مصانع التكنولوجيا تعيد رسم خريطة النمو الصيني

الرئيسية اقتصاد / Ecco Watan
الكاتب : المحرر الاقتصادي
Jul 28 26|15:25PM :نشر بتاريخ
تكشف خريطة النمو الإقليمي في الصين، خلال النصف الأول من 2026، عن اقتصاد يتحرك بسرعتين متباينتين: أقاليم اندفعت إلى الأمام بفضل الرقائق الإلكترونية والسيارات الكهربائية والروبوتات والذكاء الاصطناعي، وأخرى ظلت عالقة في تباطؤ العقارات والصناعات التقليدية وضعف الاستهلاك.
هذا التفاوت لا يعكس مجرد اختلاف عابر بين المقاطعات؛ بل يوضح عمق التحول الذي يشهده ثاني أكبر اقتصاد في العالم. فبينما واصلت المصانع المتقدمة والصادرات دعم النشاط، بقي الطلب المحلي هشاً، وهو ما يعقِّد جهود بكين لمعالجة الاختلال الذي يصفه صناع السياسات بأنه «قوة في العرض وضعف في الطلب».
وتباطأ نمو الاقتصاد الصيني إلى 4.7 في المائة خلال النصف الأول من العام، مقارنة بـ5 في المائة في 2025. ومع ذلك، نجحت مقاطعات ومراكز اقتصادية بارزة -من بينها غوانغدونغ وتشجيانغ وشنغهاي وآنهوي وشاندونغ- في تسريع وتيرة نموها، مستفيدة من تركُّز الصناعات المتقدمة والصادرات ذات القيمة المضافة المرتفعة.
ومن بين 31 اقتصاداً إقليمياً في البر الرئيسي للصين، تجاوزت 15 مقاطعة ومركزاً إدارياً معدل النمو الوطني، بينما جاءت 16 دونه. وتصدرت تشجيانغ القائمة بنمو بلغ 5.7 في المائة، تلتها شاندونغ وآنهوي وشنغهاي بنسبة 5.6 في المائة لكل منها، بدعم من أشباه الموصلات والسيارات الكهربائية والروبوتات والذكاء الاصطناعي.
في المقابل، كانت المقاطعات الأكثر اعتماداً على العقارات والفحم والصناعات القديمة بين الأضعف أداءً. فقد تباطأ النمو إلى 2.7 في المائة في هونان، و2.4 في المائة في جيلين، و2.1 في المائة في شانشي، و2.5 في المائة في لياونينغ.
وقال تشاوبنغ شينغ، كبير استراتيجيي الصين لدى بنك «إيه إن زد»، إن تفاوت معدلات النمو يعكس اختلاف اعتماد المقاطعات على المحركات القديمة والجديدة، موضحاً أن المناطق المنكشفة بدرجة أكبر على القطاعات التقليدية تنمو عموماً بوتيرة أبطأ من الأقاليم التي بنت قاعدة قوية لاقتصاد التكنولوجيا.
وكانت آنهوي المثال الأبرز على صعود الأقاليم الصناعية الجديدة. فقد تجاوزت هونان وعادت إلى قائمة أكبر 10 اقتصادات إقليمية في الصين، بعدما ارتفع ناتجها المحلي خلال النصف الأول إلى 2.74 تريليون يوان، بما يعادل نحو 404.9 مليار دولار. وقاد هذا الصعود قطاعا السيارات الكهربائية والإلكترونيات، فقد قفز الإنتاج الصناعي في الصناعات عالية التقنية بنسبة 44.6 في المائة، وارتفع إنتاج السيارات 29 في المائة، بينما زاد إنتاج مركبات الطاقة الجديدة 20.6 في المائة، والروبوتات الصناعية 16.2 في المائة.
كما قفزت صادرات آنهوي 37.6 في المائة، وارتفعت صادرات التكنولوجيا المتقدمة 78.3 في المائة، بينما تضاعفت صادرات السيارات بأكثر من مرتين. وساعد هذا الأداء على تعويض هبوط الاستثمار العقاري بنسبة 33.7 في المائة، وضعف مبيعات التجزئة التي لم تنمُ سوى 1.6 في المائة.
وتوضح هذه الأرقام أن التكنولوجيا أصبحت قادرة على دفع النمو، ولكنها لم تنجح بعد في إنعاش الطلب المحلي بالسرعة نفسها. فحتى في أغنى 10 أقاليم صينية، تجاوز نمو مبيعات السلع بالتجزئة 2 في المائة في 4 أقاليم فقط. وارتفعت مبيعات التجزئة في شنغهاي 0.7 في المائة، بينما انخفضت في بكين 2.2 في المائة.
كما تراجع الاستثمار في الأصول الثابتة فيما لا يقل عن 18 اقتصاداً إقليمياً خلال النصف الأول. وشكَّلت شنغهاي وبكين استثناءً؛ إذ ارتفع الاستثمار فيهما 6.8 في المائة و3 في المائة على التوالي.
وكان الرئيس الصيني شي جينبينغ قد دعا في مارس (آذار) المقاطعات الكبرى إلى تجاوز دورها التقليدي في دعم النمو، وتولِّي قيادة الابتكار والتحديث الصناعي، وتطوير ما تسميه بكين «القوى الإنتاجية الجديدة»، بوصفها ركيزة للاستقرار الاقتصادي الوطني.
ويتوقع اقتصاديون أن تسرِّع الحكومات المحلية خلال النصف الثاني تنفيذ المشروعات المدرجة بالفعل في الموازنات، في محاولة للحفاظ على معدل نمو وطني يتراوح بين 4.5 و5 في المائة. ولكن ضخ الاستثمارات وحده قد لا يكون كافياً ما لم يواكبه تحسن في الاستهلاك وثقة الأسر وسوق العقارات.
وفي المحصلة، لم تعد خريطة الاقتصاد الصيني تُرسم بحجم الأقاليم فقط؛ بل بنوعية صناعاتها وقدرتها على الابتكار والتصدير. غير أن صعود مراكز التكنولوجيا -رغم أهميته- لا يخفي استمرار التحدي الأكبر: تحويل قوة المصانع إلى دخل وإنفاق محليين، حتى يصبح التعافي أكثر توازناً وأقل اعتماداً على الخارج.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا