العربي الجديد: من التهديد إلى التراجع... ما وراء نمط ترامب المتكرر تجاه إيران
الرئيسية صاحبة الجلالة / Ecco Watan
الكاتب : محرر الصفحة
Aug 04 26|07:58AM :نشر بتاريخ
كما تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في إبريل/ نيسان الماضي، عن تهديده بـ"إبادة حضارة" إيران بأكملها، عاد مجدداً ليتراجع عن شن هجمات تسربت خططها إلى الصحافة الأميركية، وتناقل مراسلو البيت الأبيض والبنتاغون تفاصيلها على نحو غير معتاد. ويكشف ذلك عن نمط متكرر في تعامله مع طهران، يبدأ بالتهديد بالتصعيد العسكري وينتهي بالتراجع، سواء استجابة لطلبات دول أخرى بالتهدئة أو بزعم أن الجانب الإيراني قدم تنازلات. ورغم أن ترامب كرر هذا النهج في مناسبات أخرى، فإن هاتين الواقعتين تمثلان ذروة تهديداته العسكرية لإيران.
وفسر أستاذ العلوم السياسية المشارك في جامعة شيكاغو، الدكتور روبرت غولوتي، في حديث خاص لـ"العربي الجديد"، أن الحرب الأميركية الإيرانية تمر بدورة من التهديدات المتبادلة بين الطرفين، تهدد فيها واشنطن بتوجيه ضربات صاروخية أو استهداف وكلاء إقليميين لإيران، بينما يرد الجانب الإيراني بمهاجمة السفن أو إطلاق صواريخ باليستية أو استخدام جماعات موالية لمهاجمة حلفاء إقليميين.
وأضاف أن الهجمات الأخيرة والتصعيد بين البلدين أديا إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط، بالتزامن مع حالة من الضعف في سوق العمل، ما شكل عبئاً مستمراً على قدرة ترامب على المضي قدماً في التصعيد. وأوضح أن جزءاً مما وصفه بـ"سياسة المد والجزر" التي يتبعها ترامب يستهدف أساساً تهدئة الأسواق وخفض حدة التوتر، خصوصاً في ظل المخاوف من أن يؤدي تصعيد كبير إلى مخاطر حقيقية على الاقتصاد الأميركي، لافتاً إلى أن ترامب يعتبر هذه التهديدات أيضاً وسيلة للتفاوض.
وذكر غولوتي أن أطراف الصراع تجد أيضاً أن الاستمرار في الهجمات أسهل سياسياً من إنهائها من دون الحصول على تنازلات كبيرة، وقال: "الخطوط العريضة لأي اتفاق محتمل واضحة نوعاً ما، فأي اتفاق سيقبله الإيرانيون يريدون أن يتضمن تنازلات كبيرة من جانب أميركا في ما يتعلق بالعقوبات المالية، ولهذا، من أجل وقف القتال، يجب أن تحصل على مكاسب. أما بالنسبة إلى الجانب الأميركي، ففي بعض الأحيان تطالب الولايات المتحدة باستسلام كامل وفوري، وفي أحيان أخرى تكتفي بالمطالبة بإعادة فتح مضيق هرمز، ثم تتراجع عنها".
ورجح أن واشنطن ستقبل أي اتفاق في "المنطقة الوسطى"، لا يتطلب منها تقديم تنازلات كبيرة، ويحفظ ماء وجهها من خلال فرض قيود على البرنامج النووي الإيراني. وأضاف أن أي اتفاق سيوقع لا يمكن مقارنته بالاتفاقية التي أبرمت في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما، بسبب اختلاف جوهري، هو أنه لم يجر شن هجمات أو اغتيال القيادة العليا لإيران في العقد الماضي، ما يجعل السياقين، السياسي والاجتماعي، مختلفين بشكل كبير.
وقال: "أعتقد أنه نظراً إلى أن اغتيال كبار القادة الإيرانيين وتدميرهم مثّلا أولوية قصوى لإسرائيل، واعتبرهما ترامب نفسه أيضاً أمراً ضرورياً عقب محاولة اغتيال فاشلة استهدفته شخصياً، فإن المقارنة هنا ليست عادلة. من الواضح أن إدارة ترامب لن تتمكن من تحقيق مكاسب كبيرة من أي اتفاق مع إيران، لأنها دفعت القيادة الإيرانية إلى اتخاذ مواقف متشددة ضدها، من خلال قتل أفراد عائلاتهم وكبار قادتهم".
وعن تكرار واشنطن مطلبها بالاستسلام الكامل، كشف أن "من المؤكد أن الولايات المتحدة ستكتفي بما هو أقل من الاستسلام الكامل. ففي الوقت الذي يطالب فيه ترامب بالاستسلام الكامل، يقول أيضاً إننا انتصرنا بالفعل، وإن الولايات المتحدة حققت أهدافها. ومن المهم أن نتذكر هذه الأهداف؛ فإذا نظرنا إلى الأمر بعيداً عن الجغرافيا السياسية وهيكلية النظام الإيراني، وركزنا على رغبته في الانتقام ممن يقول إنهم حاولوا اغتياله، وعلى هدفه المتمثل بأن يثبت للعالم، من وجهة نظره، أنه سيعاقب من يعبث مع أميركا، فهو قد نجح في تحقيق ذلك من منظوره الخاص. أما فكرة تحوّل المجتمع الإيراني إلى ديمقراطي، فلم تكن ضمن اهتماماته؛ فهو ليس ذلك النوع من القادة، وتلك ليست أهدافه".
واعتبر غولوتي أن حديث ترامب المتكرر عن ضرورة استسلام إيران مجرد وسيلة لمحاولة كسب تأييد العناصر اليمينية المتشددة داخل تحالفه، إذ يريد منهم أن يتفقوا معه، ولا يريد سماع انتقاداتهم. وأضاف: "أعتقد أنه سيكون راضياً تماماً بما هو أقل بكثير من الاستسلام الكامل، للأسباب التي ذكرتها".
وفي ما يخص الأسباب المتكررة التي يذكرها لتراجعه عن الهجمات، ورفضه تفسير إيران للاتفاق، وهو ما ترفضه طهران، قال إنه "في التاريخ الحديث، اعتدنا أن نعتقد أن القادة يقيَّمون بناءً على مصداقيتهم ومدى تطابق كلامهم مع أفعالهم. هو لا يؤمن بهذه الأمور من حيث المبدأ، ويرى أن التزام مصداقية الأقوال والأفعال سخيف وعديم الجدوى، وأن الاهتمام ببروتوكولات الدبلوماسية واللغة المستخدمة والحرص على توجيه إشارة محددة غير ضروري على الإطلاق. ولذا، فهو يرفض بشكل تام مبدأ التقيد بالاعتبارات الدبلوماسية المتعلقة، على سبيل المثال، بما يشكل استراتيجية فعالة للردع أو التواصل. والسبب أنه لا يكترث بما إذا كانت الولايات المتحدة تبدو ذات مصداقية خلال العامين وبضعة الأشهر المقبلة، كذلك فإنه لا يهتم بما إذا كان أحد يصدق ما يقوله في أي لحظة".
وأشار إلى أمر "مهم في سياسة ترامب"، وهو "أنه لا يلتزم مسبقاً فعل شيء أو عدم فعله، لأنه يعتقد أن أي إعلان مسبق يمنح الخصم حرية التصرف"، مضيفاً أنه لا يوجد دليل على أن هذه الاستراتيجية ناجحة أو أنها تحقق أهدافه. وقال إنه "في الواقع، ساد الارتباك في العالم بشأن الاهتمام باللغة والتناقض بين كلماتنا وأفعالنا، وهو أمر اهتم به الناس ربما منذ عهد قيصر. ولذلك، قد تكون فاعلية سياساته أقل على الساحة الدولية، لأن لا أحد يصدق شيئاً مما يقوله. لكنه لا يكترث لذلك، ومن وجهة نظره يراها سياسة ناجحة".
وفي ما يخص تهديداته المتكررة باستهداف محطات المياه والطاقة والبنية التحتية، رغم تأكيدات الخبراء أنها قد تمثل جرائم حرب، أوضح أن "ما يحاول ترامب فعله هنا، إيصال رسالة مفادها أنه لا يلتزم أي قيود أخلاقية أو قانونية. يراها صورة لرئيس ضعيف، لذلك يحاول أن يظهر بمظهر القوي. والطريقة لفعل ذلك قول أشياء مروعة. هل الولايات المتحدة مستعدة لتفجير مدارس؟ فعلنا ذلك في الماضي، ولكن ليس عن عمد. نحن عادة لا نعبّر عن الأمور بهذه الطريقة. إنه أسلوب وطابع سياسي مختلف تماماً، ولا أعتقد أنها استراتيجية ناجحة على المدى الطويل، وأعتقد أن مجرد تصريحه بأننا سنرتكب مثل هذه الهجمات يجعل الوضع أسوأ للجميع".
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا