«نأكل حتى لا نموت»... يوميات الجوع في السودان

الرئيسية اقتصاد / Ecco Watan

الكاتب : المحرر الاقتصادي
Aug 07 26|19:12PM :نشر بتاريخ

استيقظت «نهلة خليفة» صباح 15 أبريل (نيسان) 2023 على أصوات المدافع في أم درمان، هي لم تكن تعرف أن الحرب التي دفعتها مع أطفالها الخمسة إلى الاختباء تحت الأسرّة والطاولات، ستغير حتى أبسط تفاصيل حياتهم «الطعام، الماء، العلاج».

في الأيام الأولى، عاشت أسرة نهلة على ما تبقى من مؤونة رمضان، الشهر الذي اندلعت فيه الحرب، لكنها لم تكن مؤونة كبيرة، فالضائقة الاقتصادية كانت قد سبقت الحرب بسنوات، والرواتب لم تكن تكفي احتياجات كثير من الأسر.

نأكل حتى لا نموت

دفعت الضائقة المتطاولة معظم السودانيين إلى الاعتياد على تقليص الطعام إلى وجبتين يومياً، ومع امتداد القتال واشتداده، نفد الخزين وتحول الخبز اليابس وقليل من العدس أو الفول الذي توفره «التكية» إلى الوجبة الأساسية.

تقول نهلة لـ«الشرق الأوسط»: «كنا نأكل فقط حتى لا نموت جوعاً، فقد اختفت اللحوم والحليب والخضراوات والفواكه من المنزل، وأصبح كوب الشاي نفسه ترفاً، فيما نام أطفالي ليالي كثيرة جائعين وخائفين، وتدهورت صحة زوجي المصاب بالسكري مع نقص الطعام، وصعوبة الحصول على العلاج».

وبعد أكثر من ثلاثة أعوام، لم تعد قصة نهلة مجرد أثر من آثار الأيام الأولى للحرب، فقد تحول نقص الغذاء إلى أزمة واسعة تتغذى على استمرار القتال وانهيار الجنيه وفقدان مصادر الدخل وتراجع الخدمات.

انهيار الجنيه

تجاوز سعر صرف الجنيه السوداني حاجز 6000 جنيه في السوق الموازية خلال الأيام الماضية، مقابل أسعار تراوحت بين 3500 و4000 جنيه في صرافات البنوك.

يقول تاجر عملة لـ«الشرق الأوسط» إن هبوط الجنيه إلى هذه المستويات انعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية، في وقت تآكلت فيه دخول المواطنين بصورة غير مسبوقة.

وحسب الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الناير، حافظ سعر صرف الجنيه على استقرار نسبي خلال نحو الثلاثة أشهر الماضية، بسعر صرف يتراوح بين 5500 و5800 جنيه للدولار، قبل أن يعاود التراجع هذا الأسبوع.

يقول الناير لـ«الشرق الأوسط» إن التضخم والفقر والبطالة، وتدهور سعر الصرف نتائج متوقعة لاقتصاد يعيش حرباً، لكنه يرى أن انحسار القتال في مناطق محددة سمح لبعض الأنشطة بالعودة تدريجياً.

ويربط الناير بين أي تحسن مستدام للجنيه بالسيطرة على موارد الذهب بقوله: «الإنتاج الرسمي المعلن للذهب بلغ العام الماضي نحو 70 طناً، في حين لم تتجاوز الصادرات المعلنة 20 طناً»، ويرى أن الحد من التهريب واحتفاظ البنك المركزي بجزء من الإنتاج بوصفه احتياطياً يمكن أن يدعم العملة، فيما يحذر من اتساع الفجوة بين سعر البنوك والسوق الموازية، وتأثيراتها على تحويلات المغتربين.

الأزمة مزمنة

يرى أستاذ الاقتصاد والتمويل في جامعة الخرطوم، إبراهيم أحمد أونور، أن المشكلة أعمق من حركة السوق نفسها، ويعزو استمرار تدهور الجنيه إلى غياب سياسة نقدية فاعلة وضعف التنسيق بينها وبين السياسة المالية.

ويقول أونور لـ«الشرق الأوسط» إن محدودية أدوات البنك المركزي تركت سعر الصرف عرضة لمضاربات السوق الموازية، بينما لم تستثمر موارد الذهب بالقدر المطلوب لدعم العملة وتمويل استيراد القمح والوقود والأدوية.

ويدعو أونور إلى إعادة هيكلة القطاع المصرفي، وإعادة تقييم أصول البنوك ورفع رؤوس أموالها أو دمج المتعثر منها، محذراً كذلك من أن غياب رؤية موحدة للسياسات النقدية والمالية سيبقي الضغط على الجنيه قائماً.

تجليات الأزمة

ما يقوله الاقتصاديون بالأرقام يظهر في الأسواق بصورة أبسط وأكثر قسوة، يقول صاحب البقالة إبراهيم إدريس لـ«الشرق الأوسط»، إن رأس ماله لم يعد يشتري الكميات نفسها، وإنه اضطر إلى التركيز على السلع الأساسية بعدما تراجع الطلب على منتجات أخرى.

ويضرب إدريس مثلاً بأن عبوة الزيت زنة 36 رطلاً ارتفع سعرها من نحو 170 ألف جنيه قبل الحرب، إلى نحو 350 ألفاً الآن، فيما قد يرتفع سعر كيس البصل من خمسة آلاف إلى سبعة آلاف جنيه خلال يوم واحد.

لكن المؤشر الأوضح بالنسبة إلى إدريس هو «دفتر الديون»، يقول: «أصبح عدد أكبر من الزبائن يشتري بالأجل، بينما يعجز كثيرون عن السداد بعد توقف أعمالهم أو فقدان مصادر دخلهم».

تراجع الدخول وفقدانها

لا تكفي الوظيفة دائماً لتغيير هذا الواقع، تقول آمال عبد الله، وهو اسم مستعار، إن كل أبنائها يعملون، لكن دخل الأسرة الإجمالي لا يكفي لتغطية الغذاء والعلاج، وأوضحت لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أحصل قبل الحرب على أدوية زراعة الكلى مجاناً، لكني أصبحت مضطرة لشرائها على نفقتي، ونستجلب بعضها من مصر، مما اضطرها إلى الاستدانة من صاحب البقالة»، وتابعت: «أسرتي قد تكتفي في بعض الأيام بوجبة فقيرة واحدة».

وتنسجم هذه الشهادات مع مؤشرات الأمن الغذائي التي تظهر أن ملايين السودانيين يواجهون مستويات حادة من الجوع، فيما تبلغ الأزمة أشد مستوياتها في مناطق القتال في دارفور وكردفان، حيث لا يتعلق الأمر بارتفاع الأسعار وحده، وإنما بتعطل الأسواق والطرق والزراعة وصعوبة وصول المساعدات.

التكايا تسد أبوابها

وفي الخرطوم، سدت «التكايا» لبعض الوقت جزءاً من هذه الفجوة، ويقول عثمان الجندي، المشرف على عدد منها، إنهم كانوا يقدمون وجبة واحدة يومياً، لكنّ كثيراً منها توقف بسبب ضعف التمويل، وارتفاع تكلفة الغذاء وانصراف المتطوعين إلى أعمالهم ودراستهم.

ويضيف الجندي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «عودة السكان إلى بعض مناطق العاصمة لم تعنِ انتهاء الحاجة، إذ عاد كثيرون بلا عمل أو مصدر دخل، بينما أدت الحرب في كردفان إلى وصول نازحين جدد».

ويضيف: «الأطفال وكبار السن والنساء وذوو الإعاقة، من أكثر الفئات اعتماداً على تلك الوجبات»، ويلخص الجندي الوضع بقوله: «الحرب أفقرت الغني وزادت الفقير فقراً».

أزمة في كل شيء

لا ينهي حتى الحصول على الطعام معاناة الأسر، فانقطاع الكهرباء يوقف مضخات المياه ويعطل المخابز والورش والمتاجر، يقول المدير العام لشركة «كهرباء السودان القابضة»، أحمد عبد الله، لـ«الشرق الأوسط»، إن القطاع تكبد خسائر هائلة، وإن أعمال الصيانة تشمل خطوط النقل والتوزيع والمحولات وإعادة المناطق السكنية تدريجياً إلى الخدمة.

بينما تروي نهلة أن شباب حيها اضطروا في إحدى فترات انقطاع المياه إلى فتح آبار قديمة للحصول على مياه الشرب، بينما أجبرت الحرارة وانقطاع الكهرباء الأسر أحياناً على الجلوس والنوم خارج منازلها بحثاً عن نسمة هواء.

انتشار الأوبئة

في موسم الأمطار تتحول أزمة المياه والكهرباء إلى خطر صحي، وهو ما دفع مدير الطب الوقائي بوزارة الصحة في ولاية الخرطوم محمد الحسن الأمير، للتحذير من انتشار الملاريا والإسهالات المائية وأمراض الجهاز الهضمي وحمى الضنك.

وأوضح المسؤول الصحي لـ«الشرق الأوسط» أن البرك وضعف التصريف وتكدس النفايات وعكارة المياه تساعد على انتشار الأمراض، فيما أدى توقف بعض عمليات المكافحة خلال الحرب إلى توسع رقعة البعوض الناقل لحمى الضنك.

أزمة استحكمت حلقاتها

وهكذا تتصل حلقات الأزمة ببعضها، فبينما عطلت الحرب الإنتاج والعمل، انهار سعر صرف الجنيه، وتبعه، بوصفه نتيجة ملازمة، ارتفاع الأسعار بمعدلات قياسية، ما أدى إلى تآكل الدخول، الذي أدى هو الآخر إلى تقليص نوعية وكمية الطعام، وعطل إغلاق «التكايا» آخر شبكات الحماية، فيما تزيد قطوعات الكهرباء والمياه من مخاطر المرض.

وهكذا تختصر نهلة أزمة سنوات الحرب في صورة أطفالها وهم ينامون جائعين، وزوجها المريض الذي يحتاج إلى الدواء، ومائدتها التي تقلصت حتى أصبحت وجبة العدس التي قد توفرها التكية، إن وجدت، هي الحد الفاصل بين الموت جوعاً، والبقاء على قيد الحياة ليوم آخر.

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : الشرق الاوسط