إيليا أبو ماضي… التفاؤل بوصفه مقاومةً للعبث

الرئيسية ثقافة / Ecco Watan

الكاتب : فاروق غانم خداج
May 18 26|00:18AM :نشر بتاريخ

 
كتب الباحث في الأدب والفكر الإنساني الكاتب اللبناني فاروق غانم خدّاج في إيكو وطن:

 

في تاريخ الشعر العربي الحديث، لا يبدو إيليا أبو ماضي مجرد شاعرٍ كتب عن الأمل والابتسام، بل أقرب إلى فيلسوفٍ حاول أن يواجه قلق الإنسان الحديث بلغة الشعر. فالرجل الذي عاش الفقر والغربة والتعب، لم يقدّم التفاؤل بوصفه زينةً لفظية أو وعظًا أخلاقيًا ساذجًا، بل بوصفه موقفًا وجوديًا في مواجهة الحزن والعبث والخوف. وربما لهذا السبب بقي شعره حيًّا في الذاكرة العربية، يتجاوز زمنه، ويخاطب أجيالًا متعاقبة وجدت في كلماته عزاءً نفسيًا وإنسانيًا.
وُلِد إيليا ضاهر أبو ماضي سنة 1889 في قرية المحيدثة في جبل لبنان، في مرحلةٍ كانت المنطقة العربية تعيش فيها تحولات سياسية وفكرية كبرى مع بدايات القرن العشرين. عاش طفولةً قاسية في بيئة ريفية فقيرة، واضطر إلى العمل مبكرًا، قبل أن يهاجر إلى مصر وهو في سنّ صغيرة. وهناك اشتغل في التجارة، وكان يقرأ النحو والأدب ليلًا، ثم اتجه تدريجيًا إلى الصحافة والشعر. وفي عام 1911 أصدر ديوانه الأول «تذكار الماضي»، الذي كشف مبكرًا عن شاعر يميل إلى التأمل الإنساني أكثر من ميله إلى الزخرفة اللفظية التقليدية.
لاحقًا، هاجر إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث انضم إلى الرابطة القلمية إلى جانب جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ونسيب عريضة، وهي الجماعة الأدبية التي لعبت دورًا بارزًا في تجديد اللغة الشعرية العربية وربطها بالأسئلة الإنسانية الكبرى. وقد تأثر أبو ماضي بأجواء المهجر الفكرية، خصوصًا في زمنٍ كانت فيه الإنسانية الخارجة من الحرب العالمية الأولى تعيد طرح أسئلة المعنى والحرية والمصير.
لهذا لم يكن غريبًا أن يبتعد شعره عن المديح السياسي والخطابة التقليدية، وأن يتجه بدلًا من ذلك إلى الإنسان نفسه: خوفه، ووحدته، وقلقه، وسعيه الدائم إلى الطمأنينة. ومن هنا جاءت فلسفته في التفاؤل. فهو لم يرَ التفاؤل إنكارًا للألم، بل محاولةً لحماية الإنسان من الانهيار الداخلي. لذلك اكتسب شعره صدقيته، لأن قارئه يشعر أن الشاعر يعرف الحزن جيدًا، لكنه يرفض أن يستسلم له.
ولعل أشهر ما يختصر رؤيته قوله:
“كن جميلًا ترَ الوجودَ جميلا”
وهو البيت الذي افتتح به قصيدته الشهيرة «أيها الشاكي وما بك داء»، حيث دعا الإنسان إلى التحرر من الاستسلام النفسي للتشاؤم. لقد كان يرى أن العالم يتلوّن بطريقة نظر الإنسان إليه، وأن النفس حين تمتلئ بالعتمة تفقد قدرتها على رؤية النور مهما كان حاضرًا حولها.
ومن أشهر نصوصه أيضًا المقطع الذي يقول فيه:
“قال السماءُ كئيبةٌ وتجهّما
قلتُ ابتسمْ يكفي التجهّمُ في السما”
هذا المقطع، الوارد ضمن قصيدة طويلة، لم يكن دعوة سطحية إلى الابتسام، بل تعبيرًا عن إيمانه بأن الإنسان يستطيع مقاومة الحزن الجماعي وعدم التحول إلى نسخة من الكآبة المحيطة به. وربما لهذا السبب ظل هذا النص حاضرًا في الذاكرة العربية حتى اليوم، لأن المجتمعات المرهقة بالحروب والانكسارات تبحث دائمًا عمّن يذكّرها بإمكانية النجاة النفسية.
غير أنّ صورة أبي ماضي كشاعر تفاؤل مطلق تبقى ناقصة إذا لم نلتفت إلى الوجه الآخر من تجربته: الحيرة الوجودية. ففي قصيدته الشهيرة «الطلاسم»، التي كتبها سنة 1926، يبدو شاعرًا قلقًا يواجه أسئلة الكون والمصير والموت والمعرفة، مفتتحًا النص بقوله:
“جئتُ لا أعلمُ من أينَ ولكني أتيتُ”
هنا لا يتحدث أبو ماضي كشاعر يملك أجوبة جاهزة، بل كإنسانٍ مرتبك أمام لغز الوجود. ولذلك رأى بعض النقاد أن تفاؤله لم يكن سذاجة فكرية، بل محاولةً للتعايش مع الأسئلة المستحيلة دون سقوط كامل في العدمية واليأس. وقد أشار ميخائيل نعيمة في قراءاته لأدب المهجر إلى أن شعراء هذه المرحلة لم يكونوا هاربين من الواقع، بل باحثين عن معنى أعمق للحياة الإنسانية.
كما احتلت الطبيعة مكانة مركزية في شعر أبي ماضي. فالطبيعة عنده ليست مجرد زينة شعرية، بل معلم أخلاقي وروحي. الأشجار والأنهار والطيور تتحول في قصائده إلى رموز للعطاء والتوازن والانسجام. ويتجلّى ذلك بوضوح في قصيدته الشهيرة «التينة الحمقاء»، حيث يروي قصة شجرة رفضت أن تمنح الناس ثمرها وظلّها، فكان مصيرها القطع والهلاك. ويقول فيها:
“ولَوْ بَغَتْ ظِلًّا على عابرٍ
لجادتِ الدنيا لها بالثمر”
ثم يختمها بالحكمة التي أصبحت من أشهر أبيات الشعر العربي الحديث:
“مَن ليسَ يسخو بما تسخو الحياةُ به
فإنّه أحمقٌ بالحرص ينتحرُ”
هنا تتحول القصيدة إلى رؤية أخلاقية كاملة ترى أن الحياة تقوم على العطاء والانفتاح، لا على الخوف والانغلاق والأنانية.
وقد ساعدت لغة أبي ماضي السلسة وموسيقاه العذبة على انتشار شعره بين الناس. فهو لم يكن شاعر التعقيد اللغوي، بل شاعر الفكرة الواضحة التي تصل إلى القارئ العادي والمثقف معًا. وربما لهذا بقي حضوره قويًا في المدارس والمنتديات والذاكرة الشعبية العربية، حتى بعد مرور عقود طويلة على رحيله.
توفي إيليا أبو ماضي سنة 1957 إثر نوبة قلبية في الولايات المتحدة، لكنه ترك تجربة شعرية ما تزال حاضرة بقوة في الثقافة العربية. واللافت أن حضوره اليوم يبدو أكثر راهنية في عالم عربي مثقل بالحروب والانقسامات والقلق الجماعي. فقصائده لا تزال تذكّر الإنسان بأن التفاؤل ليس تجاهلًا للمأساة، بل قدرة على الاستمرار رغمها.
لهذا لم يكن إيليا أبو ماضي شاعر ابتسامة عابرة، بل شاعرًا حاول أن يجعل من التفاؤل موقفًا أخلاقيًا وفلسفيًا في مواجهة العبث. وربما هنا تكمن قيمته الحقيقية: أنّه لم يعد القرّاء بعالمٍ مثالي، بل منحهم شيئًا أكثر واقعية وأهمية… القدرة على مواصلة الحياة دون أن تنطفئ أرواحهم.

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : ايكو وطن-eccowatan