مشقة أن تكون كاتباً: حين يتحول الحبر إلى امتحان وجودي

الرئيسية مقالات / Ecco Watan

الكاتب : فاروق غانم خداج
Jul 27 26|09:54AM :نشر بتاريخ

كتب الباحث في الأدب والفكر الإنساني الكاتب اللبناني فاروق غانم خداج في إيكو وطن:
 

هناك كتب لا تقرأها فقط، بل تشعر أنها تقرأك. وهذا ما حدث لي مع كتاب فاطمة سلطان المزروعي «مشقة أن تكون كاتباً» الصادر عن دار «نبطي للنشر» في 144 صفحة. فتحته في ليلة لم أخطط فيها للقراءة؛ كنت أبحث عن استراحة قصيرة بعد يوم طويل، لكنني وجدتني أتابع صفحاته حتى وقت متأخر، لأن الكتاب لم يتحدث عن الكاتب بوصفه شخصاً يمارس مهنة، بل بوصفه إنساناً يحمل أسئلة داخلية ومسؤولية لا يراها الآخرون.

فالكاتب، قبل أن يكون صاحب كتب منشورة، هو إنسان يقف طويلاً أمام سؤال الجملة الأولى: ماذا أكتب؟ ولماذا أكتب؟ وهل يستحق ما أكتبه أن يصل إلى الآخرين؟

ومن هنا تأتي أهمية كتاب المزروعي؛ فهو لا يقدم وصفة جاهزة للنجاح في الكتابة، ولا يحاول اختصار الطريق أمام المبتدئين، بل يدخل إلى المنطقة الأكثر حساسية: الثمن الذي يدفعه الإنسان حين يختار أن يجعل من الكلمات طريقاً لحياته.

الكتابة: مسؤولية تتجاوز الهواية

تنطلق فاطمة سلطان المزروعي من فكرة أساسية: ما قد يراه البعض فرصة للترويح عن النفس، يتحول عند الكاتب الحقيقي إلى مسؤولية ملازمة له. فالكتابة ليست نشاطاً جانبياً يختاره الإنسان متى شاء، بل علاقة مستمرة مع الذات والعالم.

ولهذا فإن تجربة الكاتب لا تقوم على امتلاك الموهبة فقط، بل على القدرة على الاستمرار أمام الأسئلة والشكوك ومحاولات الوصول إلى المعنى.

وقد عرف تاريخ الأدب تجارب كثيرة تحولت فيها الصراعات الإنسانية إلى طاقة إبداعية. فلم تكن الكتابة عند كبار المبدعين مجرد إنتاج نصوص، بل محاولة لفهم الإنسان وتعقيداته.

لكن قيمة المزروعي أنها لا تقدم مشقة الكتابة بوصفها بطولة رومانسية، بل بوصفها جزءاً من طبيعة الطريق الإبداعي.

كتاب واحد من مقالات متعددة ورؤية متماسكة

اختارت المزروعي أن تبني كتابها من مقالات كتبت في مراحل مختلفة، ويضم نحو سبعين مقالة تتناول شؤون الكتابة والثقافة ودور الكاتب.

وقد يبدو جمع المقالات الصحفية في كتاب مخاطرة؛ لأن بعض هذه الأعمال يفقد وحدته بعد انتقاله من الصحيفة إلى الكتاب. غير أن «مشقة أن تكون كاتباً» يتجاوز هذا التحدي، لأن الرابط بين نصوصه ليس مجرد الموضوع، بل سؤال مركزي: كيف يعيش الكاتب علاقته بالكلمة والقارئ والمجتمع؟

فالكتاب لا يقدم مقالات منفصلة، بل رحلة فكرية تبدأ من تجربة الكاتب الفردية، وتمتد إلى قضايا الثقافة وصناعة الكتاب.

الكاتب بوصفه صاحب رسالة معرفية

من الجوانب اللافتة في الكتاب أن المزروعي لا تحصر الكتابة في إنتاج النصوص الأدبية فقط، بل تربطها بالمعرفة والحضارة.

ففي مقالها «أثر الكتابة على البشرية ووظيفة الكاتب» تتجاوز الحديث عن القلم بوصفه أداة شخصية، لتبحث في دور الكتابة في حفظ المعرفة وصناعة الوعي. فالكاتب لا يضيف كتاباً جديداً إلى المكتبة فقط، بل يشارك في تشكيل طريقة الإنسان في رؤية نفسه والعالم.

ولهذا ينفتح الكتاب على الأدب والفلسفة والعلم، مستحضراً تجارب عدد من المفكرين والكتاب، في تأكيد واضح أن المبدع الحقيقي لا يعيش في عزلة، بل ينمو داخل فضاء معرفي واسع.

الكاتب والناشر: شراكة لا تنتهي عند الطباعة

من أكثر القضايا حضوراً في الكتاب حديث المزروعي عن العلاقة بين الكاتب ودور النشر، وهي تنتقل هنا من جماليات الكتابة إلى واقع صناعة الكتاب العربي.

فالعمل لا ينتهي عند لحظة الطباعة؛ إذ تبدأ بعد ذلك أسئلة أكثر صعوبة: كيف يصل الكتاب إلى القارئ؟ أين يباع؟ ما حجم انتشاره؟ وهل يعرف المؤلف مصير عمله؟

ترى المزروعي أن الكاتب ليس مجرد صاحب مخطوط يسلمه ثم تنتهي علاقته بالكتاب، بل هو شريك في العملية الثقافية. فالشفافية في التوزيع والتسويق ومعرفة نتائج البيع ليست مطالب ثانوية، بل جزء من احترام صاحب المشروع الإبداعي.

ومن هنا يأتي نقدها لتحميل الكاتب وحده مسؤولية الترويج لكتابه؛ لأن صناعة الكتاب مسؤولية مشتركة بين المؤلف والناشر، ولا يمكن لكتاب جيد أن يصل إلى مكانه الطبيعي من دون بيئة نشر قادرة على تقديمه للقارئ.

«لصوص المعرفة»: سرقة الفكرة قبل سرقة النص

من الموضوعات اللافتة في الكتاب تناول المزروعي قضية «لصوص المعرفة».

وهي لا تقصد فقط من ينسخ نصاً حرفياً وينسبه إلى نفسه، بل تشير إلى شكل أكثر خفاءً، يتمثل في الاستيلاء على جوهر الفكرة وإعادة تقديمها بثوب جديد.

وهذه القضية تمس الكاتب في أعمق ما يملك؛ لأن الفكرة ليست معلومة عابرة، بل ثمرة تجربة وقراءة وتأمل طويل.

لكن معالجة هذه المشكلة لا تكون بتحويل الكاتب إلى شخص منشغل دائماً بمراقبة الآخرين، لأن المبدع الذي يستنزف طاقته في مطاردة السرقات والتشابهات قد يفقد جزءاً من طاقته الخلاقة. لذلك تكمن الحماية الحقيقية في الوعي بقيمة الفكرة، والاستمرار في إنتاج المعرفة، لا في العيش داخل دائرة الشك الدائم.

المرأة والكتابة: حين تواجه الموهبة عوائق إضافية

يتوقف الكتاب عند تجربة المرأة الكاتبة، وهي قضية تحتاج إلى قراءة متوازنة بعيداً عن الشعارات.

فالمشكلة ليست في غياب الموهبة، بل في تراكم ظروف اجتماعية وأسرية ومادية قد تجعل استمرار المرأة في مشروعها الإبداعي أكثر صعوبة.

وتشير المزروعي إلى أن كثيراً من الكاتبات يمتلكن القدرة على التعبير والإبداع، لكن الطريق أمامهن قد يكون أكثر تعقيداً بسبب المسؤوليات والقيود المحيطة.

اللغة: جسر بين الكاتب والقارئ

تنتقد المزروعي النزعة إلى استخدام اللغة الصعبة لمجرد إظهار المعرفة.

وهنا تطرح سؤالاً أساسياً: هل يكتب الإنسان لكي يستعرض قدرته اللغوية، أم لكي يصل إلى الإنسان؟

فاللغة الجميلة ليست بالضرورة لغة معقدة، والكاتب الحقيقي هو من يستطيع أن يقدم فكرة عميقة بلغة واضحة. فالكلمة ليست زينة منفصلة عن المعنى، بل وسيلة للوصول إليه.

وهذا ما تؤكد عليه المزروعي في دعوتها إلى أن تكون اللغة جسراً بين الكاتب والقارئ، لا حاجزاً يفصل بينهما؛ فالقيمة ليست في غرابة المفردة، بل في قدرتها على حمل الفكرة وإيصال أثرها.

بين استقلال الكاتب والحماية المؤسسية

هنا يأتي أحد مواضع الاختلاف بيني وبين الكتاب.

تدعو المزروعي إلى أن تصبح الكتابة وظيفة تدعمها جهة رسمية، وهي فكرة يمكن فهم دوافعها الإنسانية، خصوصاً في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها كثير من الكتاب.

لكنني أتحفظ عليها؛ لأن استقلال الكاتب جزء من قيمته، وأخشى أن يتحول الدعم المؤسسي، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال الوصاية.

الأفضل ليس تحويل الكاتب إلى موظف، بل بناء بيئة ثقافية عادلة تحمي حقوقه، وتوفر له فرصاً حقيقية، وتضمن علاقة متوازنة بينه وبين المؤسسات الثقافية.

المعاناة والإبداع: سؤال مفتوح

يطرح الكتاب سؤالاً مهماً حول العلاقة بين الألم والإبداع.

تتحفظ المزروعي على مقولة «من رحم المعاناة يولد الإبداع»، وترى أن الإبداع لا يرتبط بظرف واحد أو تجربة محددة.

لكن التاريخ الأدبي يقدم لنا وجهاً آخر من المسألة؛ فالمعاناة ليست شرطاً وحيداً للإبداع، لكنها كانت في تجارب كثيرة مصدراً للأسئلة الكبرى التي صنعت أعمالاً خالدة.

فديستويفسكي، مثلاً، لم تكن تجاربه القاسية مجرد أحداث عابرة في حياته، بل تحولت إلى أسئلة إنسانية عميقة حول العدالة والخير والشر والحرية، وأصبحت جزءاً من عالمه الروائي.

المسألة إذن ليست أن الألم يصنع الكاتب وحده، بل أن قدرة المبدع على تحويل تجربته إلى معنى هي ما يصنع الفرق.

في النهاية: كتاب عن الإنسان الذي يقف خلف القلم

أغلقت «مشقة أن تكون كاتباً» وأنا أشعر أنني لم أقرأ كتاباً عن المهنة فقط، بل عن الإنسان الذي يقف خلفها.

إنه كتاب يذكّر الكاتب بأن القلق جزء من الطريق، وأن الصعوبة ليست دائماً علامة فشل، بل قد تكون دليلاً على أهمية الأسئلة التي يحملها.

فمشقة أن تكون كاتباً ليست في حمل القلم فقط، بل في حمل الأسئلة والمسؤوليات والعالم الذي يأتي معه.

ولهذا يبقى كتاب فاطمة سلطان المزروعي، قبل أن يكون حديثاً عن الكتابة، حديثاً عن الإنسان الذي اختار أن يجعل من الكلمات طريقاً لفهم نفسه والعالم.

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : ايكو وطن-eccowatan