أنيس فريحة في “اسمع يا رضا”: حدود التنوير الهادئ وإمكانات النقد غير المكتمل

الرئيسية ثقافة / Ecco Watan

الكاتب : فاروق غانم خداج
Jun 28 26|01:44AM :نشر بتاريخ

كتب الباحث في الأدب والفكر الإنساني الكاتب اللبناني فاروق غانم خداج  في إيكو وطن :

تتقدّم الكتابة النقدية الجادة حين تتجاوز حدود الشرح إلى مساءلة البنية، وحين تتحول من إعادة عرض الأفكار إلى اختبار قدرتها على الصمود أمام التفكيك. فالنصوص التي تبدو هادئة في ظاهرها كثيرًا ما تُخفي أسئلتها في ما لا تقوله بقدر ما تقوله.
في هذا السياق، يقدّم كتاب أنيس فريحة الصادر عن دار نوفل – بيروت (2013) نموذجًا لكتابة تقوم على التنوير الهادئ، لكنه في الوقت نفسه يفتح مساحة لقراءة نقدية تُضيء حدود هذا التنوير وإمكاناته غير المكتملة.
ومن هنا تأتي هذه القراءة بوصفها محاولة لفحص المسافة بين ما يقترحه الكتاب من وعي ثقافي، وما ينجح فعليًا في تحويله إلى أدوات نقدية مكتملة.
يعتمد أنيس فريحة صيغة الرسالة الفكرية الموجّهة إلى قارئ رمزي يُدعى “رضا”. هذا الاختيار لا يشتغل كإطار أسلوبي فقط، بل يُؤسّس لطبيعة العلاقة بين الكاتب والقارئ داخل النص: علاقة تُقدَّم في ظاهرها كحوار، لكنها عمليًا تميل إلى خطاب أحادي يُدار من جهة واحدة.
فـ”رضا” لا يتشكّل داخل النص كشخصية مستقلة، بل كبنية وظيفية تُعاد عبرها صياغة الأسئلة وتوجيه مسار التفكير. وبهذا المعنى، لا يُنتج النص حوارًا فعليًا، بل يوظّف الشكل الحواري كآلية تنظيم للخطاب أكثر مما هو فضاء لتعدّد الأصوات.
ينطلق فريحة من تصور واضح للغة بوصفها ذاكرة ثقافية حيّة. لذلك يُسند إلى الأمثال الشعبية والتعبيرات اليومية موقعًا مركزيًا داخل المخزون الثقافي، باعتبارها “حكمة متوارثة” و“مرآة للمجتمع” في آن واحد.
يمكن تدعيم هذا المنحى من خلال طريقة اشتغال الكتاب على الأمثال ذاتها، إذ تتبدّى بوصفها خلاصة خبرة جمعية جاهزة، تُقدَّم كدلالة مباشرة على وعي الجماعة، دون أن تُعامل كمادة قابلة للتفكيك داخل شبكة من العلاقات الاجتماعية أو الرمزية. بذلك تظل الأمثال أقرب إلى شذرات معنى مستقلة، لا إلى خطاب يمكن قراءته ضمن آلياته الداخلية.
غير أن هذا المستوى التوصيفي، رغم قيمته، لا ينفتح على تفكيك بنيوي لآليات اشتغال هذه الظواهر. فأسئلة من نوع: كيف تتحول الأمثال إلى أدوات لضبط السلوك الاجتماعي؟ وكيف تُسهم في إعادة إنتاج ما يبدو بديهيًا داخل الوعي العام؟ تبقى خارج مجال الاشتغال المباشر للنص.
في مقاربته للمجتمع، يشتغل فريحة بنبرة تأملية هادئة تتجنب المواجهة المباشرة. وهذه النبرة تمنح النص اتساقًا واضحًا، لكنها تُبقي الإشكالات عند مستوى الإشارة العامة، دون نقلها إلى مستوى تحليل يختبر بنيتها أو يفكك منطقها الداخلي.
وعلى مستوى البناء الفكري، تتكرر ثلاثية اللغة، المجتمع، والوعي الفردي بوصفها محورًا ثابتًا. غير أن هذه المحاور لا تتقدّم في مسار جدلي تصاعدي، بل تعود بصيغ متجاورة إلى الفكرة نفسها: ضرورة الإصغاء إلى ما تم تهميشه ثقافيًا. هذا يمنح النص تماسكًا، لكنه يحدّ من قدرته على إنتاج تفكير نقدي يتجاوز إعادة الصياغة.
مع ذلك، تتجلى أهمية الكتاب في كونه يشي أكثر مما يصرّح، ويضع القارئ أمام قلق ثقافي تجاه اللغة والذاكرة لا أمام نظرية مكتملة. فاللغة هنا ليست أداة محايدة، بل كيان قابل للتحول والاهتزاز، والكتابة تظهر بوصفها تنبيهًا أكثر منها بناءً منهجيًا.
لكن هذا الخيار نفسه يحدّد سقف المشروع:
النص الذي يدعو إلى مساءلة المسلّمات لا يكتفي بأنه أسير طريقة هادئة في إعادة إنتاجها، بل يعيد إنتاجها أحيانًا باسم نقدها، في مفارقة تجعل المسافة بين القول وما يفترض أنه يتجاوزه شبه معدومة.
وهكذا، يتبدّى “اسمع يا رضا” بوصفه عملًا يفتح أسئلة أكثر مما يُنجزها، ويترك مسافة واضحة بين ما يقترحه من وعي نقدي وبين الأدوات التي تسمح بتحقيقه فعليًا.
التوثيق
أنيس فريحة، اسمع يا رضا، بيروت: دار نوفل، 2013

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : ايكو وطن-eccowatan