الأنباء: إسرائيل بين المواقف والسلوك الميداني تؤكد: الإطار أحادي لا ثلاثي.. واحتلالٌ مفتوح
الرئيسية صاحبة الجلالة / Ecco Watan
الكاتب : محرر الصفحة
Jul 10 26|06:48AM :نشر بتاريخ
أخطر ما حمله يوم أمس لم يكن حجم التصعيد العسكري، بل التصريحات الإسرائيلية التي أسقطت عمليًا كثيرًا من الرهانات اللبنانية على "اتفاق الإطار". فعندما يقول رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو إن إسرائيل ستبقى في الحزام الأمني "طالما اقتضت الحاجة"، ويؤكد وزير الدفاع يسرائيل كاتس أن إسرائيل لا تحتاج إلى إذن للبقاء في لبنان، فإن ذلك يعني أن تل أبيب تنظر إلى الاتفاق بوصفه إطارًا لإدارة الاحتلال، لا لإنهائه. كما يعني أن هذا الإطار، بالفعل، أحادي لا ثلاثي، يفرض قيودًا على لبنان، ويحرمه الكثير من الحقوق التي كرّستها القرارات الدولية، وكذلك الاتفاق الدولي الوحيد بين دولة لبنان وإسرائيل، أي اتفاقية الهدنة. وفي طليعة هذه الحقوق، يأتي حق لبنان في انسحاب إسرائيلي كامل من أراضيه من دون قيد أو شرط.
هذه هي النقطة التي أثارها منذ البداية الرئيس وليد جنبلاط، عندما حذّر من أن صيغة الإطار لا تتضمن نصًا ملزمًا يفرض على إسرائيل الانسحاب الكامل، وأنها قد تترك الباب مفتوحًا أمام بقاء الاحتلال تحت ذرائع أمنية. واليوم، تبدو الوقائع الميدانية والتصريحات الإسرائيلية وكأنها تمنح هذا التحذير بُعدًا لا يمكن تجاهله.
فإسرائيل لم توقف عمليات النسف والتدمير والتجريف، ولم تخفف من حضورها العسكري، بل باتت تربط بقاءها المباشر في الجنوب بما يجري على الجبهة الإيرانية. وهذا الربط يكشف أن جنوب لبنان لم يعد يُدار باعتباره ملفًا لبنانيًا فحسب، بل جزءًا من منظومة الردع الإقليمية التي تحاول تل أبيب إعادة صياغتها بعد الحرب مع إيران.
وفي هذا السياق، يكتسب قرار مجلس الوزراء بالموافقة على شراء بيوت جاهزة للنازحين بُعدًا يتجاوز الجانب الإنساني. فالقرار يعيد الاعتبار إلى المبادرة التي طرحها الرئيس وليد جنبلاط قبل ٤ أشهر، لتأمين الحد الأدنى من الكرامة للمتضررين، لكنه يطرح، في الوقت نفسه، إشكالية سياسية عميقة.
فإذا كانت هذه البيوت ستُقام في "المناطق التجريبية" التي يُفترض أن تنسحب منها إسرائيل، فمن يضمن أن هذا الانسحاب سيحصل فعلًا؟ وماذا لو تحولت تلك المناطق إلى نموذج جديد للمناطق العازلة التي تبقى خاضعة للقرار العسكري الإسرائيلي؟ وهل تكون الدولة قد بنت مساكن لمواطنين على أرض لم تستعد سيادتها عليها بعد؟
هذه الأسئلة ليست نظرية، بل يفرضها واقع سياسي يتناقض فيه الخطاب الأميركي مع الموقف الإسرائيلي. ففي الوقت الذي يواصل فيه السفير الأميركي ميشال عيسى طمأنة المسؤولين اللبنانيين بأن اجتماعات روما ستدخل مرحلة التنفيذ، وأن زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن تعكس اهتمامًا أميركيًا خاصًا بلبنان، تصدر من تل أبيب مواقف تنسف عمليًا أي التزام واضح بالانسحاب.
ولذلك، لم يكن مستغربًا أن يعيد رئيس مجلس النواب نبيه بري، أمام السفير الأميركي، طرح السؤال الجوهري: أين تثبيت وقف ك النار؟ وأين الانسحاب إلى الحدود الدولية؟ وهو سؤال يتقاطع مع القراءة السياسية للحزب التقدمي الاشتراكي، التي تعتبر أن أي ترتيبات تقنية أو تنفيذية لن تكون ذات قيمة إذا لم تُترجم أولًا إلى التزام سياسي واضح يُلزم إسرائيل بالانسحاب الكامل.
ويقف لبنان اليوم أمام اختبار بالغ الدقة. فالرهان على زيارة الرئيس عون إلى البيت الأبيض مشروع، لكن نجاحها لن يُقاس بحفاوة الاستقبال ولا بالصور التذكارية، بل بقدرة الإدارة الأميركية على إلزام إسرائيل بما تعهدت به، وتحويل الوعود إلى وقائع ميدانية.
إقليمياً
لم يعد ممكناً التعامل مع ما يجري في الخليج، وفي جنوب لبنان، باعتبارهما مسارين منفصلين. فالتصعيد العسكري الأميركي - الإيراني في مضيق هرمز، والعودة إلى تبادل الضربات بعد انهيار التفاهمات السابقة، يوجهان رسالة واضحة بأن الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة عنوانها إعادة رسم موازين القوى وقواعد الاشتباك، لا مجرد إدارة الأزمات.
إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب انتهاء التفاهم مع إيران لم يكن مجرد موقف سياسي، بل إعلان انتهاء مرحلة وبدء أخرى. فالضربات الأميركية الواسعة جاءت لتؤكد أن واشنطن انتقلت من سياسة الاحتواء إلى سياسة فرض الوقائع بالقوة، فيما اختارت طهران الرد من البوابة الأكثر حساسية للعالم، أي مضيق هرمز، في محاولة لإفهام الجميع أن أمن الطاقة العالمي سيبقى رهينة أي مواجهة تستهدفها.
ورغم المحاولات القطرية والباكستانية لإحياء قنوات التفاوض، فإن لغة الميدان تبدو اليوم أعلى من لغة الوسطاء، فيما تتصرف إسرائيل باعتبارها المستفيد الأول من انهيار المسار الدبلوماسي، لأنها ترى في ذلك فرصة لاستكمال مشروعها الأمني في أكثر من ساحة.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا