بيروت روح الشرق المتعَبة...أنا موجوع فعلاً

الرئيسية مقالات / Ecco Watan

الكاتب : عقبة زيدان
Apr 09 26|17:39PM :نشر بتاريخ

كتب عقبة زيدان في إيكو وطن

عايشتُ الحرب الأولى في حياتي وأنا في السادسة من عمري. في الليل كانت صفارات الإنذار تدوّي، ولا يجد الأهل بداً من إنقاذنا، إلا بإيقاظنا، وتنبيهنا بعدم إصدار أي صوت. وفي غضون لحظات، كانوا يخرجوننا من البيوت، في الظلام الدامس، ويسيرون بنا بين الأشجار والصخور، وأقدامنا الصغيرة تتعثر بالحجارة. وكنا نكمل المسير،  بصمت مطبق. 
كنا صغاراً، ولكننا فهمنا أن كلمة "غارة" تعني أنه علينا النزول إلى المغارة القريبة من البيت. وفهمنا أيضاً أن العدو يريد أن يقتلنا جميعاً، من دون أن يستثنينا نحن الأطفال الصغار، الذين لم نفعل له شيئاً. 
أجل، كنت في السادسة من عمري، وكنت لا أعرف ما هو فيروس الموت، ككل الأطفال في العالم، رغم أني رأيته يصيب بعض أقراني وأقاربي الصغار، ليواروا بعدها تحت التراب. 
بعد أيام من الغارات العنيفة، اجتاح العدو ضيعتي، وخرجنا منها إلى ضواحي دمشق، المدينة التي سرقت مني وجعي، وشرعت تداوي جرحي العميق. مدينة تتقن الحب والألفة والحنان.
بعد تسعة أعوام اجتاح العدو نفسه بيروت، ودمّرها، وكنت أقرأ عنها وأشاهد آلامها على صفحات الجرائد، وفي عيون النازحين الذين وصلوا إلى بلدتي الصغيرة، وهم يحملون وجعهم، وتحكي وجوههم همجية العدو. وفي الوقت نفسه تصورت جمالها الأخاذ من كلام أبي الذي اختنق وهو يصف سحرها وألمها: "إنها روح الشرق المتعَبة".
بعد انتهاء الحرب اللبنانية بعام، سافرت مع صديق لي إلى بيروت، وأنا أخزّن في ذاكرتي أشعاراً عن المدينة الفاتنة. ولكن المشهد كان مؤلماً إلى درجة أنني كنت على وشك الاختناق. اصطدمت عيناي بالدمار الهائل. كنت أنظر حولي عاجزاً عن التفوه بكلمة. لقد حطم الحزن قدرتي على الكلام. شعرت بدموعي تتدحرج على خديّ، ويد صديقي تحطّ على كتفي. وحين نظرت نحوه كانت عيناه غائمتين كعيني. 
يا للرعب! من ذا الذي حول هذه المدينة الساحرة إلى كتلة من الأبنية المهدّمة، وشبح الموت يحوم فوقها، وكأنها لا تزال في نفق جحيمي. 
الآن، وفي هذه اللحظة التي لا يمكن وصفها، يقوم العدو نفسه بقصف بيروت، ويمعِن في وحشيته. لقد رأيتها عبر السنوات الخمس والثلاثين الماضية تتعافى وتتحوّل إلى حكاية في أروع الأساطير. وها هي الآن ترزح تحت وابل من القذائف والصواريخ الغبية من قِبل أبشع عدو عرفه التاريخ. 
ما زلت أذكر أنني في ضيعتي الوادعة التي هجّرني العدو منها، كنت ألمس الشظايا التي تتناثر في الحقل المجاور وتخترق جذوع أشجار التين، فتستقر فيها، من دون أن أدرك قدرتها على قتلي، فيما لو أصابتني إحداها. 
وكما خسرتُ في طفولتي بعض أقراني الصغار، ها أنذا أشاهد كيف يموت الأطفال وتخترق الشظايا أجسادهم الطرية، مع أنهم لم يفعلوا شيئاً، ولم يدركوا بعد ما هو الموت. 
بيروت لم تقتل أحداً، ولم تعتدِ على أحد. وكل ما فعلته أنها جعلت كل العشاق يهيمون بجمالها. هل هذه جريمة؟
بيروت هي عشيقة كل من وطأت قدماه أرضها، وهي عشيقة كل من يقدّس الحياة. ومن يرمقها بنظرة كرهٍ، لا بد أن يكون همجياً، حاقداً، ولا يعرف أن الحب هو المرادف لاسم بيروت. 
أنا موجوع فعلاً، لأن "روح الشرق متعَبة". الوجع الآن أكبر من أن يترجَم، فالكلمات لا معنى لها حين تكون بيروت متألمة، وحين يكون القاموس اللغوي أصغر من أن يعبّر عن الألم الذي يجتاح كياني.

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : ايكو وطن-eccowatan