قعبور يا قعبور يا قصة

الرئيسية مقالات / Ecco Watan

الكاتب : محرر الصفحة
Mar 27 26|10:08AM :نشر بتاريخ

كتبت مريم البسام في رثاء الفنان أحمد قعبور على صفحتها على "فيسبوك": يحدث  أن تقفَ طويلاً، متجمّدًا لا تلوي على تعبير، وتكتفي بتصفّحِ مجرى الدمعِ الذي سال حبرًا في 
رحيلِ أحمد قعبور، جميلٌ بحزن، هذا الذي جمعَ لبنانيينَ وفلسطينيين وسوريين وأردنيين وسودانيين على حبّ أحمد.

حينَها يتدفّقُ إلى الخاطرِ كلُّ مخزونِ القعبور من الثورةِ إلى الطفولة.. من بيروتَ الشعب ، كما صوت  الزعنّي، إلى صلةِ القربى بينه وبين مختارِ المدينةِ محمد شامل،
هي الدنيا هيك، وقد عاشها أبو سعد  بكلِّ فنونِها، كتب ولحّن وغنّى كفصولٍ متنقّلة دون أن تشعرَ بتبدّلٍ في طقوسه الفنية.

فأحمد  قعبور ليس “أناديكم” وحسب، هو نوتا متحرّكة  تضع بصمتَها على كلِّ الأماكن، أعطى للإذاعاتِ هوية، وكم أذكر تلك الفواصل في صوتِ الشعب التي كانت صوتًا: “مش صدى، جايي من المدى، صوتك صوت الشعب وملّي الفضا”.

اسمع يا رضا صوتَك، علّمتْ فينا أكثرَ من موجزٍ ونشراتٍ إخبارية، وكم شعرنا بالغيرة عندما نغّمَ  أحمد  لإذاعةِ الشرق من باريس: “والحكي احلى من  الشوفة”، بلوغًا نحو مجدِ فريقِ الأنصار وأغنياتِه المحفّزةِ على تسجيلِ الأهداف.

وتتيقّنُ حينها أن الكلامَ يقفُ على حاجزِ النطقِ، يأتي ليقول لكنه يتحجّرُ بين عقلٍ وروح، ينحسرُ كدمعة.

وفي يومِ تشييعِ أحمد  قعبور، تتقدّمُ دموعٌ نقيةٌ كشتاءِ آذار، لكنك تعثرُ بين ملحِ العينِ على بضعِ نثراتِ جدل ،لا بد أن يُفرزَ إلى جداول الوحول.

فهو يشبهُ لبنان: “إنت اللي ندهتن، والله هني ندهوك، ع حبّك اختلفوا.. كلن بيحبوك”.
من أين أتينا بالتباينِ على مسارِ القعبور؟ وهو الذي رأينا وجهَ فلسطينَ من أغنياتِه ويمّمنا وجهَنا شطرَ الضفة.

نحن كخسارةِ أرضٍ، خسرنا أحمد،
رحيلُه يشبهُ الهزائم،
“ارحل؟؟؟” قلتها يا ابنَ بيروتَ للأعداءِ
عندما دخلوا بيتي..
حفروا في الوجهِ مغارة،
مرّوا على جسدي،
زرعوا في القلبِ رصاصة،
نصبوا ليَّ الخيمة..

وأنتَ يا أحمد  من أبلغنا ببيانٍ غنائيٍّ رفيعِ المصادر  أن:
هذه بلادي، واعلموا أن الصغار
من دورةِ الأحلامِ تمتلكُ القرار،
من سجونِ الليلِ تنتزعُ النهارَ وتمضي.. عواصفَ.

لكن أن تغادرَنا الآنَ وفي وضحِ الحروب؟
كأنّا غُدرنا في معركة، كأن صوتَك كان جبهةً على سن ورمح في ملاعبِ الكبار والصغار ،
كأن الحزنَ لا يجدُ مكانًا للعبور..
فهذا ليس اسمًا عاديًا، إنه أحمد قعبور.

اعذرنا يا ابن البلد ، لقد تقطّعت بنا سُبلُ العبارات لوصف غيابكَ  الطاعن ِ في زمانِه ،
فنستعيرُ من أحمدٍ عربيٍّ بضعًا من ترنيمةِ درويش:

يا أحمد اليوميّ!
يا اسمَ الباحثينَ عن الندى وبساطةِ الأسماء،
يا اسمَ البرتقالة،
يا أحمد  العاديّ!
كيف محوتَ هذا الفارق اللفظيَّ بين الصخرِ والتفاح،
بين البندقيةِ والغزالة!

وبلغتكَ..
يا حكاية غنّية جديدة  
لحنّها بعمرو الرشيدي..
قعبور.. زهرة ترحل في غير أوانها،
قعبور، يا حينْها ويا ضيعنْها،
فأنت بحرُ بيروتَ وناسِها،
رسمتَ حدودَنا على شواطئِها،
ومع محمد العبدالله أدخلتَنا شوارع المدينة فحرّرتَها من كلِّ قيود، وصارت: “مش لحدا، مش لحدا، لكل الناس.. ونحنا الناس”.

إنتَ اليومَ، وابنُ الخيام المتمرّد ، “شو بعاد”،
وبيناتنا  في بلاد عم تحترق،
وولاد رح يسألونا كيف،
وما بنلتقى إلا متل كفّين
ع طاولة ورغيف..

كم يطلعُ جمالٌ من هذه الأغنية،
وكم تحلو عندما يضعُ زياد الرحباني توزيعَه عليها.

صعبٌ علينا يا أحمد تحمّلُ هذا الرحيل،
كبرنا معًا دون أن نلتقيَ إلا كطيفٍ بعيدٍ في إذاعةِ صوتِ الشعبِ، مع أولادِ حارتِنا في شارع جبل العرب،
طار صوتُك إلى الملاعبِ وهزّ شباكَ اللاعبين،
ومدري كيف البلد صار أحدعشر ولد،
ووجدْنا ان حتّى أيادي واصوات الجمهور على مقاعد النجمة تهمس ُفي سرها :  من كل البلد ..انصار . 

 
وراحت نظراتُك نحو المستقبل، حينما كان البلد ماشي والشغل ماشي.. ولا يهمك.

قلتَ لرفيق الحريري وشاشته تحت السما الزرقا   ، 
“لعيونك” و”حياتك بتمون”،
فأحببنا حتى حَوَلَ  عيونِ علي سموري وزهدي نصار وطربوش محمد عقيل وحبيب الروح عباس شاهين.

كيف لمرضٍ ملعونٍ أن يهزمَ كلَّ هذه المملكةِ التي راحت من صوب بلادي؟
كيف للحج أبو محمد أن تنامَ عيونُه في حيِّ السلم، وقلبُه على النبطية والخيام؟

بعد أحمد ، سنطلُّ يوميًا على المنارة  لنفتّش عن حرشِ العيد،
وبالعالي نطيّر  طيّارة  لنقلك وين صار القرميد.

قعبور يا قعبور يا قصة
بصندوق فرجة كبير..
وهو الصندوقُ الأبيض الذي فتحته لنا من دارِ الأيتامِ الإسلامية، ومعه صفّقنا: مرحى مرحى، جيبوا الطرحة.. جيبوا الطرحة لبيروت.

في البالِ لياليكَ الحلوة بصوت  فاروق كوسا وجمانة ياسين وأطفالِ دارِ الأيتامِ وطبولِ المسحراتي..
ومع كل ضربة طبل تحت شبابيك البيوت نغني معك بصوت وَلاّدي : 
ولا مرة أمي وعتني حتى اتسحّر،
كل مرة بيمرق رمضان وبتقلي زغير..
يا زغيّر ، 

مرّ رمضان يا أحمد ، انتظرَ  إشارةً منك،
وغادر،
وقرّرتَ أنت الرحيل بعد تبيانِ الشهرِ الجديد،
تاركًا خلفك شهرًا.. وأحدَ عشرَ شهر، "وحلونجي "كان من صناعةِ حلوياتِك البيروتية  الممتازة،
وشوف النعمة وقول يا كريم..
إي والله، رمضان كريم.

يا أحمد  اللبناني، تودّعك بيروت في يومِ جمعة، وأنتَ الذي غنيتها في كلِّ الأيام،
سنبقى طويلًا على إيقاعِك، ونفاخر كلبنانيين، أولاد حرفةٍ ومخترعي حنكةٍ ومصنّعي روايات الخيال،
وأصحاب بدعٍ، نردّدُ متلازمة:

نحنا السينس فيكشن
نحنا بنعمل أكشن
كيف وصلنا لهون
هاي خدعة تلفزيون.

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : Facebook