مآسي الرعيان في جنوب لبنان

الرئيسية مقالات / Ecco Watan

الكاتب : محرر الصفحة
May 06 26|15:18PM :نشر بتاريخ

كتب الدكتور ناصر زيدان في إيكو وطن:

تحوَّلت نعمةُ المطر التي ينتظرها أصحاب المواشي والرعيان الى نقمة لم تكُن بالحسبان. "مراحات" النزوح غير مُهيأةٍ للاتقاء من "حِبال" الشتاء الغزيرة التي سقطت خلال اليومين المُنصرمين، والعودة الى الضيعة مُتعثرة، بل مستحيلة، فوحوش إسرائيل المُتفلِّتين يتربصون شراً، ولا يستأذنون أحداً على الأرض أو في السماء عندما ينقضُّون على الفريسة. والفريسة ضحايا أبرياء، ونجباء وشُهماء، ومعهم قطعان خلقها الله على أرضٍ طيبة، وهي لا تعرف بمهالك الحروب، ولا بسياقات المفاوضات وبريق الشاشات.

آلاف الرعيان في جنوب لبنان، ينتشرون على مساحةِ البلدات والقرى والشِعاب، ولهؤلاء حواضر من الماشية والقطعان على اختلاف أنواع الحيوانات الأليفة، تُزينها كلابُ الأمانة. والكلابُ تُحبُّ الأرض وتنشدُّ اليها ربما أكثر من كلِ الكائنات. يقول أبوعلي: خرجتُ مع قطيع الأغنام التي رعيتها بعناية وبشغف وبعرق الجبين، كما ربيتُ أولادي، وهي مصدر رزقي وأكنُّ لها الحنين. نزحنا مشياً الى منطقةٍ قريبة من الجنوب بعد سماع تهديدات إسرائيل وطلبها منا إخلاء البلدة. وفي مكان النزوح دخلنا الى مراحٍ مكشوف وبجانبه عرزالٌ من خشب، بالكاد يحجب لذعة الشمس في النهار، ويقي من "الندي" في الليل، يملكه صديقٌ تعشعشُ فيه الأصالة اللبنانية والحميَّة العربية فوق كل الحسابات السياسية.

ويتابع أبو علي: كنَّا اعتقدنا كما في كل عام، دخل نوار(مايو) ومعه يسافر الشتاء الى البلاد البعيدة، ويتركنا نرقص فوق الغلال ووراء القطعان، وننام غامضي الجفون، فلا الحرُّ يكوينا، ولا برد الليل يؤذينا، فنوار عندنا مقبولٌ ولو جار، وإذ بالعاصفة الهوجاء الباردة تضرب من دون رأفة، وبردها قارسٌ لا يأبه لحيطان المراح، بينما السماء التي حملت لنا الصواريخ القاتلة والمُسيرات اللعينة، تركتنا نتفرَّج على "أمراس" المطر الغزير، ومَن فوق السماء يشهدُ على عذاباتنا، ونتكلُ عليه ليأخذ حقنا من المعتدي، ويرأف بنا على كُلِ حال.

في كل بلدة جنوبية عددٌ من الرعاة الطيبين الصابرين؛ عاشوا حياتهم نكبةً بعد نكبةٍ، وبينما كانوا ينتظرون الفرج بعد أن تغيَّرت موازين القوى وقواعد الاشتباك مع نهايات العام 2024، وإذ بحروب "المساندات" الغريبة العجيبة تفتح عليهم جحيماً اسرائيلياً بغيضاً، كانوا اعتقدوا أنه ابتعد عنهم بعض الشيء. والويل الويل لمن يكفُر بالمساندة، والويلُ الويل لمن يأمن لشرّ إسرائيل، كلا الويلين مريرين، والقطعان التي انتظرت صفوة عشب الربيع، لا تريد ترك المراعي ولا تريد الرحيل الى مكانٍ بعيد، ولا تستمع للإنذارات ولا تخاف من القصف القاتل. بعضها تشلَّع من هول العدوان، وبعضها تاه بين الوديان، و"طلع المنادي ينادي: ارحلوا... ما في إفادي، وأصبح الرعيان بوادٍ ... والقطعان بوادٍ "أما الكلاب الأمينة فاحتارت في الاختيار؛ بين رحيلها مع الرعيان وبين بقائها مع القطيع، فحراسة كليهما أمانةٌ، والحارس هو نفسه ليس بأمان.

على صعوبة النزوح من المنازل المبنية بالكدّ والتعبِ وعرق الجبين، وهي مُعرَّضة حكماً للدمار؛ فهذا النزوح المقيت أهونُ حالاً من تركِ القطيع في المراح من دون طعامٍ وشراب، وإفلاتها في البراري أصعب من الإقدام على تنفيذ مُنكرةِ الموت الرحيم، سيأتي وحوش الغزاة لاقتناصها من الجو، وسيأتي وحوش البرّ لافتراسها في لحظة الهلع الكبير. أما خيار إبقاء القطيع في المزارع، وزيارتها كل يوم لتقديم الطعام والشراب لها؛ فهي مهمةٌ شاقة، وتضحية محفوفة بالموت أمام الأضاحي التي ستُقدَّم يوماً على مائدة الكرامِ "او اللئام".

أيها القابعون بلا عاطفة أمام شاشات العقول الاصطناعية، ووراء الميثولوجيات الموسومة الغريبة على ضفتي جنوب الجنوب وشمال الجنوب؛ اتَّقوا الله فيما تفعلون، والله حق وعدل وسلام قبل أي شيءٍ آخر، وهو لا يأمر بالقتل، ولا يُشرِّع السوء والضغينة، وهو أساس الملك، لا يوصي "براري" واسعة من حقوق الناس لتكون ملكاً - او كياناً كبيراً – لمعتدين غاصبين، يحترفون قتل الناس وتشريد الأبرياء، ويهلكون الأرض وما عليها من رعيانٍ وقطعان. وربُ العالمين ضنينٌ بأي منقلباتٍ تسيرون، وهو لم يُكلّف أحداً باستعباد أحد، ولا بمباشرةِ الحرب واستقدام الويلات.

وحدها الدولة اللبنانية الجامعة صاحبة الحق بالدفاع عن اللبنانيين وعن أرضهم و"قطيعهم" وهي قوية إذا ما وقف اللبنانيون جميعاً خلفها، وقادرةٌ على ردع اسرائيل وتحرير الأرض وتأمين الاستقرار، والفرصة مُهيأة لتوفير ظروف مناسبة تحفظ التضحيات وتُعيد النازحين المنكوبين الى بلداتهم وقراهم، وتستعيد الأسرى وتُحرِّر الأرض.

واللحظة السياسية مؤاتية أمام المقاومين ليهدوا مجهوداتهم للوطن الجريح، والوقوف الى جانب الدولة وقواها الشرعية لتوفير مستقبل آمن للبنان. وعندما تعتدي إسرائيل مجدداً سيكون اللبنانيون جميعاً سداً منيعاً في وجهها، وهم واشقاؤهم العرب وأصدقاؤهم في العالم؛ أكبر من أي عدوان، مهما امتلك من أدوات القتل والدمار.

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : ايكو وطن-eccowatan