ميخائيل نعيمه وكمال جنبلاط: جسرٌ روحيّ بين الأدب والفكر

الرئيسية مقالات / Ecco Watan

الكاتب : فاروق غانم خداج
Jan 13 26|15:50PM :نشر بتاريخ

 كتب الكاتب والباحث اللبناني في الأدب والفكر الإنساني فاروق غانم خداج في ايكو وطن:
اللقاء بين ميخائيل نعيمه وكمال جنبلاط يُشكّل جسرًا روحيًّا ينقل القارئ من حدود الطوائف والانتماءات إلى فضاءات الفكر والوجدان الإنسانية الخالصة. فهما، كلٌّ على طريقه، أدركا أن الأدب والفكر ليسا مجرّد صورة للواقع، بل وسيلتان للبحث عن الإنسان والمعنى في هذا الوجود، وكل كلمةٍ يخطّها أحدهما كانت انعكاسًا لتلك الروح المشتركة.

تجلّى هذا التلاقي بشكل واضح في رسالتين نشرتهما جريدة "Raya" في الثامن عشر من أبريل 2006، حيث أثنى نعيمه على شغف جنبلاط بالشرق والروحانية، معتبرًا أن مقالته عن العودة إلى الشرق تعكس روحًا متشبعة بالمعاني الأزلية والبحث عن الحقيقة الإنسانية. الرسائل لم تكن مجرد كلمات احترامٍ متبادل، بل اعترافٌ صامت ومتكلم، يتجاوز كل ما يُقاس بالسلطة أو المنصب، ويضع الهمّ الإنساني في قلب العلاقة. في نصوصها، يظهر الاهتمام العميق بالمعنى الروحي للكلمة، والبحث عن الانسجام بين الفكر والفعل، حيث يتحد الأدب مع الفكر ليصبح تجربةً إنسانيةً جامعة.
وفي السياق نفسه، يؤكد كتاب ناتالي الخوري غريب "ميخائيل نعيمه وكمال جنبلاط: شاعران في معراج الصوفية" (2014) الرؤية الصوفية المشتركة بين الرجلين، حيث الشعر والفكر وسيلتان للوصول إلى تجربة الإنسان الكاملة، بعيدًا عن الانتماءات العقائدية والطائفية. هذا البحث عن الجوهر، هذا الانغماس في الروح، هو ما يجعل من لقائهما تجربةً إنسانيةً حقيقية، لا مجرد تلاقي أديبين. وعندما يُقرأ النصُّ الشعري لجنبلاط جنبًا إلى جنب مع رؤية نعيمه، يُدرك القارئ كيف يمكن للكلمة أن تكون جسراً بين الذات والآخر، بين التجربة الفردية والمجتمع، وبين الشرق والغرب، وبين الفكر والوجدان.

وقد عبّر نعيمه عن تقديره لتجربة جنبلاط الشعرية في مقدمة ديوان "فرح" قائلاً: "الشعر عند جنبلاط ينبثق عن تجربةٍ أصيلة، لا يحتاج تعديلًا". كلمات صغيرة، لكنها تحمل اعترافًا بقوة الصدق الروحي في الكلمة، وبأن الشعر الذي ينبثق من وجدان الإنسان لا يُقاس بالمعايير الفنية فقط، بل بصدق الانغماس في الحياة والوجود. فامتزاج الشعر بالروحانية يجعل كل نصٍّ تجربةً متكاملة، حيث يُقرأ كل بيتٍ شعري ليس فقط كتنسيقٍ للألفاظ، بل كنَبْضٍ يتردد في حياة القارئ ووجدانه.

ويزداد تلاقيهما وضوحًا إذا نظرنا إلى الاهتمامات الروحية والفلسفية لجنبلاط، الذي جمع بين التصوف الدرزي واليوغا كما في كتاباته عن الفيدا، مؤكدًا على تجربةٍ إنسانيةٍ شاملة، تتقاطع تمامًا مع روحانية نعيمه التي تنطلق من احترام الإنسان والوجود بكل أبعاده. فالروحانية في نظرهما ليست جسرًا للتفرقة أو التعالي، بل جسرًا نحو الإنسان الآخر، والذات العميقة، والكون الموحّد. وقد ساهم هذا الانصهار بين التجربة الشرقية والفكر الغربي في صياغة رؤيةٍ متفردةٍ لدى الرجلين، جعلت من لقاءاتهما الفكرية مساحةً للتأمل والحوار العميق.

ويُضاف إلى ذلك أن جنبلاط كتب أكثر من 30 كتابًا، مثل "فرح" و"نحو اشتراكية أكثر إنسانية"، امتدت تجربته الفكرية فيها لتشمل التأمل في الإنسان والمجتمع والسياسة، متخذًا من الأخلاق والروحانية قاعدةً لكل فعل وفكر، كما اتخذ الشعر والفكر وسيلتين لاكتشاف جوهر الحياة. ورغم رفضه تعديل عروضه الشعرية احترامًا لوجدان التجربة، إلا أن هذا الرفض لم يمنعه من الوصول إلى عمق الكلمة والصدق الإنساني، ما جعل نعيمه يلمس هذا البُعد ويقدّره على نحو خاص.

إن تجربة الرجلين تشير أيضًا إلى أن الأدب والفكر ليسا حكرًا على طائفةٍ أو فئة، بل هما وسيلة لتوسيع دائرة المعرفة والوعي الروحي. فالحكمة، بحسبهما، لا تُحتكر، والكلمة الحقيقية تنير الطريق لكل مستحق، بغض النظر عن موقعه الاجتماعي أو انتمائه الديني. ومن هنا، يصبح الأدب والفكر وسيلةً لإغناء الروح الجماعية والارتقاء بالوعي الإنساني، وهو ما تجسّد في كل رسالة، كل مقدمة، وكل بيتٍ شعري خطه أحدهما.

في النهاية، ما جمع الرجلين كان أكثر من أي اختلاف، إذ توصل كل منهما إلى حقيقة واحدة: الحقيقة لا تُحصر في شكل أو قالب، والشعر والفكر والروحانية وسيلة لإثراء الإنسان والمعنى قبل أي انتماء. تجربة ميخائيل نعيمه وكمال جنبلاط تظل نداءً حاضرًا، ودعوةً دائمةً للإنصات: إن الفكر الصادق فعلٌ رعاية، والأدب الإنساني بيتٌ يتّسع للجميع، حيث تُقال الكلمة من أعماق الصدق فتتحوّل إلى نورٍ يضيء الطريق أمام كل إنسان، ويذكرنا بأن التلاقي الحقيقي يولد من احترام الفكر، وصدق الروح، ورغبة الإنسان في فهم الإنسان

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : ايكو وطن-eccowatan