ما هكذا يُكرّم زياد
الرئيسية ثقافة / Ecco Watan
الكاتب : محرر الصفحة
May 13 26|08:33AM :نشر بتاريخ
كتبت غادة حداد في "الأخبار":
بعد أقل من عام على رحيل زياد الرحباني، تتواصل محاولات استعادة صورته عبر برامج وبودكاستات تنشغل بحياته الخاصة أكثر من إرثه الموسيقي. وبين إعادة تدوير الحكايات الشخصية وتضخيم السرديات التراجيدية، يتراجع حضور الموسيقى نفسها، فيما يبقى السؤال: كيف يُكرَّم زياد فعلاً، وبأي ذاكرة يُستعاد؟
بدأ مساء السبت الماضي عرض بودكاست «عالبال يا زياد» الذي تقدّمه الأخت مارانا سعد والإعلامي عماد دبور. وفي حلقته الأولى، حلّ الشاعر هنري زغيب ضيفاً، على أن يكشف، بحسب الإعلان، جوانب جديدة من حياة زياد الرحباني لم تظهر إلى العلن سابقاً.
على مدى ساعة كاملة، تحدّث زغيب بصفته العارف بخفايا شخصية زياد، معتبراً أن المحاورين «استنطقوه» وانتزعوا منه أموراً جديدة لم يسبق أن قالها، رغم أن معظم ما ورد كان قد صرّح به زياد بنفسه في مقابلات كثيرة. من لا يعرف زياد، قد يظن أنه أمام حلقة دسمة، لكن المتابع الحقيقي لن يجد أي جديد يُذكر، بل قد يُفاجأ بالتفاصيل الشخصية والعائلية التي طُرحت، فقد جزم بأنّ زياد لم يُحِب ولم يُحَب يوماً، وأنه كان شخصاً تعيساً.
قيل كل هذا في غياب الشخص المعني نفسه، وعدم قدرته على الدفاع عن نفسه أو توضيح ما قيل باسمه. طال الحديث علاقته بأهله، وبحبيباته، وحتى بابنه، وهي تفاصيل ليست ذات أهمية حين يكون الحديث عن موسيقي رحل قبل أقل من عام.
وهذه التفاصيل العائلية نفسها لا يحق أصلاً تداولها على الهواء من دون موافقة أصحابها، وإن كان قد سبق لزياد سرد بعضها في لقاءات عدة، فهذه تفاصيله هو، وليست لزغيب أو غيره لتصبح مادة للنقاش والتفاخر.
الأكثر استفزازاً كان الإصرار على فكرة أنّ زياد لم يكن يريد العلاج، وهذا غير دقيق، واستخدام زغيب تعبير «استقال من الحياة»، بما يعيد إنتاج السردية التي انتشرت عقب وفاته، والقائلة إنه «انتحر». ربما لأن هذا النوع من السرديات يبدو أكثر جاذبيةً للمشاهدين ويمنح المرض بعداً درامياً وتراجيدياً. إنها الخفة نفسها التي تتعامل مع الثائر بوصفه متمرداً حتى على الحياة ومحباً للموت، فيما الثائر، في جوهره، يبحث عن الجمال وعن الأفضل، لا لنفسه فقط، بل لمجتمع كامل ولأجيال تتجاوز الفردية، وهذا ما يشبه زياد أكثر.
في الإعلان عن ضيوف البرنامج القادمين، لم يظهر أيّ من المقرّبين فعلاً من زياد، وهم رفضوا الظهور في أي لقاء منذ وفاته. هذا الغياب لم يطرح أي تساؤل لدى معدّي البرنامج، مع أن امتناع المقرّبين عن الكلام قد يكون احتراماً لرغبة زياد نفسه في إبقاء حياته الخاصة وتفاصيله الشخصية بعيدة عن التداول، وهو حق لا يملك أحد مصادرته حتى بعد رحيله.
والأسوأ أنّ بعض ما قيل بدا منافياً لما صرّح به زياد نفسه سابقاً، مثل الادعاء بأن الأغاني التي غنّتها فيروز من ألحانه ما كانت لتنجح لو أدّتها مغنيات أخريات من فرقته، في حين أن التجربة أثبتت العكس، كما في ألبوم «مونودوز» لسلمى مصفي، الذي تحدّث عنه زياد بنفسه في أكثر من مقابلة.
كرّر زغيب وصف زياد بالعبقري والمبدع، ورفض وصفه بالكافر، مستشهداً بأنه كان يقول «الله يرحمه»، معتبراً ذلك دليلاً على إيمانه، بل ومنحه صفة «الراهب». غير أن كل هذه الأوصاف لا تعني الكثير لفنان حاول طوال حياته أن يجعل الناس تنصت إلى موسيقاه، بينما ظلّ كثيرون يكتفون بترداد نكاته ومقولاته الساخرة.
وقال هنري زغيب إنّ زياد الرحباني انتظر طويلاً حتى تغني فيروز من ألحانه، قبل أن يناقض نفسه لاحقاً بالإشارة إلى أن أغنية «سألوني الناس» لحنها زياد، بعدما أخذها منه عمه منصور الرحباني وغنّتها فيروز، يوم كان زياد لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره.
كان الأجدى ربما جمع مقاطع من مقابلات زياد الأصلية، بدل تقديم بودكاست كامل يقوم على إعادة تدوير الكلام عنه. عندها فقط، كان يمكن أن يكون العمل تكريماً فعلياً لزياد، لا مناسبة لإغراق اسمه بعبارات دائماً ما سخر منها زياد من نوع: «زياد متل عاصي، عايش فيه اللي مش هون»، أو «زياد جايي من البكرا وما في خوف يجي بكرا ما يكون فيه زياد».
يستحق زياد الرحباني التكريم، وكل يوم، لكنّ من يحبّ شخصاً حقاً، يختار أن يذكره بما أحبّه هو. فمن الأفضل أن نتذكّر زياد بما أحبّه فعلاً، الموسيقى. لنستمع إلى موسيقاه، ولنمنحه، ولو متأخرين، ما أمضى حياته محاولاً إقناع الجمهور به.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا