الخطيب: لماذا التأخر في إعادة التواصل مع الحكومة السورية؟

الرئيسية سياسة / Ecco Watan

الكاتب : المحرر السياسي
May 12 23|13:44PM :نشر بتاريخ

أدى نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلامة الشيخ علي الخطيب الصلاة ، في مقر المجلس، والقى خطبة الجمعة التي قال فيها: "تناولت في خطبة الجمعة الماضية قول الله سبحانه وتعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم)ُ.

وتحدثت عن جانب مهم من دلالتها وما ترمي اليه وهو التركيز على أن الإيمان ليس مشروعاً إلهياً إفرادياً غايته فقط حصول الايمان للأفراد وإن كان أحد غاياته المهمة، ولكنه لا يقف عند هذا الحد ليتعداه إلى غاية أبعد وهي إيجاد الارتباط بين المؤمنين وتكوين الجماعة المؤمنة والأمة المؤمنة التي تحمل مشروعا إلهياً شاملاً يحقّق العدالة والامن والاستقرار قائماً على أساس القيم الاخلاقية وعلى قاعدة التعاون على البر والتقوى، ومن أهم العوامل الموضوعية لكونه مشروعاً منطقياً يقتضي القبول به.

 أولاً: أنه ليس مشروعاً بشرياً ينسب لفرد خاص أو لجماعة خاصة حتى لرسول الله محمد (ص) أو لقومه وعشيرته كما حاول البعض أن يوحي في اجتماع السقيفة في بيان أحقيتهم بخلافة رسول الله (ص) بالقول بما مضمونه: "من أحق منا بخلافة محمد ونحن قومه وعشيرته"، فهو ليس تركة شخصية لرسول الله (ص) حيث لم يكن حصيلة جهد فكري شخصي وإنما هو مشروع إلهي اؤتمن على تبليغه للناس وقد أكّد الله سبحانه هذا المعنى بقوله (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ)، وقوله تعالى: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّر).

العامل الثاني: ان اختيار الرسول أيضاً كان اختياراً إلهياً فهو رسول الله وليس اختياراً بشرياً حتى لا يتحوّل إلى مشروع جماعة بشرية معينة تستفيد منه وتستخدمه وسيلة للتغلب والسيطرة والنفوذ مما يخرجه عن الهدف الذي يبتغي تحقيقه ويسهل تلقيه من قبل الآخرين.

العامل الثالث: أن يكون القائمون على استكمال المهمة بعد رسول الله (ص) يحملون نفس المواصفات من أن يكونوا اختياراً إلهياً وليس اختياراً بشرياً لكي يبقى المشروع فوق الجماعات والاقوام والأمم، فإن الطبع البشري يأبى الخضوع لما لا يرونه نابعاً من ذواتهم ومن خصوصياتهم خصوصاً اذا تعدّى من الفكر الى تكوين النظام والسلطة، فإن السائد في أمثال هذه القضايا لدى الامم والجماعات المختلفةِ الاصول والاعراق لا يؤخذ فيها بحسن النوايا وإنما بالشك والريبة لأنها ترى فيه انتقاصاً لها وتغلّباً عليها، وهو من أهم دوافع الرفض والمواجهة للأجنبي والدخيل ومن أخطر الحواجز التي تقف عائقاً أمام بقاء واستمرار الهيمنة وقوة التغلب، ولن يكون الدين بمنأى عن هذه المعادلة حينما يتحوّل إلى مشروع امة أو جماعة بشرية كما حصل حينما تحوّلت الخلافة إلى اختيار بشري وحقّ قَبَلي لقربى الدم وميراث لشخص رسول الله إذ عُمل على إعطاء الدين صبغة الملك الشخصي لمحمد (من منكم ينازعنا سلطان محمد) وانتزاع الصبغة الإلهية عنها وهو أخطر ما تعرضت له الرسالة، وقد عبّر البعض عن هذا التوجّه حينما أجاز لنفسه أن يردّ على رسول الله (ص) بعد ان أبلغهم بأنّ علياً هو الوليّ من بعده بصيغة الاستفهام: "أمنك هذا أمن من الله"؟

وحينما أجابه أن هذا من الله استنكر السائل قائلاً ما معناه: "ألم يكف ِ أن تكون النبوة في بني هاشم حتى تكون الولاية فيهم أيضاً".

وهذا يؤكد ما قلناه أن الطبيعة البشرية طبيعة معاندة تأبى الخضوع والتسليم حتى لما يكون أمراً إلهياً وسلطةً ألهيةً فكيف اذا كان موضوعا بشرياً وسلطةً بشرية، ولكنها حينما تكون أمراً الهياً يتساوى فيه الجميع ولا يكون فيه إخضاع لمجموعات لحساب مجموعة واحدة كما حدث وأُعتبر فيه الأفضلية للعنصر القرشي ثم للعربي، مما أوجد حالة من العنصرية والطبقية والخصومات بين شعوب الامة الواحدة وداخلها مخالفاً المبدأ الالهي من اعتبار التقوى هي الميزان في التكريم والتفاضل والحاكم فوق كل الخصوصيات، وهو أمر موضوعي أُخذت فيه مصالح جميع المجموعات على حد سواء، سواءً خضعت لمنطق الحق أم أخذها جانب العناد والرفض كما حصل فعلاً".

اضاف: "ايها الأخوة المؤمنون..لقد أدرك رسول الله (ص) مبكراً خطورة هذا الانقسام في الأمة الذي بدأت نذره في الظهور مبكرا وتجلّت له أكثر في أواخر حياته الشريفة بعد يوم الغدير مما دعاه ان يوصي علياً (ع) بالصبر والتحمل حفظاً لرسالته وديمومة بقائها وعدم إعطاء فرصة الانقلاب عليها للمتربصين بها وقد استطاع أن ينجح بهذه المهمة بامتياز مع احتفاظه لنفسه بحقه وإعلانه ذلك، وهكذا أدى أئمة أهل البيت بعده نفس الدور على رغم عظم الكيد الذي أدّته السلطات المتعاقبة التي كان همّها الاحتفاظ بالسلطة وتدجين الدين واستخدامه لهذه الغاية، وكان أخطره الفتن المذهبية والقبيلة والقومية التي افتعلتها بين أبناء الأمة الواحدة وأخطره ما ارتكبته في حق الملتزمين هذا النهج من التكفير والملاحقة والعزل، وهو ما دعا الغرب الاستعماري إلى الاستفادة منه كسلاح قاتل يغنيه عن الدخول المباشر في المواجهة معها بعد فشله الذريع في ساحة المواجهة مع قوى المقاومة وخسارته للمعركة التي وجد العدو فيها هزيمة استراتيجية له وحّدت الامة بكل مكوناتها بوقوفها الى جانب المقاومة محتفلة بالانتصار على انه انتصار لها  كما هو بالفعل، وهو أخطر ما تنبّه له العدو فسارع إلى اتخاذ عدة إجراءات جيّش لها إمبراطورتيه الاعلامية  للالتفاف عليه واحباطه في مهده بإثارة العصبية الطائفية مُصوراً الانتصار للامة بكل مكوناتها أنه انتصار لطائفة ولمكوّن ليس على العدو الصهيوني وإنما على باقي المكونات الطائفية في المنطقة، ولذلك وبناءً عليه، فإنّ المصلحة المشتركة تقتضي التحالف بين العدو الصهيوني وبينها، ساعده على ترويج هذه المخاوف أن أكثر المنتمين لهذه المقاومة بحكم الموقع الجغرافي ينتمون للطائفية الشيعية وأن الداعم لها الجمهورية الاسلامية الإيرانية ومن المؤسف أن تصرّف بعض الطائفيين سواء من الذين ينتمون طائفياً لها أو من ابناء الطائفة السنية الكريمة المقصودة بالتحريض والإثارة أوقعهم جميعاً ضحية الاعلام المأجور وكان للعدو ما أراد".

واكد الخطيب ان "الطائفية كانت  المرض الذي فتك بالأديان وشكّل اختباراً إلهياً لمدعي التديّن ولم يكن هذا المرض بخافٍ على المخلصين من أبناء هذه الأمة ، وقد أشار الله تعالى في القرآن اليه وحذّر من الوقوع فيه وهو من أخطر عوامل الانقسام والتجزئة التي نعاني منها اليوم في لبنان كجزء من معاناة الأمة العربية والاسلامية في صراعها الوجودي مع الاستكبار العالمي والعدو الإسرائيلي، وما لم نعمل على حلّ هذه المعضلة فلن نستطيع التحرّر من سلطة هذا الاستكبار ونحقّق لأنفسنا وجوداً فاعلاً يؤدي رسالته الانسانية والاخلاقية ويساهم في بناء الحضارة العالمية، فهل يرتقي الاتفاق الإيراني السعودي إلى هذا المستوى  الطموح ولو على مراحل مستغلاً الوضع الدولي الجديد ليتحول التحرّر من ضغوط العالم المستكبر من عالم الامكان الى عالم الفعل ولمنعه من تخريب هذا الاتفاق حيث بدأت الولايات المتحدة باتخاذ إجراءات عملية لإفشاله، ولنستفيد من التجارب التاريخية المريرة بالتخلي عن استخدام الطائفية في صراع المصالح الوطنية الضيقة والارتقاء إلى الموازنة بينها وبين المصالح الاستراتيجية للأمة التي هي الكفيلة بالخروج من حالة صراع المصالح الضيقة وبناء الثقة المتبادلة والانطلاق نحو بناء المستقبل والخروج من هذا الواقع المتردي الذي انعكس على لبنان ونظامه الطائفي.

(أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ  وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين)َ.

وتابع: "هذا الهيكل الطائفي الذي كلما انهار بنيانه المُؤسسُ على شرف جرف طائفي هار انهار بنا في هذه الجهنم التي نحن فيها أعدنا البناء عليه اخرى لينهار بنا في جهنم أخرى من الفتن والجوع والمرض والاستحواذ على مقدّرات البلاد والعباد وادخال الطوائف بعضها ببعض، أليس فيكم رجل رشيد؟؟ بلى فيكم ولكن لا رأي لمن لا يطاع، فأنتم تدركون ان لا رأي الا بالتوافق، ومع ذلك تعلّلون رفض التوافق بشرط سحب السلاح لإعادة السيادة وكأنهم بنوا دولة وحققوا سيادة انتهكتها المقاومة، ألم تكن المقاومة بسبب انكم بنيتم وما زلتم تتمسكون به شكل دولة حقيقتها دول زعامات طائفية وسيادة لم تحموها وتعامل بعضكم على انتهاكها مع العدو؟؟ أفلا تستحون؟؟ واذا لم تستحِ  فافترِ ما شئت، ثم تمتنعون عن الاستجابة للحوار لبحث كل ما تدعون، والجواب واضح فالتعلّل لمجرد التعلّل لأنه "ماكو أوامر" فأينَ هي السيادة يا ترى؟؟.".

 

وتوجه الى الحكومة بالقول: "لماذا التأخر في إعادة التواصل مع الحكومة السورية بعد أن أعاد العرب العلاقات معها مع وجود مشكلات النازحين التي لا حلّ لها إلا بهذا التواصل ووجود مصالح مشتركة مع الحاجة الماسة للبنان إلى سوريا، وقد رأيتم أن سوريا كانت أول من وقف لمساعدة لبنان وشعبه في مواجهة العدو الاسرائيلي وفي تحرير أرضه، فتذكّروا أننا في ايار على مقربة من عيد التحرير، ولكن الواضح أن الذي يحتاج إلى التحرير ليس الارض فقط وانما الرؤوس التي لو كانت حرة لما كانت الجامعة اللبنانية وأساتذتها وطلابها والقطاع التعليمي والوظيفي يعانون الإهمال ولا يعطون حقهم من الاهتمام والرعاية."

وقال: "أخيراً، لا بدّ من كلمة ترحيب وأمل تقال في القرار الذي صدر عن وزراء خارجية دول الجامعة العربية والذي قضى برفع تعليق عضوية سوريا في الجامعة العربية ونأمل اعادة الاعتبار للتضامن العربي لمواجهة التحديات التي تواجه العرب وأولها القضية الفلسطينية الذي يعدّ التضامن العربي العربي والعربي الإيراني كفيلاً بتحقيق الانتصار وتحرير الارض والمقدسات وعلى رأسها المسجد الأقصى بإذن الله تعالى وإنهاء المظالم التي يرتكبها هذا العدو اللئيم بحق أطفاله ونسائه وشيوخه وشبابه وانتهاك حرماته، وكانت آخر مجازره ما أقدم عليه بالأمس في غزة وهم يستصرخون العرب والمسلمين لنجدتهم، فليس مقبولاً أن يكون العرب وسطاء في هذا العدوان فبماذا تجيبون رسول الله (ص) وهو يخاطبكم بقوله: (من سمع مسلماً ينادي يا للمسلمين ولم يجبه فليس بمسلم)".

اضاف: "لكن الشعب الفلسطيني مع اجتماع الامم عليه وتخلّي قومه عنه وأخذهم جانب الحياد منه لم يستطع الكيان الصهيوني بعد مرور خمس وسبعين عاماً من الصراع أن ينسيه قضيته أو يقضي على مقاومته او أن يطبّع وجوده رغم التآمر الدولي والخذلان العربي، وعلى العكس كان ذلك دافعاً لإنبعاث المقاومة التي أوقعت فيه شرّ هزيمة وأجبرته على الاختباء خلف سور الخزي الذي لن ينجيه من مصيره المحتوم، وهو اليوم كما في كل مواجهة يقبع في جحره كالجراذين هرباً وخوفاً من الموت بصواريخ المقاومة".

واعتبر "انّ التهديد الصهيوني لبعض فصائل المقاومة ألا تنضم للرد على العدوان وإلا سيستهدف بعض قادتها ليس إلا لزرع الفتنة بين فصائل المقاومة ولذلك يجب توجيه التحية لفصائل المقاومة كون الرد جاء مشتركاً وخيّبت ككل مرة آماله الخبيثة، ولا يجوز التعويل على تدخل ما يسمى بالوسطاء بغض النظر عن مبررات هذا الموقف الذي ليس له من وظيفة سوى حماية العدو من رد المقاومة مع انه لا يتطلب الموقف دخول العرب في حرب معه، ولكن يكفي اتخاذهم قراراً بالدعم المادي لتعزيز صمود الشعب الفلسطيني من ناحية وتسهيل وصول السلاح إلى المقاومة وتسخير الاعلام العربي ومنه اللبناني لخدمة هذه القضية التي هي خدمة للجميع وسيتكفل الفلسطينيون بالباقي، ونأمل أن يكون هذا الموضوع أحد أهم القضايا التي تضعها القمة العربية على الطاولة وتأخذ هذا القرار التاريخي والاستراتيجي مستفيدين من تجربة المقاومة في لبنان التي استطاعت تحرير معظم الأراضي المحتلة دون أن يكون للعرب سوى سوريا قيادةً وجيشاً وشعباً أيّ مساهمة في ذلك واضعةً حداً للصلف الصهيوني. فصبراً شعب فلسطين الأبي، إنّ موعدكم النصر إن موعدكم النصر إن شاء الله تعالى. ( اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون)َ.

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : ايكو وطن-eccowatan