القيادة الصينية تدعم النمو بحذر دون حزمة تحفيز كبرى

الرئيسية اقتصاد / Ecco Watan
الكاتب : المحرر الاقتصادي
Jul 30 26|14:34PM :نشر بتاريخ
اختارت القيادة الصينية مواجهة تباطؤ الاقتصاد بأدوات تدريجية ومحسوبة، متعهدة بتسريع الإنفاق المالي وتنفيذ مشروعات البنية التحتية المدرجة بالفعل في الموازنة، من دون اللجوء إلى حزمة تحفيز ضخمة قد تفاقم ديون الحكومات المحلية أو تزيد اختلالات الإنتاج الصناعي.
وجاء هذا التوجه بعد أن تباطأ نمو الاقتصاد الصيني في الربع الثاني إلى 4.3 في المائة، وهو أضعف معدل في أكثر من ثلاث سنوات، وأقل من الحد الأدنى لهدف النمو السنوي الذي يتراوح بين 4.5 و5 في المائة. ومع ذلك، يرى محللون أن الأداء الأقوى من المتوقع في بداية العام يمنح بكين مساحة للتحرك بهدوء، بدلاً من الضغط بقوة على أدوات التحفيز.
وقال تومي شي، رئيس أبحاث الاقتصاد الكلي الآسيوي لدى بنك «أو سي بي سي»، إن الاجتماع لم يسفر عن «حزمة سياسات ضخمة»، وهو ما يتماشى مع توقعات بأن يظل الدعم مركزاً على وضع حد أدنى للنمو، لا إطلاق موجة واسعة من الإنفاق. وأضاف أن أدوات السياسة لا تزال مرنة، لكن الأولوية في الربع الثالث ستتركز على تسريع استخدام الموارد المتاحة بالفعل.
وأقر المكتب السياسي للحزب الشيوعي، وهو أعلى هيئة لصنع القرار، خلال اجتماعه بوجود «صعوبات وتحديات تواجه الاقتصاد»، وفقاً لوكالة أنباء «شينخوا». ودعا إلى تسريع وتيرة الإنفاق المالي، وتبني سياسات إضافية موجهة لدعم النشاط الاقتصادي خلال النصف الثاني من العام.
ويعكس هذا النهج توازناً دقيقاً تحاول بكين الحفاظ عليه. فمن جهة، تحتاج إلى دعم النمو في ظل ضعف الاستهلاك وتباطؤ سوق العمل واستمرار أزمة العقارات. ومن جهة أخرى، لا ترغب في تكرار موجات التحفيز واسعة النطاق التي رفعت ديون الحكومات المحلية وأسهمت في بناء طاقات إنتاجية تتجاوز الطلب في قطاعات عدة.
تسريع المشروعات
ولهذا ركزت القيادة على تنفيذ المشروعات المقررة في الموازنة بدلاً من توسيع العجز. ويرى معظم المحللين أن تسريع مشروعات البنية التحتية الوطنية يمكن أن يدعم الاقتصاد خلال الأشهر المقبلة من دون الحاجة إلى زيادة كبيرة في الاقتراض.
وقال شو تيانتشن، كبير الاقتصاديين في وحدة «إيكونوميست إنتليجنس»، إن الصين لا تزال تمتلك «هامشاً مالياً واسعاً». كما أشار جيانغوانغ شين، كبير الاقتصاديين في «جيه دي دوت كوم»، إلى أن إصدار السندات والإنفاق الحكومي سارا بوتيرة أبطأ من المخطط خلال النصف الأول، مما يتيح للسلطات زيادة الإنفاق في الأشهر المتبقية من العام.
ومن المتوقع أن يتركز هذا الإنفاق على مبادرة «الشبكات الست» التي تعهد المكتب السياسي بالمضي فيها بثبات. وتشمل المبادرة شبكات المياه، والخدمات اللوجستية، وخطوط الأنابيب تحت الأرض، وشبكات الكهرباء، والاتصالات، ومراكز الحوسبة. وأفادت وسائل إعلام رسمية بأن بكين تخطط لإنفاق ما يقارب تريليون دولار خلال العام على هذه المشروعات.
وتراهن السلطات على أن هذه الاستثمارات ستدعم الطلب على المواد الخام والمعدات والخدمات، وتحافظ على نشاط شركات البناء، وتوفر فرص عمل، خصوصاً في المناطق التي تضررت من تراجع سوق العقارات. كما تخدم بعض هذه المشروعات أهدافاً استراتيجية طويلة الأجل، من بينها تحديث المدن وتوسيع البنية الرقمية ودعم الصناعات المتقدمة.
المشكلة الأكبر
لكن ضعف الطلب المحلي يبقى المشكلة الأكثر صعوبة. فقد جاء تباطؤ الربع الثاني نتيجة ركود الاستهلاك المنزلي، رغم استمرار قوة الصادرات والإنتاج الصناعي. ويزيد ذلك المخاوف من أن يكون نموذج النمو الصيني أكثر اعتماداً على المصانع والأسواق الخارجية، وأقل قدرة على الاستناد إلى إنفاق الأسر.
ووجهت بكين في السنوات الأخيرة رؤوس أموال ضخمة نحو التصنيع المتقدم والذكاء الاصطناعي والبحث التكنولوجي، غير أن هذه الاستثمارات لم تتحول بعد إلى تحسن واسع في الدخول أو الثقة الاستهلاكية. ولا يزال ضعف سوق العمل، وتباطؤ نمو الأجور، والتراجع الطويل في العقارات، عوامل تدفع الأسر إلى زيادة الادخار وتأجيل الإنفاق.
كما فقد عشرات الملايين من الأشخاص وظائف رسمية وانتقلوا إلى اقتصاد العمل المرن، الذي أصبح بمثابة صمام أمان للتوظيف بعد تراجع وظائف البناء وتسريح بعض المصانع للعمال. لكن كثيراً من العاملين في هذا القطاع يعملون لساعات طويلة مقابل أجور منخفضة وتغطية محدودة للتأمينات الاجتماعية، وهو ما يعزز شعورهم بعدم الأمان ويدفعهم إلى الحذر المالي.
معضلة اقتصادية
وتنعكس هذه الحلقة على الاقتصاد بأكمله. فكلما زاد قلق الأسر من فقدان الوظائف أو انخفاض الدخل، قل استعدادها للاستهلاك، وكلما ضعف الاستهلاك، زاد اعتماد الشركات على التصدير وخفض الأسعار للحفاظ على حصتها السوقية.
وهنا تبرز معضلة «المنافسة الانكماشية» التي وعد المكتب السياسي بمواصلة معالجتها. ويستخدم هذا التعبير في الصين لوصف حروب الأسعار بين المصنّعين الذين يتنافسون على زيادة المبيعات على حساب الأرباح. ورغم أن بكين ترفض توصيف اقتصادها بأنه يعاني من فائض إنتاجي، يرى كثير من الاقتصاديين أن الطاقة الزائدة في بعض الصناعات تغذي هذه المنافسة وتزيد الضغوط الانكماشية.
ولا تقتصر آثار ذلك على الداخل الصيني، إذ تعتمد الشركات بصورة متزايدة على الأسواق الخارجية لتصريف إنتاجها، مما يثير مخاوف الشركاء التجاريين بشأن تأثير الواردات الصينية منخفضة الأسعار على مصانعهم ووظائفهم. وهكذا يتحول ضعف الطلب المحلي إلى مصدر توتر تجاري دولي.
وتعهد المكتب السياسي بتعزيز الطلب المحلي، وزيادة دعم التوظيف للفئات الرئيسية، وحماية حقوق العاملين في الوظائف المرنة وأشكال العمل الجديدة. إلا أن البيان لم يقدم تفاصيل محددة عن حجم الدعم أو آليات تنفيذه.
تحسين المعروض
ويرى تشيوي تشانغ، كبير الاقتصاديين في «بينبوينت لإدارة الأصول»، أن تركيز القيادة لا يزال منصباً على تحسين المعروض من السلع والخدمات، أكثر من زيادة دخول المستهلكين مباشرة. ويعكس ذلك استمرار تحفظ بكين تجاه السياسات التي تنقل موارد مالية كبيرة إلى الأسر.
وفي موازاة الملف الاقتصادي، قررت القيادة عقد جلسة عامة للجنة المركزية للحزب الشيوعي في أكتوبر (تشرين الأول)، لمناقشة الحوكمة الداخلية وتعزيز الانضباط الحزبي. وسيجمع الاجتماع أكثر من 300 عضو أساسي ومناوب في اللجنة المركزية، وسط استمرار حملة مكافحة الفساد التي أطلقها الرئيس شي جينبينغ وشملت ملايين التحقيقات وإبعاد مئات المسؤولين والجنرالات.
ويشير الجمع بين دعم الاقتصاد وتشديد الحوكمة الداخلية إلى أن بكين تنظر إلى الاستقرار الاقتصادي والانضباط السياسي بوصفهما مسارين مترابطين. فالقيادة تريد تنشيط النمو من دون السماح بتوسع مالي غير منضبط، كما تريد دفع الحكومات المحلية إلى تنفيذ المشروعات المقررة مع الالتزام بقيود الدين.
وفي المحصلة، تراهن الصين على تسريع الإنفاق القائم، لا فتح صنبور تحفيز جديد. وقد يساعد هذا النهج في تثبيت النمو خلال النصف الثاني، لكنه لن يحل وحده مشكلة ضعف الاستهلاك ما لم تتحسن الوظائف والدخول وشبكات الحماية الاجتماعية. والتحدي الأكبر أمام بكين لم يعد مجرد الحفاظ على معدل النمو، بل إعادة التوازن بين قوة المصانع وحذر المستهلكين.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا