احتفاءً بالثقافة الجامعة بين بيروت وموسكو.. تكريم نخبة من المثقفين والإعلاميين في البيت الروسي
الرئيسية ثقافة / Ecco Watan
الكاتب : محرر الصفحة
Jan 26 26|10:30AM :نشر بتاريخ
أقامت جمعية الصداقة اللبنانية–الروسية حفل تكريم في قاعة المركز الثقافي الروسي – البيت الروسي في بيروت، برعاية سفير روسيا الاتحادية في لبنان ألكسندر روداكوف، وبالتعاون مع البيت الروسي في لبنان.
وقد اختارت الجمعية، في هذا الحدث، أن تكرّم نخبة من الكتاب والمفكرين والإعلاميين اللبنانيين الذين ساهموا في إغناء المشهد الثقافي والفكري، وتعزيز جسور التواصل الإنساني والثقافي بين لبنان وروسيا، بعيدًا عن الانقسام السياسي، وبعيدا عن تبسيط العلاقات إلى مجرد ملفات دبلوماسية. إذ بدا واضحًا أن رسالة الحفل تتجاوز التكريم، لتؤكد أن الثقافة ليست مجرد ترف أو مناسبة احتفالية، بل هي ذاكرة الشعوب وخط الدفاع الأول عن الإنسان حين تضيق سبل الحوار.
وحضر الحفل إلى جانب السفير الروسي، شخصيات رسمية وثقافية وإعلامية بارزة، من بينهم السفير اللبناني السابق في موسكو شوقي بو نصّار، وعضو مجلس إدارة تلفزيون لبنان الإعلامية ريما خداج حماده، وألكسندر أناطوليفيتش سوروكين مدير البيت الروسي في بيروت، والدكتور طوني معلوف رئيس جمعية خريجي جامعات ومعاهد روسيا والاتحاد السوفياتي في لبنان، إلى جانب حشد من ممثلي الهيئات الثقافية والحزبية، وعدد من الأدباء والمؤرخين ورجال الفكر والإعلام، وأعضاء الهيئة الإدارية لجمعية الصداقة، وخريجين وطلاب مهتمين بالشأن الثقافي من اللبنانيين والروس
ومع انطلاق الحفل، جاء الترحيب الافتتاحي ليضع الحدث في إطاره الحضاري الأوسع، قبل أن تتوالى الكلمات التي جسّدت الفكرة نفسها: أن الثقافة هي الجسر الأكثر ثباتًا بين الشعوب، وأنها تبقى الحصن الذي يحمي القيم الإنسانية في مواجهة صخب السياسة وتقلب المصالح.
استُهلّ الحفل بكلمة افتتاحية ألقتها الإعلامية المتميّزة كاتي يمّين، التي قدّمت من خلالها مقاربة ثقافية وإنسانية عميقة للعلاقة اللبنانية–الروسية، واضعةً اللقاء في إطاره الحضاري الأوسع، ومؤكدةً أنّ هذا الحدث لا يندرج في سياق الاحتفال الشكلي، بل في سياق الوعي بدور الثقافة كمساحة جامعة تتجاوز العابر والآني.
في مستهل كلمتها، رحّبت يمّين بالحضور من الشخصيات الرسمية والثقافية والإعلامية، مثمّنةً مشاركتهم في هذا اللقاء، وموجِّهةً الشكر إلى تلفزيون لبنان على مواكبته وتصويره الحفل، مع تنويهٍ خاص بإدارة التلفزيون، ولا سيّما رئيسة مجلس الإدارة الدكتورة أليسار جعجع، تقديرًا لجهودها ودورها الداعم، وإلى أعضاء مجلس الإدارة. كما خصّت بتحية تقدير الأستاذة ريما خداج حماده، عضو مجلس الإدارة، لاهتمامها وحرصها على إنجاح هذا الحدث الثقافي وكان الشكر موصول من يمين إلى إذاعة سبوتتنيك وتلفزيون ل NBN على حضورهم وتغطيتهم المميزة لهذه المناسبة.
وانطلقت يمّين في كلمتها من المكان والرمزية، معتبرة أنّ اللقاء في بيروت، مدينة الحوار المفتوح وملتقى الثقافات، وفي البيت الثقافي الروسي تحديدًا، يحمل دلالات عميقة، إذ يشكّل هذا الصرح منذ سنوات مساحة تلاقٍ نابضة بين ثقافتين تعارفتا طويلًا عبر الأدب والفكر والفن والتعليم، وأسّستا معًا لمسار من التفاعل الإنساني والمعرفي المتبادل.
وأكدت أنّ لبنان وروسيا ليسا بلدين التقيا مصادفة، بل هما تجربتان إنسانيتان وجدتا في الثقافة لغة مشتركة، وفي المعرفة سبيلًا للوعي والتقارب، وفي الإبداع مساحة طبيعية للقاء، مشددةً على أنّ هذه العلاقة لم تُبنَ على المصالح الظرفية، بل على تراكم تاريخي طويل من التفاعل الفكري والإنساني.
وتوقّفت يمّين عند الأواصر العميقة التي نُسجت بين الشعبين عبر الزمن، والتي تجلّت في الجامعات، وفي الكتب، وفي المسارح، وفي تجارب إنسانية وفكرية متبادلة، أسّست لذاكرة ثقافية مشتركة تجاوزت تقلبات الزمن والظروف السياسية. واستحضرت في هذا السياق مثال الأديب اللبناني الكبير ميخائيل نعيمة، الذي شكّلت التجربة الروسية إحدى الركائز الأساسية في تكوينه الفكري والإنساني، إذ حمل من أدبها وفلسفتها عمقًا إنسانيًا عاد به ليغني الثقافة العربية، ويجعل من التجربة الروسية جزءًا حيًا من الوجدان الثقافي اللبناني.
واعتبرت يمّين أنّ هذا الإرث المشترك يمنح الثقافة دورها الحقيقي بوصفها الجسر الأكثر ثباتًا بين الشعوب، ولا سيّما في زمن تتراجع فيه القيم الإنسانية أمام صخب السياسة وتصادم المصالح. ورأت أنّ القرب الإنساني بين لبنان وروسيا، حين يُبنى على المعرفة والاحترام المتبادل، يحتاج دائمًا إلى رعاة وحماة للأفكار والقيم المشتركة، كي لا يتحوّل إلى علاقة شكلية أو ذكرى عابرة.
وفي مقطع لافت من كلمتها، شدّدت يمّين على أنّ العلاقة الثقافية بين الشعوب تكتسب في المرحلة الراهنة أهمية مضاعفة، ليس فقط لأنها الأكثر قدرة على الاستمرار، بل لأنها أيضًا الأكثر عرضة للإهمال، والأشد حاجة إلى الحماية. فالقرب الثقافي، إذا لم يُغذَّ بالفكر والإبداع والحوار، يصبح مهددًا بالضمور، وإذا تُرك رهينة الظروف السياسية، يفقد دوره كجسر حيّ يربط بين الشعوب.
ومن هنا، حمّلت يمّين المثقفين والمبدعين وأصحاب الكلمة الحرة مسؤولية خاصة، معتبرةً أنهم ليسوا مجرّد ناقلين للالمعرفة، بل حراس لهذه العلاقة الإنسانية، وشهود على أنّ الثقافة، حين تواجه الأزمات، تتحوّل إلى خط الدفاع الأول عن القيم المشتركة، وعن الإنسان نفسه.
بعد الانتهاء من كلمة الافتتاح والاستماع إلى النشيدين الوطنيين اللبناني والروسي، ألقى سفير روسيا الاتحادية في لبنان ألكسندر روداكوف كلمته باللغة الروسية، وقد تولّى ترجمتها إلى العربية مسؤول العلاقات الإعلامية في البيت الثقافي الروسي السيد علاء كنعان، وسط متابعة واهتمام من الحضور.
وفي كلمته، توجّه السفير روداكوف بالتحية إلى الضيوف والمكرّمين، معربًا عن سعادته بالمشاركة في هذا اللقاء الثقافي الذي يجمع نخبة من المثقفين والإعلاميين والباحثين، ممن كرّسوا جهدهم المهني أو الأكاديمي أو الإبداعي لدراسة روسيا، تاريخًا وثقافةً ودورًا حضاريًا في العالم المعاصر.
وأشار السفير الروسي إلى أنّ المرحلة الراهنة تشهد تطورات دولية متسارعة ومعقّدة، تخلق مناخًا عامًا من عدم اليقين وعدم الاستقرار في مختلف مجالات الحياة، لافتًا إلى أنّ المعلومات المضلِّلة باتت أداة خطيرة تُستخدم لتشويه الحقائق، والنيل من الدول والشعوب الساعية إلى الاستقلال والحرية، وإلى بناء سياساتها وخياراتها بعيدًا عن الإملاءات الخارجية.
ومن هذا المنطلق، شدّد روداكوف على أنّ الرؤية البحثية الموضوعية، والالتزام المهني بالحقيقة، واحترام الوقائع والتاريخ، تشكّل اليوم عناصر أساسية في مواجهة حملات التضليل والتزييف، معتبرًا أنّ هذه القيم تجمع الصحفيين، وأعضاء الهيئات الأكاديمية، والمفكرين والكتّاب الحاضرين في هذا اللقاء.
وأكد السفير أنّ الجهود الفكرية والإعلامية التي يبذلها المكرَّمون تسهم في تقديم صورة متوازنة وواقعية عن روسيا، بوصفها دولة محبة للسلام، منفتحة، مضيافة، حريصة على التعاون، ومدافعة عن مبادئ العدالة والمساواة بين جميع الدول والشعوب دون استثناء. واعتبر أنّ هذا الدور لا يقتصر على البعد الإعلامي، بل يتجاوز ذلك إلى بناء وعي ثقافي وإنساني قائم على الفهم المتبادل، بعيدًا عن الصور النمطية والأحكام المسبقة.
وختم السفير روداكوف كلمته بالتأكيد على أنّ هذه الجهود الفكرية والثقافية تفتح آفاقًا واسعة لتطوير العلاقات الثقافية والإنسانية بين روسيا ولبنان، على أساس من التفاهم والصداقة والاحترام المتبادل، معربًا عن تقديره الكبير لكل من يساهم، من موقعه، في تعزيز هذه الروابط الإنسانية العميقة.
بعد كلمة السفير الروسي، ألقى رئيس جمعية الصداقة اللبنانية–الروسية الدكتور رياض نجم كلمته، مرحّبًا بالحضور في البيت الروسي، الذي وصفه بالصرح الثقافي الحي، وبالمنصة الدائمة التي احتضنت على مدى سنوات طويلة أنشطة ولقاءات أسهمت في توطيد العلاقة بين الشعبين اللبناني والروسي.
واستهلّ نجم كلمته بالتوجّه بالتحية إلى سعادة السفير ألكسندر روداكوف، وإلى الشخصيات الرسمية والثقافية والإعلامية المشاركة، وإلى المكرّمين، معتبرًا أنّ هذا الحضور الواسع يعكس عمق الاهتمام بالعلاقة الثقافية اللبنانية–الروسية، ويدلّ على مكانة الثقافة كعنصر جامع في زمن الانقسامات.
وأكد رئيس الجمعية أنّ هذا التكريم لا يُنظر إليه كحدث احتفالي عابر، بل يأتي تقديرًا لمسيرة فكرية وإعلامية وأكاديمية طويلة، أسهمت عبر الكتب والدراسات والأبحاث والمقالات والأعمال الإعلامية في ترسيخ الصداقة اللبنانية–الروسية، وإضاءة مختلف جوانب العلاقة الثنائية، في مجالات الثقافة والإعلام والاقتصاد والسياسة.
وأشار نجم إلى أنّ جمعية الصداقة اللبنانية–الروسية ترى في المثقفين والإعلاميين شركاء أساسيين في بناء الجسور بين الشعوب، وحملة مسؤولية أخلاقية ومعرفية في نقل الصورة الصادقة، وتعزيز الحوار، وحماية الذاكرة الثقافية المشتركة من التشويه أو النسيان.
إعلان أسماء المكرَّمين: وجوه صنعت الجسر الثقافي
وفي ختام كلمته، أعلن الدكتور رياض نجم أسماء المكرَّمين في هذا الحفل الثقافي، وهم نخبة من الكتّاب والمفكرين والإعلاميين والمبدعين الذين تركوا أثرًا واضحًا في المشهد الثقافي والإعلامي، وأسهموا في تعزيز التواصل الثقافي بين لبنان وروسيا، وهم:
الدكتور بسّام حجّار، المفكّر بسّام ضو، الدكتور بشارة صليبا، الدكتور جمال القَرَى، الدكتور جمال واكيم، الإعلامية جيهان فتوني، الصحفي رفيق سمهون، الدكتور زياد منصور، الدكتور سهيل فرح، السيدة سفيتلانا صفا، المخرج سمير حبشي، الإعلامي عماد الدين رائف، السيد محمد نصر الدين، الدكتور محمد علاء الدين، الدكتور محمد دياب، الدكتور نزار دندش، الدكتور ناصر زيدان، الإعلامية هند نجم، والصحفي يوسف مرتضى.
وقد جرى تقديم الدروع التكريمية للمكرّمين وسط أجواء من التقدير والاعتزاز، عكست قيمة الدور الثقافي والإعلامي الذي أدّوه على مدى سنوات طويلة.
واختُتم الحفل بعرض الفيلم الوثائقي «الانطباع الأوّل» للإعلامية والصحفية هند نجم، الذي قدّم معالجة توثيقية وإنسانية عميقة، عكست جانبًا من التلاقي الثقافي والمعرفي بين لبنان وروسيا، وسلّط الضوء على البعد الإنساني للعلاقة بين الشعبين، بعيدًا عن العناوين السياسية المباشرة.
وجاء الفيلم ليؤكّد، بالصورة والكلمة، أنّ الثقافة تبقى المساحة الأكثر صدقًا للحوار بين الشعوب، وأنها الجسر الذي لا تهدمه السياسة، ولا تُسقطه التحوّلات، بل يزداد صلابة كلما اشتدّت الأزمات.
كما أنّ مثل هذه المناسبات ليست مجرد حفلات أو طقوس احتفالية، بل هي لحظات توثيقٍ وتقديرٍ لجهودٍ فكرية طويلة، تُعيد إلى الواجهة دور المثقف كرافد أساسي في بناء الوعي، وصياغة الهوية، وحماية الذاكرة الجماعية. فتكريم المفكرين والكتاب والإعلاميين في هذا الإطار يعني الاعتراف بقيمة العمل الفكري الذي يواجه أحيانًا موجات من التضليل والتشويه، ويُسهم في إظهار الحقيقة بأدوات البحث والكتابة والنقد البناء.
وتؤكد هذه الاحتفالات أيضًا أن الثقافة ليست “ترفًا” يمكن الاستغناء عنه في أوقات الأزمات، بل هي عماد المجتمع وأساسُ تماسكه، لأنها تعطي الإنسان القدرة على فهم الآخر، وعلى قراءة الواقع بموضوعية، وتمنحه القدرة على بناء مستقبلٍ مختلف، مبني على الحوار والتبادل، لا على الصراع والعزل.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا