جنبلاط: يجب على لبنان أن يقاوم شيطان التقسيم

الرئيسية سياسة / Ecco Watan

الكاتب : المحرر السياسي
May 11 26|19:30PM :نشر بتاريخ

يروي وليد جنبلاط اليوم، مذكراته والتي تحمل عنوان "قدرٌ في المشرق"، في لحظة مفصلية من تاريخ لبنان. وهي تصدر عن دار "ستوك" الفرنسي للنشر. 

وهذا نصّ الحوار الذي أجراه لوران مارشان لصحيفة "Ouest France" الفرنسية مع الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط. 

س: لبنان مهدد مجددًا في وحدته. كيف تقرأون الوضع الحالي؟

ج: هذه هي المرة الثانية التي تُقدم فيها إسرائيل على عملية اجتياح لجنوب لبنان. وهذا يذكرني بعام 1978، عندما بدأ كل شيء بعملية عسكرية واسعة، ثم تحول الأمر إلى احتلال فعلي لم ينتهِ إلا عام 2000.

التاريخ يعيد نفسه، بالسيناريو ذاته، وبالكارثة الإنسانية نفسها. مئات آلاف اللبنانيين نزحوا من بيوتهم.

س: تكتبون في مذكراتكم: "لا نخدع أنفسنا، لن يكون هناك سلام إسرائيلي، لأن الاستقرار ليس هدف إسرائيل، فالدولة العبرية لا يمكن أن تعيش إلا مع جيران ضعفاء ومنقسمين". ماذا تقصدون بذلك؟

ج: لا يمكن أن يكون هناك اتفاق سلام. لا يمكن أن يكون هناك سوى اتفاق هدنة، أي وقف لإطلاق النار.

اتفاقٌ ليس سلامًا ولا حربًا. علينا أن نعزّز الجيش اللبناني، لا سيّما أن رحيل قوات "اليونيفيل" التابعة للأمم المتحدة، والمقرر في نهاية العام، يُعدّ خطيرًا للغاية. يجب إنشاء "يونيفيل" جديدة، أو قوة دولية، بمساعدة فرنسا وإيطاليا ودول أخرى.

س: لكن على أي أساس؟

ج: بعض الأحزاب اللبنانية تطالب بقوة دولية تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. يجب الحذر الشديد.

الأميركيون والفرنسيون دفعوا ثمنًا باهظًا، عبر تفجيرات عام 1982، نتيجة وجودهم في لبنان. لذلك فالمسألة شديدة الحساسية، ولهذا السبب تحديدًا يُعتبر انتهاء مهمة "اليونيفيل" أمرًا خطيرًا. ينبغي أن تحظى هذه القوة الدولية بتوافق جميع الأحزاب اللبنانية والدول المجاورة: إيران وإسرائيل.

س: تبقى مسألة نزع سلاح الحزب نقطة أساسية. كيف يمكن تحقيق ذلك؟

ج: أود أن أوضح لقرّائكم نقطة جوهرية. يتم الحديث عن الحزب وكأنه مجرد جسم غريب أو عنصر أجنبي داخل لبنان. لكن الحزب هو جزء من الشعب اللبناني، وهذه نقطة كثيرًا ما يُساء فهمها.

فبعيدًا عن المقاتلين أنفسهم، كيف يمكن لعائلات جنوب لبنان أن تقول للدولة اللبنانية: "خذوا أسلحتنا"، فيما هم يشاهدون قراهم مدمّرة، ومنازلهم مخرّبة، وأراضيهم محتلة؟

س: هل يعزز هذا التوغل الإسرائيلي الجديد في جنوب لبنان قوة الحزب؟

ج: بالتأكيد. لكن من أجل نزع فتيل الأزمة في لبنان، لا يمكن فصلها عما يجري حاليًا في الخليج، وعن المواجهة بين إيران والولايات المتحدة. ولا يمكن عدم الدخول في حوار سياسي مع الحزب.

س: في مذكراتكم، تروون نصف قرن من الحياة السياسية، وخمسين عامًا من الحروب. هل حلمتم يومًا بحياة أخرى؟

لم أستطع أن أحلم بحياة أخرى، كان ذلك قدري. عرفنا فترات هدوء قبل عام 1975، قبل الحرب الأهلية. لكن اغتيال والدي عام 1977 لم يترك لي أي خيار. لقد قلب حياتي رأسًا على عقب، ثم جاءت الظروف لتلعب دورها أيضًا.

فالقوى الأجنبية، مثل إسرائيل وسوريا، إلى جانب القوى الكبرى، ساهمت في ترسيخ المنطق الطائفي داخل لبنان. لقد مررنا بحروب كثيرة جدًا…

س: أنتم تصفون هذا المصير العائلي، كما تصفون إحدى أكبر التناقضات اللبنانية: التطلع إلى الحداثة من جهة، وثقل الانتماء والتقاليد والإرث شبه الإقطاعي للعائلات والطوائف المختلفة من جهة أخرى

ج: لتجاوز هذا التناقض، كان ينبغي تحديث النظام السياسي، لكننا لم ننجح في ذلك.

هذا النظام السياسي الطائفي أُرسِي في عهد الإمبراطورية العثمانية، ثم كُرِّس مع قيام "لبنان الكبير" خلال الانتداب الفرنسي. وهذه هي مفارقتنا الكبرى. فنحن نجد أنفسنا أسرى طوائفنا، وفي الوقت نفسه نتطلع إلى لبنان جديد.

هذا ما كان يريده والدي، الذي جسّد اليسار العربي، لكنه لم يتمكن من الخروج من الفخ الطائفي. وأنا أيضًا لم أتمكن من ذلك.

س: لقد وُجهت إليكم انتقادات بسبب تبدّل تحالفاتكم بشكل متكرر، وبسبب استخدامكم أيضًا للأوراق الخارجية

ج: بعد اغتيال والدي على يد النظام السوري، كنت أمام خيارين: إما مغادرة البلاد إلى المنفى، أو البقاء. اخترت إعادة التواصل مع سوريا. وكنا في ذلك الوقت نحظى أيضًا بدعم السوفيات.

كان والدي قد أقام علاقة مع موسكو في ستينيات القرن الماضي، في مواجهة الأميركيين وإسرائيل. ويجب أن ندرك أن الحرب الباردة كانت عنصرًا أساسيًا في الديناميكيات التي حكمت لبنان. وقد فهمت ذلك بعد التأثير الكبير للنظام المصري على النظام السوري.

س: أنتم تروون سنوات الحرب، والمجازر أيضًا، ولا سيما خلال "حرب الجبل" عام 1983 بين الدروز والمسيحيين. هل تندمون على بعض صفحات تلك المرحلة؟

ج: الندم؟ لا أدري. في ذلك الوقت، كنت طرفًا فاعلًا على الأرض. ببساطة، لم أتمكن من منع بعض أعمال الحرب. كل الميليشيات اللبنانية ارتكبت مجازر. الحروب أمر رهيب، وعندما تنفلت الأحقاد، يصبح من المستحيل وقفها.

لقد كرّمت الضحايا المسيحيين الأبرياء الذين قُتلوا انتقامًا يوم اغتيال والدي، وهي صفحة سوداء في تاريخنا، وأنا مدرك لذلك تمام الإدراك.

س: هل ما زال بإمكان الفلسطينيين أن يأملوا بقيام دولة؟

ج: لا، لم يعد قيام دولة فلسطينية ممكنًا، وربما لن يكون ممكنًا أبدًا. فمنذ البداية، منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، كان الأمر شبه مستحيل.

بالنسبة للصهيونية، لا مكان لدولة فلسطينية، مهما كان قادة إسرائيل، من ديفيد بن غوريون إلى بنيامين نتنياهو مرورًا بشمعون بيريز.

س: إذًا أنتم متشائمون في هذا الشأن؟

ج: أنا واقعي. كانت هناك محاولة من الدول العربية، التي انخرطت فيما يُعرف بـ اتفاقات أبراهام. ما هي النقاط الأساسية في هذه الاتفاقات؟

السلام مقابل الأرض. لكن أين هي هذه الأرض؟

في كل مكان هناك مستوطنات يهودية. إنهم يتوسعون تقريبًا في كل الاتجاهات، ويستولون على ما تبقّى من هذه الأرض.

س: يبقى لبنان حالة خاصة في المنطقة…

ج: نعم. نحن لم نعش يومًا تحت نظام استبدادي أو بوليسي. كما أن للنظام الطائفي بعض الإيجابيات أيضًا.

فالطوائف، وإن كانت تتقاتل أحيانًا وتدخل في مجازر، إلا أن هناك نظامًا سياسيًا تعدديًا يدفعها أيضًا، أحيانًا، إلى احترام بعضها البعض.

لقد امتلكنا دائمًا صحافة حرة، وهناك هذا التنوع اللبناني الذي لا وجود له لدى جيراننا العرب.

س: أنتم تروون هذه القصة الطويلة والصعبة، خصوصًا في منطقة الجبل، معقلكم التاريخي، حيث يعيش الدروز والمسيحيون. مع ذاكرة مجازر عام 1860، ومجازر الحرب الأهلية، ولكن أيضًا صفحات أكثر هدوءًا وسلامًا. كيف هي اليوم العلاقة بين الطائفتين؟

ج: العداء لم يكن دائمًا قائمًا. لقد عرفنا أيضًا عصورًا ذهبية في علاقاتنا، وحتى تحالفات سياسية.

س: كانت والدتكم، التي كانت تقيم كثيرًا في باريس، امرأة شديدة الحداثة. هل أثّر ذلك في تربيتكم؟

ج: نشأت مع والدتي التي كانت علمانية جدًا وحديثة جدًا. كانت أكثر تقدمية من والدي، الذي كان مقيّدًا بدوره السياسي والاجتماعي. وفي الوقت نفسه، كانت تحمي المعقل العائلي.

س: كنتم تطمحون إلى إنهاء المحسوبيات والطائفية، لكن في الوقت نفسه، كان انتماؤكم الطائفي يشكّل عنصر حماية لكم. كيف يمكن للمجتمع اللبناني أن يتطور؟

ج: آمل أن يتعلم جميع الأطراف اللبنانيين دروس التاريخ. وعلى الرغم من كل التناقضات، يجب أن نركز على الوصول إلى وقف لإطلاق النار وانسحاب الجيش الإسرائيلي. ثم العمل على إنقاذ وحدة لبنان.

هذا بالنسبة إليّ هو التحدي الأكبر في السنوات المقبلة. يجب أن يبقى لبنان موحدًا، وأن يقاوم شيطان التقسيم إلى كيانات طائفية.

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : ايكو وطن-eccowatan