جعجع: الوطن ليس فندقاً ويجب ادارة الاختلافات ضمن إطار وطني نهائي

الرئيسية سياسة / Ecco Watan

الكاتب : المحرر السياسي
Feb 02 26|00:56AM :نشر بتاريخ

استعرض رئيس حزب "القوّات اللبنانيّة" سمير جعجع محطاتٍ مفصلية من مسيرته السياسية والشخصية، في مقابلة ضمن  "The Pen Cast"، متوقفاً عند بداياته الحزبية، وقراره ترك دراسة الطب في الجامعة الأميركية في بيروت خلال سنوات الحرب، ورؤيته لمسؤولية العمل العام، وصولاً إلى مقاربته لمستقبل الشباب اللبناني وأزمة النظام السياسي في لبنان.

 

وفي مستهل الحديث، رأى جعجع، رداً على سؤال عن سبب تأخره في الوصول إلى رئاسة حزبٍ يمثّل أكبر كتلة نيابية، أن "مساره لم يكن مساراً تقليدياً"، وقال: "إنّ من الأمور التي أخّرت- إن صحّ التعبير- وصولي إلى هنا، أنّني لم آتِ لا من المنتدى السياسي، ولا من عائلةٍ بالمعنى التقليدي لعائلة سياسية، ولا من الوسط الذي يأتي منه عادة السياسيون أو رؤساء الأحزاب. لا شك أنّ هذا الأمر كان في كثير من الأحيان عقبةً بطريقةٍ ما في وصولي إلى ما وصلتُ إليه".

 

وعن بداياته كشاب يدرس الطب ثم يترك الدراسة ليلتحق بالجبهة، ميّز بين "المحفّز والسبب الجوهري"، معتبراً أنّ "اهتمامه بالشأن العام بدأ مبكراً في عمر الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة، وأنه انتسب في المدرسة أولاً إلى خلية حزب الوطنيين الأحرار ثم انتقل إلى خلية حزب الكتائب اللبنانية بسبب انتظامها التنظيمي مقارنة بالأولى".

 

وأكد أنّ "أداءه الأكاديمي كان مرتفعاً، لكن اندفاعه نحو تغيير الواقع اللبناني تبلور عملياً خلال عامي 1975– 1976، عندما كان متدرّباً في المستشفى في فترة معركة الهوليداي إن. لقد كان موقع هذه المعركة قرب المستشفى"، واصفاً ساعاتٍ طويلة من استقبال المصابين بلا انقطاع. وأوضح أنّ "معالجة الجرحى كانت إسعافية وليست المعالجة الحقيقية، لأن المشكلة الأساسية كانت في انفلات البلد وسقوط الضحايا، ما دفعني إلى اتخاذ قرار ترك الجامعة بعد نهاية العام الدراسي 75–76 واستغلال عطلة الصيف للقيام بهذه الخطوة، والقرار لم يكن سهلاً، كنت ناشطاً داخل الجامعة وأحب اختصاصي رغم عدم ميلي الى بعض المواد".

 

وعمّا تغيّر في أفكاره ونظرته الى المسؤولية، أكد جعجع أن "الروح نفسها التي دفعتني يومها للدفاع عن البلد بقيت حاضرة"، نافياً أن يكون قراره حينها ناتجاً من تفكير استراتيجي معقّد.

 

وروى أنّه "عند وصوله إلى بشرّي مع انتقال عائلته من عين الرمانة بسبب القصف، سمع قرع أجراس الكنيسة لتنبيه الأهالي الى تقدم قوات فلسطينية ويسارية باتجاه المنطقة، فحمل بندقية كانت موجودة في البيت ونزل كما فرضت الظروف نفسها"، قبل أن يتحدث عن انتقاله لاحقاً إلى محطات الحرب في الكورة والشمال مع التشكيلات التي نشأت آنذاك.

 

وأكد جعجع، رداً على سؤال، "تضاعف المسؤولية بعد اغتيال بشير الجميل وحصار دير القمر، إلى شعور اهتزاز الإطار الذي كان يعمل ضمنه"، معتبراً أنّ "مرحلة ما بعد الاغتيال شهدت ضياعاً كبيراً". وأشار إلى أنّه "بدأ مع مجموعة من الأشخاص، بينهم صديقه القديم كريم بقرادوني، التفكير في كيفية استعادة رونق القضية"، منتقداً غلبة طابع "تسوَوي" على العمل السياسي آنذاك "وهذا ليس من أدبيات القوات"، لافتاً إلى أنّ "انتفاضة 1985 كانت، لحظة إنقاذ لأن تأخرَها كان سيقود إلى تلاشي القوات بصيغتها المعروفة".

 

وفي شرح معنى "القوات" كما صاغه بشير الجميل، قال جعجع: "الفكرة كانت أكبر بكثير من مفهوم قوة نظامية داخل الكتائب. المشروع جمع بين الدفاع والحرب من جهة، والحاجة إلى تغيير سياسي وتنظيمي من جهة أخرى، في ظل فجوة عمرية ومفاهيم متأخرة داخل البنى القائمة". واعتبر أنّ "بشير لم يكتف بتوحيد القوة العسكرية، بل أطلق مسار تغيير أوسع عبر تجميع قيادات شابة ومختلفة ضمن إطار موازٍ، ما جعل القوات أداة تغيير تتجاوز كونها مجرد ذراع عسكرية".

 

وعن المؤثرات الفكرية التي ساهمت في تكوين هويته السياسية، قال جعجع إنه "مرّ على معظم العقائد الرائجة آنذاك، من القومية العربية إلى العقيدة السورية القومية التي وصفها بالغريبة". وتحدّث عن موقفه من الماركسية باعتباره "رفضاً مبدئياً لها بسبب رؤيتها للوجود والتاريخ"، مع إقراره بـ"وجود مبادئ عامة مشتركة مثل المساواة". كما ردّ على سؤال عن مواجهات الجامعة مع النوادي اليسارية، مشيراً إلى أنّ "خلافه الأكبر كان مع المجموعات المؤيدة للفلسطينيين التي كانت تتحول إلى اشتباكات عنيفة"، وأنه "كان ضمن إطار الرابطة اللبنانية الجامعة لقوى لبنانية متعددة".

 

وفي رسالة مطوّلة إلى الشباب بعد سؤال عن 14 آذار 2005 و17 تشرين 2019، رأى جعجع أنّ "تدهور البنى التحتية والخدمات ليس سبباً للهجرة بل سبب للبقاء والعمل"، معتبراً أنّ "الوطن ليس فندقاً"، وأن "الحفاظ على وطن مستقر في الشرق الأوسط ليس أمراً سهلاً تاريخياً". وانتقد "الاكتفاء بالنية الطيبة في 17 تشرين من دون القدرة على ترجمتها إلى عمل منظّم"، مؤكداً أنّ "تحسين وضع البلد من رابع المستحيلات من دون أحزاب فعلية"، ومشدداً على "ضرورة الانضمام إلى الأحزاب الجيدة بدل إسقاط فكرة الأحزاب كلياً".

 

وعمّا إذا كان قدر اللبنانيين مواجهة الحرب أو الاغتيال أو الأزمات، قال جعجع: "إن المشكلة جوهرية وتتصل بتركيبة مجتمع تعددي يُدار بدولة مركزية بل شديدة المركزية". ورأى أنّ "الحل هو اللامركزية بمعناها الأوسع لا بمعناها الإداري الضيق، بما يوفّر متنفساً للمجموعات اللبنانية المختلفة ويخفف التشنجات"، داعياً إلى "إدارة الاختلافات الاجتماعية والثقافية ضمن إطار وطني نهائي بدل تحويلها إلى مواجهات يومية".

 

وتناول جعجع السجن وزيارة مجسّم الزنزانة في معراب، وشرح أنّه "دخل مرحلة ما بعد الطائف بروح إيجابية لبناء دولة فعلية، لكنه خلص إلى عدم الوثوق بكثير من الدول الخارجية، واصفاً حافظ الأسد بأنه "أكبر كذبة". واعتبر أن "المواجهة تحولت إلى مواجهة مع نظام دمشق ومع مسؤولين لبنانيين، وهو ما دفعني إلى رفض دخول الحكومة كوزير".

 

وأضاف: "السجن لم يكن مفاجئاً بعد تحذيرات تلقيتها، وفضّلت المواجهة السياسية على العسكرية". ورأى أنّ "الزنزانة كانت جبهة بحد ذاتها، وأن تحمل الضغوط بما فيها تفتيش الغرفة بعشوائية لإرهاقي كان جزءاً من الامتحان الذي يزيد صلابة الإنسان".

 

وتطرق جعجع إلى علاقته بزوجته النائبة ستريدا جعجع، قائلاً إن "الرسائل التي كان يرسلها لها كانت متنفساً ونقطة ارتكاز، وإن الثقة والرابط بينهما كانا أساسيين". ولفت إلى أنها "تلعب دوراً في قراراته السياسية وتنخرط في المشاريع والإنماء والعلاقات السياسية وتحضر اجتماعات عديدة معه".

 

وشرح جعجع معنى عبارة "ما بيصحّ إلا الصحيح" على أنها "قناعة تحرك الإنسان"، محذّراً من "تحوّل القناعات الخاطئة إلى نبوءة تحقق ذاتها"، ومميزاً بينها وبين الأيديولوجيا الجامدة.

 

وعن الشخصيات التي تأثر بها، أوضح جعجع أنه استفاد من أفكار متعددة، آخذاً من نيكولو مكيافيللي "بعض الشيء" في إدارة اللعبة العملية لا بمعنى الوقاحة، لكنه اعتبر غيورغ فيلهلم فريدريش هيغل الأكثر تأثيراً لديه، عبر فكرة "العقل في التاريخ" واتجاهه نحو مزيد من التحرر، مستنتجاً أن "الأنظمة القائمة على القمع لا تستمر". وفي تعريفه للديمقراطية، قال: "إنها حق كل جماعة في اختيار ممثليها"، منتقداً ما اعتبره "تشويهاً غربياً حديثاً عبر تهرّب القادة من القرار لصالح الاستفتاءات". وضرب مثالاً ما جرى في نقاشات ضرب بشار الأسد. ورفض فكرة "الديكتاتور العادل بوصفها تناقضاً"، لكنه شدد على أن "بعض المجتمعات قد تحتاج الى نموذج ديمقراطية مفصّلاً على تركيبتها"، مستشهداً بـ"لويا جيرغا" في أفغانستان وبنماذج توافقية أخرى.

 

وفي ختام المقابلة، قال جعجع: "لو لم تقع الحرب لا أعرف إن كنت سأبقى في الطب أو أتجه إلى المحاماة، لكنني كنت متأكداً من انخراطي في الشأن العام". كما كشف أنه "حرص على الجلوس مع الرئيس كميل شمعون في سنواته الأخيرة لتعلّم طريقة التفكير وبناء الرؤية المتماسكة".

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : ايكو وطن-eccowatan