اليابان تدافع عن الين... والأسواق تراهن على تشديد نقدي جديد

الرئيسية اقتصاد / Ecco Watan

الكاتب : المحرر الاقتصادي
Jul 31 26|15:22PM :نشر بتاريخ

دخلت اليابان مرحلة جديدة من معركتها للدفاع عن عملتها، بعدما نفذت السلطات تدخلاً واسعاً في سوق الصرف لدعم الين، في خطوة جاءت قبيل قرار بنك اليابان تثبيت أسعار الفائدة، وأثارت تكهنات بشأن وجود تنسيق مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لاحتواء التقلبات الحادة في أسواق العملات.

ويأتي التحرك في وقت يواجه فيه الاقتصاد الياباني ضغوطاً متزايدة نتيجة استمرار ضعف الين، الذي أدى إلى ارتفاع تكلفة الواردات، ولا سيما الطاقة، في ظل استمرار التوترات في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط، وهو ما انعكس مباشرة على تكاليف المعيشة والتضخم.

ووفقاً لمصدر في السوق، نفذت السلطات اليابانية عملية شراء واسعة للين وبيع للدولار خلال تعاملات نيويورك الخميس، في أول تدخل رسمي منذ ثلاثة أشهر. وتشير تقديرات مستندة إلى بيانات بنك اليابان إلى أن قيمة التدخل ربما بلغت نحو 8.2 تريليون ين، أي ما يعادل قرابة 59 مليار دولار، ما يجعله واحداً من أكبر التدخلات في تاريخ سوق الصرف اليابانية.

وكان الين قد هبط في وقت سابق من الشهر إلى أدنى مستوياته في نحو أربعة عقود، متجاوزاً مستوى 163 يناً مقابل الدولار، قبل أن يقفز بأكثر من 3 في المائة عقب التدخل، ثم يعود إلى التراجع في جلسة الجمعة مع ترقب المستثمرين لقرار بنك اليابان ورسائل محافظه كازو أويدا بشأن مسار السياسة النقدية.

دعم أميركي وتنسيق مع سيول

ورغم امتناع كبير مسؤولي العملة في اليابان، أتسوشي ميمورا، عن تأكيد التدخل أو نفيه، فإنه أطلق إشارات لافتة بشأن الدعم الأميركي، مؤكداً أن طوكيو تتلقى من واشنطن «دعماً يتجاوز الدعم المعنوي»، وأنها على تواصل دائم مع السلطات المعنية.

وعندما سُئل عما إذا كان هذا التعاون يشمل ما يعرف بعمليات «فحص الأسعار» التي يجريها «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي، والتي غالباً ما تُعد تمهيداً لتدخل في سوق العملات، أجاب بأن هذا الدعم «يشمل ذلك أيضاً».

وجاءت هذه التصريحات بعدما قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن اليابان ربما تدخلت بالفعل لدعم عملتها، مضيفاً أن الين يبدو «أقل من قيمته الحقيقية». كما أفادت صحيفة «نيكي» بأن السلطات الأميركية أجرت بالفعل عمليات فحص للأسعار، رغم أن بنك «الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك امتنع عن التعليق.

وفي تطور نادر، كشفت مصادر في السوق عن أن كوريا الجنوبية تدخلت أيضاً ببيع الدولار لدعم الوون، بالتزامن مع التحرك الياباني، ما عزز التكهنات بوجود تنسيق غير معلن بين عدد من الاقتصادات الآسيوية، في مواجهة الضغوط التي يفرضها الدولار وتقلبات الأسواق العالمية.

ورداً على سؤال بشأن وجود تنسيق مع سيول، اكتفى ميمورا بالقول إنه «لا يتواصل مع الولايات المتحدة فقط»، في إشارة فسرتها الأسواق على أنها تلميح إلى تعاون أوسع بين السلطات النقدية في المنطقة. ويعكس هذا التحرك حجم القلق الذي يساور صناع القرار في طوكيو. فضعف الين لم يعد مجرد قضية تتعلق بأسواق المال، بل تحول إلى عامل رئيسي في ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية، وهو ما يزيد الضغوط على الأسر ويقوض جهود الحكومة لدعم الاستهلاك.

وكانت اليابان قد أنفقت رقماً قياسياً بلغ 11.7 تريليون ين خلال موجة التدخل السابقة بين أواخر أبريل (نيسان) وبداية مايو (أيار)، لكن أثر تلك الخطوة تلاشى سريعاً مع عودة الين إلى مسار الهبوط، الأمر الذي دفع السلطات إلى تعديل استراتيجيتها الاتصالية، بعدما رأت أن التصريحات المسبقة في المرة السابقة منحت المضاربين فرصة لإعادة ترتيب مراكزهم قبل التدخل، مما قلل من فعاليته.

وفي الوقت نفسه، تحول اهتمام الأسواق إلى بنك اليابان، الذي قرر الإبقاء على سعر الفائدة عند 1 في المائة، كما كان متوقعاً، لكنه أرسل إشارات أكثر تشدداً بشأن التضخم ومسار السياسة النقدية. وللمرة الأولى، حذر البنك من احتمال تجاوز التضخم الأساسي مستواه المستهدف، فيما أكد المحافظ كازو أويدا أن عدداً من أعضاء مجلس السياسة النقدية يرى أن مخاطر التضخم تميل إلى الارتفاع، وأن تأثير تقلبات سعر الصرف في الأسعار أصبح أكبر مما كان عليه في السابق.

ويرى محللون أن هذه الرسائل تزيد احتمال رفع أسعار الفائدة مجدداً خلال الأشهر المقبلة، وربما في سبتمبر (أيلول) أو أكتوبر (تشرين الأول)، خصوصاً إذا استمرت الضغوط التضخمية وضعف العملة.

معادلة معقدة

لكن أويدا يواجه معادلة معقدة؛ فمن جهة، تتبنى حكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي موقفاً حذراً تجاه رفع الفائدة خشية تأثيره في النمو، ومن جهة أخرى، فإن استمرار ضعف الين يهدد بتغذية التضخم ورفع تكاليف الواردات، ما يفرض ضغوطاً متزايدة على البنك المركزي للتحرك.

وتشير استطلاعات «رويترز» إلى أن غالبية الاقتصاديين يتوقعون رفع سعر الفائدة إلى 1.25 في المائة قبل نهاية العام، في وقت لا تزال فيه مراكز المضاربة ضد الين عند مستويات مرتفعة، إذ تظهر بيانات الجهات الرقابية الأميركية أن المستثمرين يحتفظون بمراكز بيع صافية تتجاوز 11.6 مليار دولار، وهي من أعلى المستويات خلال عامين.

وفي سوق العملات، ظل الين شديد التقلب بعد التدخل. فبعد أن سجل مكاسب قوية، عاد ليتراجع إلى حدود 160 يناً للدولار، مع بقاء المتعاملين في حالة ترقب لاحتمال تنفيذ تدخلات إضافية إذا عادت الضغوط على العملة.

كما ساهمت قرارات البنوك المركزية العالمية في زيادة التقلبات. فبعد أن أبقى مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي أسعار الفائدة دون تغيير، تعرض الدولار لضغوط إضافية، مسجلاً أكبر خسارة أسبوعية له منذ أبريل (نيسان)، بينما فضّل المستثمرون إعادة تقييم توقعاتهم لمسار السياسة النقدية العالمية.

ويقول محللون إن التدخلات الرسمية قد تنجح في كبح التحركات الحادة للعملة على المدى القصير، لكنها لن تكون كافية لتغيير الاتجاه الأساسي ما لم تترافق مع تضييق الفجوة بين أسعار الفائدة في اليابان والولايات المتحدة. ولهذا، فإن الأسواق باتت تنظر إلى سياسة بنك اليابان، أكثر من تدخلات وزارة المالية، باعتبارها العامل الحاسم في تحديد مستقبل الين خلال الأشهر المقبلة.

وبذلك، تبدو طوكيو وكأنها تخوض معركتين في آن واحد: الأولى لاحتواء التقلبات الفورية في سوق الصرف عبر التدخل المباشر، والثانية لإقناع الأسواق بأن دورة تشديد السياسة النقدية لم تنتهِ بعد، وأن الدفاع عن الين لن يعتمد مستقبلاً على التدخلات وحدها، بل على رفع تدريجي لأسعار الفائدة يعيد التوازن إلى سوق العملات ويخفف الضغوط عن الاقتصاد الياباني.

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : الشرق الاوسط