البناء: شراء الوقت من هرمز إلى روما بين التصعيد والتفاوض والمسار اللبناني الإيراني

الرئيسية صاحبة الجلالة / Ecco Watan

الكاتب : محرر الصفحة
Jul 16 26|06:37AM :نشر بتاريخ

لا يبدو أن أحداث الأيام الأخيرة تسمح بقراءة مضيق هرمز ومفاوضات روما كملفين منفصلين. ففي الحالتين، تبدو السياسة الأميركية محكومة بالمعادلة نفسها: تصعيد عسكري لا يبلغ حد الحسم، وإبقاء باب التفاوض مفتوحاً من دون التوصل إلى تسوية نهائية. والنتيجة هي إدارة للوقت أكثر منها إدارة للحلول، بانتظار أن تتبلور صورة المواجهة مع إيران، ويتحدد أي الخيارين ستكون له الغلبة داخل إدارة الرئيس دونالد ترامب: خيار فرض الوقائع بالقوة، أم خيار العودة إلى التفاهمات.

في هرمز، خاضت واشنطن خلال الأسبوع الأخير أول اختبار عملي لاستراتيجيتها الجديدة. فقد كان الرهان أن تؤدي الضربات العسكرية والحماية البحرية والجوية المكثفة إلى إعادة الثقة بحركة الملاحة، وأن تثبت للأسواق أن إيران فقدت قدرتها على التأثير في أهم ممر نفطي في العالم. لكن الأرقام التي نشرتها شركات تتبع السفن جاءت أقل بكثير من التوقعات. وخلال الأسبوع الممتد بين الثامن والخامس عشر من تموز، لم ينجح الممر الأميركي في تأمين عبور أكثر من ثمانية ملايين برميل من النفط غير الإيراني، أي بمعدل يقارب مليون برميل يومياً، مقارنة بما يقارب عشرين مليون برميل يومياً كانت تعبر المضيق في الظروف الطبيعية. وبقيت شركات الشحن تتعامل مع المنطقة باعتبارها منطقة عالية المخاطر، فيما لامس خام برنت نحو 86 دولاراً للبرميل، في إشارة واضحة إلى أن السوق لم تمنح الثقة التي كانت واشنطن تسعى إلى شرائها بالقوة العسكرية.

وهذا يعني أن المرحلة الأولى من الخطة الأميركية لم تحقق هدفها السياسي، رغم نجاحها في إثبات التفوق العسكري. لكن السيطرة على البحر شيء، وإقناع شركات التأمين والملاحة بالعودة إلى العمل الطبيعي شيء آخر. ومن هنا، عاد النقاش داخل واشنطن حول البدائل، خصوصاً أن الانتقال إلى عمل بري يستهدف السواحل والجزر الإيرانية المشرفة على المضيق يعني حرب استنزاف قد تمتد أشهراً، تترافق مع استمرار تعطيل الملاحة وارتفاع الكلفة الاقتصادية على العالم. أما مواصلة الضربات الجوية والبحرية بالوتيرة الحالية، فلا تبدو قادرة على إنتاج نتائج مختلفة عن تلك التي ظهرت خلال الأسبوع الأول. ويبقى الخيار الثالث، وهو إعادة فتح قنوات التفاوض مع طهران لإحياء مذكرة التفاهم وإعادة فتح المضيق بتفاهم سياسي لا بفرض عسكري.

في هذا السياق، تبدو روما امتداداً لهرمز أكثر مما تبدو مساراً لبنانياً مستقلاً، حيث حملت الجولة الأخيرة من المفاوضات الكثير من العناوين، لكنها خرجت بقليل من الوقائع. فالحديث عن «المناطق التجريبية» بقي إطاراً نظرياً، من دون إعلان خرائط أو جداول زمنية أو آليات تنفيذ واضحة. واللافت أن الصحافة الإسرائيلية نفسها تحدّثت عن غموض يلف هذا المسار، وعن استمرار الخلاف حول نقطة البداية: هل يبدأ التنفيذ بانسحاب إسرائيلي يتيح للجيش اللبناني الانتشار، أم تبدأ الاختبارات الأمنية أولاً ثم يأتي الانسحاب لاحقاً؟ وهو خلاف لم تفلح جولة روما في حسمه. حيث رأت «هآرتس» أن مفاوضات روما ليست مفاوضات سلام، بل آلية لإدارة تنفيذ «المناطق التجريبية»، وأن الخلاف الحقيقي ما زال قائماً حول ترتيب الانسحاب الإسرائيلي ونزع سلاح حزب الله. كما تشير إلى أن واشنطن تضغط لتسجيل تقدم، بينما لا تزال «إسرائيل» متحفظة على تقديم تنازلات واسعة.

وتكمن المشكلة في أن أي تنفيذ للصيغة المتداولة يحمل أثماناً سياسية كبيرة داخل لبنان، بينما يؤدي عدم التنفيذ إلى إفراغ الاتفاق من مضمونه. ولذلك، يبدو أن الخيار العملي الذي يتجه إليه الوسطاء هو إبقاء المفاوضات قائمة، مع تأجيل القرارات الكبرى. كلام كبير عن التقدم، يقابله تنفيذ محدود، بما يمنع انهيار المسار، ويتيح شراء الوقت حتى تتضح الاتجاهات الإقليمية.

داخل إدارة ترامب، لا تبدو هذه المعادلة بعيدة عن النقاش الدائر حول مستقبل السياسة الأميركية. فتعثر الرهان على الحسم السريع في هرمز أضعف موقع دعاة التصعيد، وفي مقدمهم وزير الخارجية ماركو روبيو، ولا سيما بعد غياب السيناتور ليندسي غراهام الذي شكل طوال الأشهر الماضية أحد أبرز الداعمين السياسيين لخيار الضغط الأقصى. وفي المقابل، عاد التيار الداعي إلى الجمع بين الردع والتفاوض، والذي يمثله نائب الرئيس جي دي فانس، ليستعيد حضوره في النقاش الداخلي.

وهكذا، من هرمز إلى روما، تبدو الصورة واحدة: لا حرب تحسم، ولا تفاوض ينضج، بل مرحلة انتقالية عنوانها شراء الوقت. أما السؤال الحقيقي، فلم يعد يتعلق بالمناطق التجريبية أو بحرية الملاحة وحدهما، بل بالقرار الذي لم يُتخذ بعد في واشنطن: هل تكون الأولوية لاستكمال المواجهة مع إيران، أم لإحياء التفاهم معها؟ وحتى يصدر هذا القرار، سيبقى التصعيد قائماً، وستبقى قنوات التفاوض مفتوحة، وسيظل الملف اللبناني يدور في حلقة الانتظار.

اختُتمت في العاصمة الإيطالية روما الجولة السادسة من المفاوضات غير المباشرة بين لبنان و»إسرائيل»، بوساطة أميركية، بعدما استمرّت يومين وتناولت ملفات تتصل بترتيبات الوضع في جنوب لبنان وآليات تنفيذ اتفاق الإطار. ومع انتهاء الاجتماعات، انتقل مسار التفاوض إلى مرحلة جديدة يُفترض أن تُستكمل عبر اجتماعات تقنية وعسكرية، فيما لا تزال القضايا الأساسية موضع بحث ولم تُحسم بصورة نهائية.

وتشير المعطيات إلى أن النقاشات تناولت آليات الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، والمناطق التجريبية، إلى جانب ملف التحقق والإشراف على تنفيذ الالتزامات، وهي ملفات ترتبط باعتبارات أمنية وقانونية وسيادية معقدة. ومن المنتظر أن تتواصل المباحثات على المستوى العسكري والتقني خلال الأيام المقبلة، في إطار استكمال البحث في هذه القضايا، من دون أن يعني ذلك التوصل إلى اتفاق نهائي بشأنها.

في موازاة اختتام جولة روما، أعلن الجيش تنفيذ دوريات ميدانية وإقامة حواجز في بلدات فرون، والغندورية، وقلاويه، وبرج قلاويه، وكفردونين، في خطوة تعكس استمرار حضوره الميداني في هذه المناطق وقدرته على تنفيذ مهماته الأمنية والعملياتية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية في ضوء المعلومات التي تشير إلى أن عددًا من هذه البلدات يندرج ضمن المناطق المطروحة للمرحلة التجريبية. ويعني ذلك أن الجيش اللبناني لم يكن غائبًا عن هذه المناطق بانتظار بدء تنفيذ التفاهمات، بل كان حاضرًا فيها وينفذ دوريات وإجراءات أمنية بصورة اعتيادية، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة الإضافة التي ستقدمها الآلية الجديدة على مستوى الانتشار الميداني.

وفي هذا السياق، تبرز مخاوف من أن تتحول المرحلة التجريبية إلى اختبار يركز بصورة أساسية على أداء الجيش اللبناني، إذا لم تترافق مع خطوات إسرائيلية ملموسة، وفي مقدّمها الانسحاب من مناطق لا تزال خاضعة لسيطرتها. فإذا انحصر التنفيذ في مناطق ينتشر فيها الجيش اللبناني أصلًا، فقد يصبح معيار نجاح المرحلة مرتبطًا بقدرة الجيش على تثبيت الأمن ومنع أي نشاط مسلح، أكثر من ارتباطه بتنفيذ مبدأ الانسحاب الإسرائيلي المتزامن مع انتشار مؤسسات الدولة.

ومن هنا، يُفسَّر إصرار الوفد اللبنانيّ، وفق المعطيات المتداولة، على أن تشمل المرحلة الأولى منطقة تقع تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة، بحيث يقترن أي تعزيز لانتشار الجيش اللبناني بانسحاب إسرائيلي واضح ومتزامن، بما ينسجم مع مبدأ التنفيذ المتبادل الذي يقوم عليه إطار المفاوضات.

وجدّدت بلدية فرون رفضها وأهالي البلدة بشكل تام، «ما يُسمّى بالمناطق التجريبية لما يمثله هذا الطرح من خدمة للعدو عبر إطالة وجوده في الأراضي اللبنانية وإحداث شرخ بين الجيش الوطني وشعبه»، مؤكدة وقوفها «خلف مواقف الثنائي الوطني وكل الشرفاء في هذا الوطن، والتمسك بكل ما يجمع اللبنانيين حول القضايا الوطنية المصيرية وفي مقدّمها تحرير ما تبقى من الأراضي اللبنانية والحفاظ على الوحدة الوطنية».

وأكد رئيس الجمهورية جوزاف عون أنّ «صيغة الإطار أفضل الممكن، وبدأت تعطي مفاعيلها»، لافتاً إلى أنّ «واشنطن باتت تصغي إلينا، وملف لبنان على طاولة الرئيس الأميركي». موقف عون جاء خلال استقباله وفداً من اللقاء «الأرثوذكسي»، حيث أكد أنّ «أهدافنا واضحة، ولن نتساهل في ما خص حقوق لبنان»، مشيراً إلى أنّ «حق الاختلاف مشروع وليس الخلاف، والحوار بين اللبنانيين يكون تحت سقف المصلحة الوطنية وليس لتغليب المصالح الشخصية». عون قال إنّ «الحقد لا يبني دولة أو مؤسسات، بل يدمر، وعلى اللبنانيين أن يختاروا ما ينقذ وطنهم ويحميه من أطماع الآخرين»، وأشار إلى أنّ «الطريق ليست معبدة وفيها صعوبات، لكن الأمل كبير بتحقيق نتائج تنهي حمام الدم».

واعتبر عضو كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب حسن فضل الله أن السلطة الحالية تلتزم، وفق تعبيره، برنامجًا يهدف إلى إضعاف المقاومة ونزع سلاحها، واصفًا الاتفاق المطروح بأنه «أسوأ اتفاق في تاريخ الدول»، لأنه يصب في مصلحة «إسرائيل» ولا يتضمن أي ضمانة لانسحابها من الأراضي اللبنانية. ورأى أن الاتفاق غير قابل للتطبيق، معتبرًا أنه منح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فرصة للتنصل من الضغوط، ومؤكدًا أن شعار حصرية السلاح يُطرح استجابة لضغوط خارجية لا لبناء دولة قوية.

وأشار إلى أن «إسرائيل» كانت تخطط مسبقًا للاعتداء على جنوب لبنان، مؤكدًا أن حزب الله سيواصل العمل من أجل انسحاب «إسرائيل»، ووقف الاعتداءات، وعودة الأهالي، وإعادة الإعمار. وفي ملف النازحين، شدّد على أن الحزب يضع كل إمكاناته في خدمة أبناء الجنوب، معتبرًا أن إعادة الإعمار وعودة الأهالي من أولوياته، إلى جانب مسؤولية الدولة في هذا الملف.

ودعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب إسرائيل إلى إعادة انتشار قواتها في لبنان، معتبرًا أن هذه الخطوة ستتيح لها التركيز على ما وصفه بـ»القضيّة الكبرى»، وهي إيران. وفي سياق حديثه عن «حزب الله»، اعتبر ترامب أن الرئيس السوري أحمد الشرع قادر على التعامل مع هذا الملف بأسلوب مختلف عن النهج الإسرائيلي، قائلًا إنه «سيفعل ذلك بطريقة مختلفة، ولن يهدم المباني».

على خط آخر، أقرّ مجلس النّواب فتح اعتمادٍ إضافيّ لتمويل منح العسكريّين وموظّفي القطاع العام، بما يعادل «ستّة رواتب إضافيّة»، على أن تُصرف بمفعولٍ رجعيّ اعتبارًا من الأوّل من آذار. وأقرّ المجلس اقتراح القانون الرّامي إلى إخضاع المتعاقدين في وزارة الإعلام لشرعة التّقاعد، بعد تعديله والتّصويت عليه بالمناداة، إذ نال تأييد 61 نائبًا، في مقابل معارضة 30 نائبًا.

وكان هذا البند قد أثار خلافًا واسعًا بين نوّاب كتلة «التّنمية والتّحرير» وعددٍ من نوّاب التّغيير وحزب «الكتائب اللّبنانيّة»، بعدما طالب عشرات النّواب بإجراء التّصويت بالمناداة، في حين كان رئيس المجلس النيابي نبيه برّي قد أعلن إقرار البند وانتقل إلى مناقشة البند التّالي. كذلك أقرّ المجلس اقتراح القانون الرّامي إلى إعادة عناصر ورتباء سبق أن سُرّحوا من الضّابطة الجمركيّة، إضافةً إلى اقتراح تعديل القانون رقم 659، الصّادر بتاريخ 5 شباط 2005، والمتعلّق بحماية المستهلك وتعديلاته.

وأقرّ المجلس أيضًا اقتراح القانون الرّامي إلى تعديل فقرةٍ في قانون منح المتضرّرين إعفاءات، فيما أعاد اقتراح القانون الرّامي إلى تعديل الفقرة «ب» من المادّة 37 من القانون رقم 367، الصّادر في الأوّل من آب 1994، والمتعلّق بمزاولة مهنة الصّيدلة، إلى اللّجان المشتركة. كما أقرّ النّوّاب اقتراح القانون الرّامي إلى تعليق المهل القانونيّة والقضائيّة والعقديّة.

وأقرّ مجلس النّواب مشروع القانون المعجّل المكرّر القاضي بإلغاء امتحانات الشّهادات الثّانويّة الرّسميّة والامتحانات المهنيّة، باستثناء الطّلّاب المتقدّمين بطلباتٍ حرّة. وجاء إقرار المشروع بعد مناقشةٍ استمرّت نحو خمسين دقيقة، وشهدت مواجهةً بين عددٍ من النّواب ووزيرة التّربية ريما كرامي، على خلفيّة المواقف الصّادرة عن الوزارة وطريقة معالجة ملفّ الامتحانات الرّسميّة. وفي هذا السّياق، رأى نائب رئيس مجلس النّواب إلياس بو صعب أنّ ما يصدر عن وزارة التّربية، ولا سيّما اتّهام الوزيرة بعض النّواب بـ»الغوغائيّين»، أمرٌ غير مقبول، مؤكّدًا أنّ النّواب يحاولون التّخفيف من معاناة المواطنين.

وحظي البند الأخير بأهمّيّةٍ خاصّة، لارتباطه بمشروع قانون العفو العامّ، وهو أحد أكثر البنود إثارةً للخلاف. وعلى الرّغم من تركه إلى نهاية الجلسة، بدأ السّجال بشأنه بين النّواب قبل انعقادها، ولا سيّما في ظلّ ربطه بمشروع استبدال عقوبة الإعدام. وفي مستهلّ الجلسة، طلب النّائب جورج عدوان الكلام، داعيًا رئيس المجلس إلى تأجيل البحث في قانون استبدال عقوبة الإعدام إلى جلسةٍ تشريعيّة أخرى تُعقد بعد شهر.

وقال عدوان: «البعض يحاول أن يربط قانون استبدال عقوبة الإعدام بقانون العفو العامّ، بهدف تعطيل الأخير». وشدّد عدوان على أنّ تكتّل «الجمهوريّة القويّة» يؤيّد قانون العفو العامّ، قائلًا: «سنقوم بكلّ شيءٍ لتسهيل إقراره، وعلينا إقراره اليوم، ومن الخطأ تأخيره». من جهته، أكّد بو صعب عدم وجود نيّة سيّئة لدى أيّ طرف لعرقلة قانون إلغاء عقوبة الإعدام أو القوانين الأخرى، مشدّدًا على ضرورة ألّا ينعكس هذا القانون سلبًا على إقرار العفو العامّ. أمّا النّائب بلال الحشيمي، فأكّد الإصرار على إلغاء كلمة «المشدّد» من قانون إلغاء عقوبة الإعدام، لافتًا إلى أنّ الأجواء إيجابيّة مع نوّاب «القوّات اللّبنانيّة»، الّذين سيكونون إلى جانب المؤيّدين لقانون العفو العامّ. من جانبه، قال النّائب نبيل بدر: «نشارك في الجلسة التّشريعيّة اليوم لتصويب الخلل وتعديل قانون إلغاء الإعدام، الّذي انعكس على قانون العفو العامّ».

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : البناء