بين المفاوضات والميدان: هل من مجال للجمع؟
الرئيسية مقالات / Ecco Watan
الكاتب : محرر الصفحة
Apr 27 26|17:56PM :نشر بتاريخ
كتب مدير مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت رامي الريس في ليفانت تايم:
لا يمكن للبنان واللبنانيين مواجهة التحديات الماثلة أمام البلاد بهذا القدر من الانقسام حيال الخيارات الاستراتيجية الكبرى، خصوصاً مسألة كيفية التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي ومعالجة قضية حصر السلاح بيد الدولة، وهو مطلب محق وبديهي ومعتمد في كل الدول، فليس ثمة دولة تقبل بوجود فصيل مسلح خارج عن سيطرتها قادر على إشعال حرب كبرى ليس دون موافقتها فحسب، بل دون مشورتها من الأساس!
خطوط الانقسام اللبناني العامودي آخذة في التوسع، والشرخ بين اللبنانيين يزداد عمقاً، وتكاد الأدبيات السياسيّة اللبنانيّة تنحصر بين مهرول نحو سلام لم تنضج ظروفه بعد، وبين منكفئ يقود الميدان من دون قراءة المتغيرات الاستثنائية التي شهدتها المنطقة خلال الأعوام الثلاثة الماضية، من التفوق الإسرائيلي دون منازع، إلى سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، إلى الحرب الأميركيّة- الإسرائيليّة- الإيرانيّة…
أما مقولة أن من يفاوض هو ليس من يقاوم في الميدان، فهي مقولة صحيحة وتعرقل مسيرة المفاوضات الجارية في واشنطن، ولو أنها لا تزال في بدايتها، خصوصاً أن إسرائيل- في كل التجارب التفاوضيّة السابقة مع أطراف أخرى- لم تكن يوماً ممن يقدمون تنازلات بالمطلق، فكم بالحري تنازلات مجانيّة.
وإزاء هذا الشرخ السياسي الخطير بين اللبنانيين، لا بد من استعادة بعض العناوين التي لا يمكن إغفالها أو اشاحة النظر عنها من الطرفين أو الأطراف المتباينة في الخطاب والموقف حتى العظم وفي طليعة تلك العناوين ما يتصل بالاقرار بأن ثمة اعتداءات إسرائيليّة تاريخيّة في لبنان وأن الحروب المتتالية التي شنتها على اللبنانيين لم تكن تتصل حصراً بتحقيق الأهداف التي أعلنتها مثل (إخراج الفلسطينيين في السابق والقضاء على حزب الله راهناً).
ثمة انتقام إسرائيلي واضح من لبنان، من المدنيين فيه (وصور الأربعاء الأسود في الثامن من نيسان / أبريل 2026 لا تزال ماثلة أمامنا)، من قراه ومدنه، من بناه التحتية، من مستشفياته، والأهم من كل ذلك، من تجربته التعدديّة التي تناقض الآحاديّة الإسرائيليّة وتعكس ثراء المجتمع اللبناني الذي- رغم كل الصعوبات- يفاخر بتنوعه، بعكس المجتمع الإسرائيلي الذي ينادي بتفوق عنصر واحد فيه ويتعامل باستعلاء واستخفاف شديدين مع العناصر الأخرى.
أما العناوين الأخرى التي لا بد من الإقرار بها هو عودة الاحتلال إلى أرض الجنوب، وابتداع ما سُمّي "الخط الأصفر" تيمناً بقطاع غزة، وبالألوان الأخرى التي تعتمدها إسرائيل في تقطيع أوصال الضفة الغربيّة وزرع المستوطنات فيها. هناك خمسٌ وخمسون قرية باتت عملياً تحت الاحتلال وهذا تراجع خطير إذا ما قيس بالانجاز الوطني الكبير الذي تحقق في العام 2000 ألا وهو إنسحاب كامل دون قيد أو شرط ودون معاهدة سلام أو حتى اتفاقيّة ترتيبات أمنيّة.
ولكن المشكلة لا تكمن فقط في الإقرار بهذه العناوين، بل أيضاً في البحث الجدي في سبل التعامل معها سواء أكان عبر المقاومة المسلحة أم عبر التفاوض السياسي. والمعضلة تكمن أيضاً في أنه لا يجوز ألا يستفاد في التفاوض السياسي من ورقة الميدان، وكما أنه من غير المنطقي أن يكون الميدان منعزلاً تماماً عن التفاوض السياسي.
في مجال المفاوضات، من المفيد مواصلة العمل على فصل المسار اللبناني عن أي مسار آخر. يكفي لبنان ربط مساراته ومصيره بمسارات أخرى، وتجربة "توأمة" المسارين اللبناني والسوري في حقبة الوصاية لا تزال ماثلة أمام اللبنانيين، وأثبتت تماماً أنها لم تكن في مصلحة لبنان لا من قريب أو من بعيد.
ولكن، باستطاعة المفاوض اللبناني الاستفادة من ورقة الميدان بشكل أو بآخر، بدل الذهاب خالي الوفاض إلى واشنطن، وبدل أن تكون مقاربته تنطوي على شيء من الاستجداء واستدرار العطف. فإذا صدف أن اللحظة السياسيّة الراهنة تشهد إلتفاتاً أميركياً إلى لبنان يتمثّل في ضغط على الحكومة الإسرائيليّة لوقف إطلاق النار، فإنه لا بد من التنبه إلى أن شبكة المصالح الأميركيّة- الإسرائيليّة أكثر عمقاً وتجذراً من الحسابات اللبنانيّة المتواضعة. لبنان لن يستطيع أن يزاحم إسرائيل في "حب واشنطن"، فالمسألة أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.
إلا أن الاستفادة من "ورقة الميدان" تتطلب أيضاً إقراراً من قبل حزب الله، ومن يقف خلفه، بأن مرحلة الانفكاك الكامل عن الدولة اللبنانيّة لم تعد مقبولة لبنانياً أو عربياً أو دولياً، ومن تجلياتها توريط لبنان في حروب لا تنتهي ولا طائل منها، وأن ثمة حاجة جديّة للعمل- وفق صيغة ما- تحت كنف الدولة. والأهم أن هذه الخطوة، لا تكفي لدعم موقف لبنان التفاوضي فحسب، بل تساهم أيضاً في رأب الصدع الداخلي وتنفيس الاحتقان والابتعاد عن احتمال الانفجار الأمني أو الاجتماعي الذي تتراكم عناصره رويداً رويداً.
وإذا كانت صيغ الحوار الفضفاضة من خلال طاولات الحوار الوطني لم تعد تجدي نفعاً، فلا بد من ابتكار صيغ جديدة تراعي المتغيرات وتعزّز مناعة لبنان وتقطع الطريق أمام الاقتتال الأهلي في لحظة تتربص فيها إسرائيل لتأليب الطوائف على بعضها البعض، وهي لعبة لطالما لعبتها في الماضي.
في هذا الإطار، تبرز الحاجة كذلك لأن يفرمل "معسكر السلام" إندفاعته بعض الشيء، سواء في الهرولة للتطبيع "الإعلامي"، أو في إثارة قضايا سابقة لأوانها تماماً ولا تعدو كونها تقدّم هدايا مجانيّة لإسرائيل منها مثلاً المقترح المتسرع في إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل الذي أقر سنة 1955، وتجريم التعامل معها. لا يزال لبنان في حالة عداء حتى اللحظة، وإسرائيل ثبت ذلك يومياً أقله من الألفي شهيد وأكثر الذين سقطوا في الحرب الأخيرة.
تماماً كما هو مطلوب من "معسكر المقاومة" الإقلاع عن التهديد بالفتنة والحرب الداخلية والانقضاض على سائر اللبنانيين بهدف "تأديبهم" والتلويح بورقة السابع من ايار جديدة، وهي وصمة عار غير مبررة على من قام بها سنة 2008. كما هو مطلوب منه الامتناع عن إلصاق تهم العمالة والتخوين والصهينة بحق كل من يعارضه الرأي.
قد يكون لبنان أمام فرصة تاريخيّة، وهذا صحيح. ولكن المسألة تتطلب درايةً ووعياً في طريقة إدارتها بدل التسرّع والتهوّر كي لا تنقلب الفرصة إلى لعنة تشعل فتيل الحرب الداخليّة مجدداً. من دون حوار ما بطريقة ما، سوف تتفاقم التوترات، وتصعب مهمة تحرير الأراضي المحتلة ووضع حد نهائي للحرب.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا