً في الوقت ذاته عن وجود تعقيدات من قبل دول كبرى (في إشارة إلى الولايات المتحدة الأميركية من دون أن يسمّيها) تحول دون مواصلة قوات «اليونيفيل» مهمتها، وتمنع حتى الآن من بلورة إطار بديل لها». واكّد على موقف فرنسا الداعي إلى انسحاب إسرائيلي عاجل من الأراضي اللبنانية، وانّ فرنسا ترفض بقاء الجيش الإسرائيلي في منطقة جنوب الليطاني. وقال: «باريس تقرأ في استمرار الاحتلال الاسرائيلي لجنوب لبنان خطراً كبيراً، وترى ضرورة كبرى لترسيخ الأمن والاستقرار على جانبي الحدود بين لبنان واسرائيل، ما يوجب تثبيت تلك المنطقة تحت المظلة الأممية التي توفرها قوات «اليونيفيل» منذ انتدابها إلى جنوب لبنان في العام 1978». 

وخلص إلى القول: «انّ فرنسا وخلال النقاشات الجارية حول هذا الأمر، أبلغت الجهات الدولية، انّ سحب «اليونيفيل» أمر خطير جداً، ويضرّ بلبنان بالدرجة الأولى، ويعطّل المسار الذي ينتهجه لمدّ سلطة الدولة اللبنانية على كامل الاراضي اللبنانية، حيث من شأن مغادرة «اليونيفيل» تلك المنطقة (من دون بديل يتابع مهمّتها) أن يؤدي إلى فراغ أمني، يكرّس الواقع الحالي، ويبقي المنطقة ساحة اشتعال دائم».

وفي السياق نفسه، أبلغ ديبلوماسي أممي إلى «الجمهورية» قوله، «انّه لا يشعر باطمئنان إزاء مرحلة ما بعد انتهاء مهمّة «اليونيفيل» في جنوب لبنان».

ورداً على سؤال حول مصير القرار 1701، قال: «لا استطيع أن اقول الّا أنّ الأولوية الدائمة لقوات حفظ السلام في جنوب لبنان تتجلّى في دعم تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي 1701، والحفاظ على الاستقرار في المنطقة، والمساهمة في الجهود الرامية إلى عودة الحياة الطبيعية في منطقة عملها».

وإذ اكّد «انّ التعقيدات كبيرة جداً امام توفر بديل يحل مكان قوات «اليونيفيل»، اشار إلى انّ منطقة عمل «اليونيفيل» ستتحول اعتباراً من اول السنة الجديدة إلى «منطقة جديدة» لا دور لليونيفيل فيها. واما الآن، وعلى الرغم من وصول قوات حفظ السلام إلى عتبة انتهاء مهمّتها ووجودها في جنوب لبنان، فلن يطرأ اي تعديل او تغيير في أدائها ودورها، والعمل إلى جانب الجيش اللبناني، وهذا الأمر سيستمر حتى آخر يوم من هذه المهمّة».

ورداً على سؤال، لفت إلى «انّ موعد انتهاء المهمّة محدد آخر كانون الاول 2026، واما بالنسبة إلى مغادرة القوات وعودتها إّلى بلدانها، فهذا قد يتطلب بعض الوقت».

عون: متمسكون بـ«اليونيفيل»

إلى ذلك، جدّد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون التأكيد على «انّ لبنان متمسّك ببقاء قوات «اليونيفيل» في الجنوب، أو بإحلال قوات أوروبية مكانها، تكون نواة لقوات من دول صديقة ترغب في مساعدة لبنان والمساهمة في تحقيق الأمن والاستقرار في الجنوب».

وشدّد عون امام زواره في القصر الجمهوري في بعبدا أمس، على انّ «لا حلول آمنة ومستدامة من خلال الحرب، بل من خلال التفاوض الديبلوماسي، لأنّ الحروب لا يمكن أن تحقّق أيّ نتيجة عملية، بل تدمّر وتشرّد وتخلّف قتلى وجرحى، ولا تنهي الصراعات». وقال: «وحده التفاوض الديبلوماسي يمكن أن يحقّق الأمان للدول والشعوب».

واكّد «أنّ الدولة ساهرة على سلامة أبناء القرى الجنوبية الحدودية الصامدين في منازلهم وممتلكاتهم، وتعمل مع المنظمات الإنسانية و«اليونيفيل» والجيش اللبناني على تأمين كلّ مقوّمات الصمود الصحية والتربوية والغذائية لهم، إلى حين زوال الاحتلال الإسرائيلي».

ولفت إلى انّ «لبنان لا يمكن أن يحيا من دون جناحيه المسيحي والمسلم. وانّ المسيحيين في لبنان حريصون على المحافظة على التعايش المسيحي- الإسلامي، وهم يؤكّدون من خلال ممارساتهم أهمية الدور الذي يؤدّونه في دول الشرق والغرب». وقال: «لا خطر على الوجود المسيحي في لبنان»، مؤكّداً انّ «التعايش الإسلامي - المسيحي في لبنان ليس مجرّد صيغة سياسية فرضتها الظروف، بل هو خيار وطني وحضاري وتجربة إنسانية أثبتت أنّ التنوّع يمكن أن يكون مصدر قوّة، وأنّ الاختلاف لا يتناقض مع الوحدة، بل يغنيها ويعزّزها». وأوضح انّ «هذا التعايش يقوم على الشراكة الكاملة في بناء الدولة وصون مؤسساتها وتقرير مستقبل الوطن».

ولفت إلى انّ الوحدة بين المسيحيين والمسلمين شرط أساسي لحماية لبنان واستقراره، وصمّام أمان في مواجهة الفتنة»، وقال: «انّ حماية العيش المشترك في لبنان ليست مسؤولية لبنانية فحسب، بل هي مسؤولية تتّصل بمستقبل المنطقة»، مضيفاً: «انّ التجارب التي مرّ فيها لبنان والمنطقة أثبتت أنّ الانقسامات الداخلية لا تنتج إلّا الضعف، وأنّ استغلال الدين والمذهب لتحقيق أهداف سياسية أو لتبرير العنف لا يهدّد جماعة بعينها، بل يهدّد المجتمعات بأكملها». 

واكّد الرئيس عون من جهة ثانية «أن لا مكان لليأس، ولا يمكن حلّ مشاكل لبنان إلّا عبر اعتماد لغة التروّي والحوار، بعيدًا من التصادم».
 

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : جريدة الجمهورية