بين فرحة الشمال ووجع الجنوب… مطار القليعات يفتح نافذة أمل للبنان

الرئيسية مقالات / Ecco Watan

الكاتب : محسن السقّال
Jun 07 26|00:51AM :نشر بتاريخ

كتب محسن السقّال في إيكو وطن

في أقصى شمال لبنان، وتحديدا في عكار التي طالما ارتبط اسمها بالحرمان والإهمال وغياب المشاريع الإنمائية الكبرى، تحقق الحلم المتمثل بخطوة تاريخية طال انتظارها مع انطلاق الأعمال الفعلية لتطوير وتشغيل مطار الرئيس رينه معوض في القليعات.

حدثٌ لم يكن عاديا بالنسبة لابناء عكار والشمال، بل شكّلَ بالنسبة إليهم لحظة انتصار على عقود طويلة من التهميش، وبارقة امل بمستقبل اقتصادي وانمائي مختلف.

لا يقتصر الامر على انشاء مرفق جوي جديد أو تأهيل منشأة قائمة، بل يتجاوز ذلك إلى اعادة رسم الخريطة الاقتصادية اللبنانية، فالمطار المنتظر يشكل بوابة استراتيجية للشمال اللبناني نحو العالم، ويمنح عكار وطرابلس والمنية والضنية والكورة وزغرتا والبترون وبشري فرصة حقيقية للدخول في دورة اقتصادية جديدة قائمة على الاستثمار والسياحة والتجارة والخدمات اللوجستية.

لقد عاش ابناء الشمال لعقود طويلة شعورا بان دولتهم بعيدة عنهم، وان المشاريع الكبرى تتوقف عند حدود مناطق أخرى. واليوم، مع بدء العمل في مطار القليعات، يشعر كثيرون بأن الدولة بدأت أخيرا تلتفت إلى هذه المنطقة التي قدمت الكثير للبنان ولم تنل إلا القليل من حقوقها الانمائية.

المطار لا يعني فقط تسهيل حركة السفر، انه مشروع قادر على خلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، وتنشيط القطاع السياحي، وجذب الاستثمارات المحلية والخارجية، ورفع قيمة الأراضي والعقارات، وتحريك قطاع النقل والشحن والتجارة، كما أنه سيمنح لبنان منفذا جويا إضافيا يخفف الضغط عن مطار بيروت ويعزز الأمن الاقتصادي واللوجستي للبلاد.

وفي الوقت الذي يعيش فيه الشمال لحظات الفرح والامل، لا يمكن تجاهل الجرح العميق المفتوح في جنوب لبنان، فهناك قرى وبلدات ما زالت تعاني آثار الدمار الذي أصاب المنازل والبنى التحتية والمصانع والمؤسسات الاقتصادية،عشرات الآلاف من العائلات دفعت أثمانا باهظة، فيما تضررت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية التي كانت تشكل ركيزة أساسية للأمن الغذائي والإنتاج الزراعي اللبناني.

المفارقة المؤلمة أن لبنان يعيش اليوم مشهدين متوازيين: مشهد النهوض في الشمال ومشهد المعاناة في الجنوب، ففي الوقت الذي ترتفع فيه الآمال مع انطلاق مشروع مطار القليعات، لا يزال آلاف الجنوبيين ينتظرون استكمال إعادة الإعمار والعودة الكاملة إلى قراهم وأرزاقهم وحياتهم الطبيعية.

ومن هنا، فإن نجاح الدولة لا يكتمل بإطلاق المشاريع الإنمائية في منطقة واحدة فقط، بل بقدرتها على تحقيق التوازن بين النهوض الاقتصادي في الشمال وإعادة الحياة إلى الجنوب. فلبنان لا ينهض بجناح واحد، ولا يمكن لأي منطقة أن تعوض خسارة منطقة أخرى، التنمية الحقيقية هي التي تشمل جميع اللبنانيين وتمنح كل منطقة حقها في النمو والاستقرار، من هنا علينا جميعًا مساعدة الدولة لا وضع العصي في دواليبها.

اليوم، تسجل للرئيس العماد جوزاف عون ولرئيس الحكومة الدكتور نواف سلام خطوة مهمة في مسار إعادة تفعيل المشاريع الوطنية الكبرى وإعادة حضور الدولة إلى المناطق المحرومة، ويبقى التحدي الأكبر في استكمال هذا المسار، بحيث تصل سفينة الدولة إلى شاطئ الأمان، وتتمكن من إعادة إعمار ما تهدم في الجنوب بالتوازي مع استكمال مشاريع التنمية في الشمال.

ولا بد من التنويه بدور الوزير رسامني الذي كان دورا محوريا في اخراج مشروع مطار الرئيس رينيه معوض إلى حيز التنفيذ، من خلال متابعته الحثيثة للملف وتذليل العقبات الادارية والتقنية التي اعترضته، وقد أسهمت جهوده في تحويل حلم طال انتظاره لأبناء عكار والشمال إلى مشروع وطني واعد يفتح آفاقا جديدة للتنمية والاستثمار والحركة الجوية في لبنان.

فرحة ابناء عكار والشمال مشروعة، فهي ثمرة عقود من الانتظار وحلم حملته أجيال متعاقبة، غير أن اكتمال هذه الفرحة يبقى رهنا بقدرة الدولة على تضميد جراح الجنوب وإعادة الحياة إلى قراه ومدنه المنكوبة، فمطار القليعات ليس مجرد مشروع إنمائي أو مرفق جوي جديد، بل يمكن أن يتحول إلى رمز لانطلاقة وطنية شاملة تعيد وصل ما انقطع بين اللبنانيين ومؤسسات دولتهم.

ومن المفارقات أن اتفاق الطائف، الذي وضَع حدًّا للحرب اللبنانية، انطلق من هذا المطار، قبل أن يتوقف دوره إثر اغتيال الرئيس الشهيد رينه معوض. واليوم، الأمل بأن تقلع الدولة مجددا من مطار القليعات، لا بالطائرات فحسب، بل بمشروع وطني جامع يرسخ السلام والاستقرار والأمان في كل ربوع الوطن، ويعيد الجنوب محررا نابضا بالحياة، ويكرس سلطة الدولة وهيبتها على كامل أراضيها بقواها الشرعية والأمنية.

عندها فقط يمكن القول إن لبنان بدأ فعلا يستعيد توازنه المفقود، وإن الأمل عاد يحط على أرضه من كل الجهات، تماما كما هبطت اليوم أولى بشائر الإنماء في سماء عكار، ويقف جميع اللبنانيين خلف الرئيسين عون وسلام والحكومة لتتمكن الدولة من بسط سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية بقواها العسكرية والأمنية فقط.

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : ايكو وطن-eccowatan