آمال خليل.. في رثاءِ من لا تُرثى

الرئيسية ثقافة / Ecco Watan

الكاتب : محرر الصفحة
Apr 25 26|17:28PM :نشر بتاريخ

كتب حسين أيوب في 180 Post:

كنتُ أعرفها، نصاً وإسماً وصورة، منذ العام 2005، عندما قرأتُ أولى مساهماتها في "شباب السفير". نص شبابي جنوبي يكتب بحب وصدق وبلغة نقدية حريصة.

في مطلع العام 2018، وما أن انفض الاجتماع الموسع الذي قدّمني فيه الزميل إبراهيم الأمين إلى أسرة جريدة “الأخبار”، حتى كانت آمال خليل أول من اقتحم مكتبي وراحت تقول لي: “الله يعينك.. في ناس كتار مثلي بالجريدة ناطرينك من سنين. بدنا مهنية السفير وشغب الأخبار”. فاجأتني جرأتها وصراحتها. سألتها وسألتني عن: الجنوب. عيناتا. البيسارية. اليسار. الدراسة. المهنة. الشغف. “المحرر السياسي”. طلال سلمان و”السفير”… في اليوم التالي، أطلّت آمال مجدداً بأناقتها المعتادة وعطرها المميز. قالت لي: “صديقي حسين قديش رح تصمد معنا بالجريدة”؟ كلمة “صديقي” بعفويتها سرعان ما كسرت الحدود بيننا. قلتُ لها: كم تُقدّرين أنتِ يا عزيزتي؟ أجابت ضاحكة: ثلاثة أشهر ماكسيموم. لم أكمل السنة في “الأخبار”، لكن آمال ظلت آمال. صديقة جديدة ومميزة: هو سرُّ صوتها، يتسلل كنسمة ربيعية ولا يختفي أبداً. هو سرُّ صورتها، تنطبع سريعاً في عيوننا، بضحكتها الوادعة وعفويتها الآسرة. هو سر اسمها الذي حفرته حرفاً تلو حرف حتى الرمق الأخير. *** ميزة آمال الأولى جنوبيتها. أو بالأحرى هي “الجنوبية” (بلام التعريف). تعرف جنوبها بتاريخه وحاضره. بناسه وترابه ودروبه وتلاله وأشجاره. تعرف بيوتاته السياسية. يساره ويمينه. أحزابه. المستقلون الحقيقيون. لا تخفي موقفها من أحد من هؤلاء ولكنها لا تُلزم نصها به. تتخذ مسافة عندما تبدأ بالكتابة، إلا عندما يتصل الأمر بالجنوب. هذه لغتها وصورتها عندما تحوّلت من بعد “حرب الإسناد” إلى نجمة “سوشيل ميديا” ننتظرها كل نهار حتى نتعرف على قصة جنوبية جديدة.

لم تحمل آمال بطاقة انتساب إلى حزب. كانت آمال حزباً قائماً بذاته. هو الحزب الذي مشى في جنازتها أو كتب عنها أو اكتفى بدمعة أو آه صغيرة أو كبيرة. لم تُقدّم نفسها يوماً إلا صحافية في “الأخبار” وكانت تفتخر بانتمائها إلى هذه الجريدة الملتزمة. لديها ملاحظاتها الشخصية والمهنية مثل كثيرين غيرها في مؤسستها أو كما هو الحال في كل المؤسسات، لكنها لم تُجيّر رصيدها إلا لـ”أخبارها” التي احتضنت تجربتها وأصرت أن تختم سيرتها حاملة “لوغو” الجريدة الأحمر والأبيض. ظلّ رأس آمال مرفوعاً؛ تتباهى كل يوم باستقلاليتها وهوامشها إلى حد العناد والتمرد على أي تدبير أو قرار يُمكن أن يحد من عالمها أو عملها أو حريتها. قال لها كثيرون إن تجربتها يمكن أن تأخذها إلى مطارح مهنية ثانية. كان البعض يقول لها إن قيمتك صارت أكبر من المساحة المهنية المعطاة لك، وكان جوابها أنها لا تجد نفسها إلا في هذه الفسحة التي تشبهها. *** في أجوبة آمال أكثر من إلتزام. إلتزام بمؤسسة راديكالية الخيارات. التزام بكل حبة تراب جنوبية. بالإنسان. بمقاومة لم يُدرك كثيرون سرها. مقاومةٌ تنبت عند أعتاب الكروم. في أكعاب الزيتون. في دوالي العنب العسلية. في الأرحام والمآقي والقلوب. في الأودية والسهول والمقالع. مقاومةٌ لا هوية حزبية تُقيّدها. تتغير الهويات والأهواء وتبقى هي الراسخة. لكأنها تُزهر كما مواسم الجنوب. قد تذبل أحياناً أو يخذلنا أحد مواسمها لكنها تفاجئنا بأزهارها وثمارها المتجددة.. ولو بعد حين. ولمن لا يعلم؛ ليست آمال خليل من الصنف المتهور. وكما تحسب حروفها وكلماتها، تكون خطواتها مدروسة. تتقدم في الميدان وتكون متيقنة من خط عودتها. صار الصحافيون يعتمدون بوصلتها. تتقن الدروب والتلال والوديان بفطرتها الجنوبية. فطرة ألوانها الزاهية وضحكتها البهية. تتمرد أحياناً وتظن أن تمردها محسوب ولو أن حساباتها لا تُصيب كما في رحلتها الأخيرة.

لا تستأذن آمال خليل الدخول إلى القلوب. تملك إجازة مفتوحة. وجهُها النوّار وابتسامتها المتألقة وأخلاقها الرفيعة؛ كلُ هذا وغيره يجعلها رفيقة كل الناس.. وعندما توجهنا إلى عيناتا في أول زيارة (وهي الأخيرة أيضاً) بعد ما أسمي “وقف النار” في السنة الماضية، كانت آمال شريكتنا في طرق أبواب الضيعة والتنعم بشمس تلة فريز، رفقة الزميل المصور هيثم الموسوي. لا حدود لشبكة علاقات آمال المترامية الأطراف. من الجنوب إلى عكار ومن لبنان إلى فلسطين. لا تهمل رسالة أو سؤالاً أو خدمة. تُحدّد أولوياتها ولا تدعها تتزاحم حتى تأتي النتيجة، كما تتوخاها دائماً. عندما استشهد الزملاء علي شعيب وفاطمة ومحمد فتوني، قلتُ لها.. جاء دورك يا آمال. أجابتني: أنا متل البسينات بسبع أرواح. وكلما كنتُ وغيري نحاول الاطمئنان عليها خوفاً من حماستها الزائدة، كانت تجيب أنها تحاول التوفيق بين موجبات المهنة التي تعشق من جهة والتزاماتها العائلية، ولا سيما إزاء حبيبة قلبها والدتها المريضة، من جهة ثانية. وعندما جاء خبر الاستهداف المتعمد لآمال.. صرنا نُكرّر السؤال نفسه: هل يُمكن لآمال أن تغيب؟ نعم، بين الضحك واللعب لم تعد آمال بيننا. قرّرت أن تغيب عن يومياتنا المُغمسة بتعبها وصوتها وصورتها. تركتنا منتظرين رسائلها التي ندر أن توقفت يوماً واحداً؛ صرنا فجأة بلا تلك الوكالة الجوّالة. بلا الإنسانة التي تُفاجئ أحبتها بحكاياتها التي لا تنتهي.

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : رصد ايكو وطن