زيارات الباباوات إلى لبنان: رسائل تتجدّد فوق صخرةٍ تتصدّع: نستحق الحياة
الرئيسية مقالات / Ecco Watan
الكاتب : فاروق غانم خداج
Nov 30 25|22:23PM :نشر بتاريخ
كتب الباحث اللبناني في الأدب والفكر الإنساني فاروق غانم خداج في إيكو وطن:
منذ انتهاء الحرب الأهلية، ظلّت زيارات الباباوات إلى لبنان لحظاتٍ يتوقّف عندها الزمن قليلاً، كأنّ البلاد المنهكة بحاجة إلى صوتٍ آتٍ من بعيد ليذكّرها بأنّها ما تزال تستحقّ أن تُنقَذ. وهكذا، تمتد خريطة هذه الزيارات من يوحنا بولس الثاني عام 1997، مروراً ببندكتوس السادس عشر عام 2012، وصولاً إلى زيارة لاوون الرابع عشر في ٣٠ نوفمبر 2025، حاملةً في كلّ محطة رسالةً تتناسب وعمق الأزمة اللبنانية المتحوّلة عبر العقود.
لم تكن زيارة يوحنا بولس الثاني حدثًا بروتوكوليًا عابرًا. في ذلك الربيع من عام 1997، بدا كأنّ لبنان القديم قد تنفّس من بين الركام. في الساحات التي ازدحمت بالحشود، كان البابا يخاطب اللبنانيين بوصفهم «رسالة»، والكلمة يومها لم تكن شعاراً، بل إعادة تعريف لدور وطنٍ خرج من حربٍ طويلة بلا بوصلة. توقيعه للمرسوم الرسولي «أمل جديد للبنان» لم يكن مجرّد نصّ كنسي، بل إعلانًا بأنّ لبنان ليس جغرافيا منهكة فحسب، بل فكرة لا تموت. شكّلت تلك الزيارة جرعة أملٍ لمجتمعٍ مسيحيّ كان يخشى الذبول، وفتحت الباب لحوارٍ وطني حول معنى العيش المشترك في بلدٍ ما زالت ندوبه طرية.
لكن حين أتى البابا بندكتوس السادس عشر بعد خمسة عشر عامًا، في خريف 2012، كان المشهد مختلفًا. المنطقة على صفيح ساخن، وسوريا المجاورة تشتعل، والقلق على الوجود المسيحي في الشرق العربي يبلغ مدى غير مسبوق. لم يأتِ بندكتوس بلهجة الشعر التي طبعت زيارة سلفه، بل بلهجة اللاهوتي الحذِر الذي يرى العاصفة قبل أن تشتد. توقيعه لوثيقة «الكنيسة في الشرق الأوسط» بدا كأنه محاولة لوضع خريطة طريق روحية وسياسية لاستمرار الحضور المسيحي في زمن الانفجار الكبير.
ومع ذلك، حملت تلك الزيارة ثِقَل اللحظة التاريخية. فالكنيسة، في ذلك العام الحاسم، كانت تُطلق نداءً للمحافظة على هوية الشرق المتعدّد. وكانت كلمات البابا يومها تحمل نبوءةً مريعة: «لا سلام بلا عدالة، ولا عدالة بلا احترام للإنسان». وكأنه كان يقرأ من سفر الأيام القادمة ما لم نكن نراه: انهياراً اقتصادياً سيدمّر المدّخرات، وفساداً سيأكل الأخضر واليابس، وانفجاراً في مرفأ بيروت سيُمزّق قلب العاصمة بعد ثماني سنوات فقط. كان ذلك النداء أشبه بجرس إنذار لم نُحسن الإصغاء إليه.
واليوم، مع زيارة لاوون الرابع عشر لبنان نهاية عام 2025، يعود السؤال بإلحاح أقوى من أيّ وقت مضى: ماذا ينتظر اللبنانيون من بابا جديد يأتي في زمن الانهيار الشامل؟ وهل ما زالت هذه الزيارة قادرة على اختراق جدار اليأس السميك، أم أنّها ستتحوّل إلى طقس رمزي عاجز أمام حجم الكارثة وأوزارها؟
الزيارة تحمل في طيّاتها ثلاثة أبعاد أساسية قد تحدّد أثرها في الوعي اللبناني:
أولًا، البعد الإنساني.
فالصوت البابوي يملك قدرة نادرة على إعادة إنعاش شعور الانتماء الوطني حتى لدى الذين فقدوه. حين يقف البابا بين الناس، يذكّرهم بأنّهم ليسوا وحدهم، وأنّ العالم ما يزال يرى وجعهم. وفي بلدٍ يتأرجح يومياً بين الخوف والتعب، يصنع هذا الحضور بحدّ ذاته نوعاً من الطمأنينة الغائبة.
ثانيًا، البعد الدولي.
لبنان اليوم يحتاج أكثر من أيّ وقت إلى نافذة تطلّ على العالم. الزيارات البابوية تفتح عادةً أبواب اهتمامٍ دبلوماسي، وتعيد وضع الملف اللبناني على طاولة القوى الكبرى. صحيح أنّها لا تقدّم حلولًا جاهزة، لكنها تُطلق إشارات وتحثّ الدول المانحة على عدم التخلي عن بلدٍ يترنّح بين الحياة والانهيار.
ثالثًا، البعد الأخلاقي.
في وطنٍ تآكلت فيه مؤسسات الرقابة، وفقد الناس الثقة بالدولة، يصبح للصوت الأخلاقي قيمة مضاعفة. البابا قد لا يغيّر الفساد، لكنّه قد يعيد للناس شجاعة مواجهة الفاسدين. وقد يُذكّر اللبنانيين بأنّ الأوطان لا تُبنى على الخوف، بل على وضوح الضمير.
ومع ذلك، تبقى الحقيقة أنّ تأثير الزيارات البابوية كان دائمًا رمزيًا أكثر منه سياسيًا. لا بابا أوقف الانهيار، ولا زيارة فرضت إصلاحًا، ولا صلاة استطاعت وحدها إنقاذ مؤسساتٍ تتداعى منذ عقود. لكن هل يُطلب من الزيارة البابوية ما يتجاوز طبيعتها؟
ربما علينا أن نقرأ هذه المحطات بطريقة مختلفة: ليست حلولًا، بل مساحات لطرح الأسئلة الكبرى، وإضاءات تُسلَّط على جرحٍ نخشى الاعتراف بعمقه.
فالزيارات البابوية ليست محطات خلاص، لكنها محطات لمراجعة الضمير الجمعي. هي لحظات استثنائية يتوقّف فيها اللبنانيون عن صراعاتهم قليلاً، ليتذكّروا هويتهم الحقيقية: أنهم لم يُخلقوا للانقسام، بل ليكونوا نموذجاً فريداً للتنوّع والتعايش. وهي أيضاً لحظات يتذكّر فيها كلّ لبناني أنّ خلاصه لا يأتي من الخارج، بل من قدرته على مواجهة ذاته بصدق.
وهكذا، بين 1997 و2012 و2025، يبقى الخيط نفسه يلمع فوق صخرةٍ تتصدّع:
لبنان يستقبل الباباوات ليذكّروه بما نسيه… أنّه ما يزال يستحقّ الحياة.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا