البناء: غزة ولبنان أوراق انتخابية إسرائيلية بتفهم أميركي… والمقاومة: خطوة بخطوة
الرئيسية صاحبة الجلالة / Ecco Watan
الكاتب : محرر الصفحة
Aug 18 26|06:27AM :نشر بتاريخ
انتهت مهلة الستين يوماً التي حددتها مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية من دون التوصل إلى اتفاق نهائي، ولا حتى إلى إطار أولي يعالج الملفات العالقة، وفي مقدمتها البرنامج النووي ومضيق هرمز ووقف الحرب. لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سارع إلى القول إن انتهاء المهلة «غير مهم»، وإنه لا يضع جدولاً زمنياً، متراجعاً عملياً عن الموعد الذي قدّمه سابقاً باعتباره حاسماً. وفي المقابل، دعت إيران واشنطن إلى العودة غير المشروطة إلى مذكرة التفاهم وتنفيذ الالتزامات الواردة فيها، باعتبارها الطريق الوحيد لاستعادة التفاوض وإنهاء الحرب.
وجاء التقويم الإسرائيلي للمهلة شديد القسوة على ترامب؛ فقد عنونت القناة 13 تقريرها بالسؤال: ماذا حقق ترامب بعد ستين يوماً؟ وأجابت بأن النتيجة هي الفشل، فلا اتفاق نووياً، ولا عودة للرقابة، ولا فتح لمضيق هرمز، بينما رُفعت العقوبات عن إيران لفترة محدودة وتدفقت مليارات الدولارات إلى خزينتها، وانكشف النقص الحاد في مخزون الصواريخ الأميركية الهجومية والاعتراضية. وأضاف التقرير أن سخرية طهران من تهديد ترامب بامتلاك هرمز كشفت مرة أخرى أن إشعال الحرب أسهل من إنهائها.
وبالتوازي، أعلنت طهران التوصل إلى تفاهم مع سلطنة عُمان على خريطة لعبور السفن، يقوم على الدخول بمحاذاة الجانب الإيراني والخروج بمحاذاة الجانب العُماني، ضمن صيغة مشتركة لإدارة الملاحة. لكن الخلاف بقي قائماً مع واشنطن التي تصرّ على حصار الموانئ الإيرانية، بينما تتمسك إيران بأن إعادة فتح المضيق بصورة طبيعية ترتبط بتنفيذ مذكرة التفاهم ورفع الحصار وإنهاء الحرب. وهكذا انتهت المهلة من دون سقوط وقف النار، لكن أيضاً من دون تمديده رسمياً، بما يبقي المنطقة معلقة بين اللاحرب واللاسلم.
وكان السوق أسرع من السياسة في إعلان موقفه؛ فقد تجاوز سعر برميل «برنت» عتبة التسعين دولاراً ووصل إلى 90.87 دولاراً، بعد احتجاز إيران ناقلة نفط وتجدد المخاوف على حركة العبور في هرمز. وارتفع الخام الأميركي إلى 84.50 دولاراً، بينما ثبّت مصرف «باركليز» توقعاته لـ «برنت» عند 96 دولاراً. ومع بقاء المضيق مقيداً وفشل مهلة الستين يوماً، تصبح عتبة المئة دولار أقرب من أي وقت مضى، خصوصاً إذا وقع احتكاك بحري جديد أو انتقلت إيران من الوضع الدفاعي إلى العمل الهجومي الذي لوّحت به.
ولا يقتصر الإنذار على سوق النفط؛ فأسواق الأسهم تنتظر اتجاه الأحداث قبل تسعير المخاطر الجديدة. إن ارتفاع البرميل فوق التسعين يعني زيادة كلفة النقل والإنتاج والتأمين، وعودة الضغوط التضخمية، وتراجع قدرة المصارف المركزية على خفض الفوائد. أما بلوغ عتبة المئة فيقل التأثير من شركات الطاقة والنقل إلى قطاع التكنولوجيا والأسهم الكبرى، ويحوّل أزمة هرمز إلى عبء انتخابي مباشر على ترامب، بعدما وصلت أسعار البنزين الأميركية إلى أعلى مستوى مسجل في شهر آب/ أغسطس.
وفي غزة، عاد جاريد كوشنر من لقائه بقيادة «حماس» في القاهرة حاملاً استعداد الحركة لبحث نزع الطابع العسكري ضمن مسار متكامل يضمن وقفاً دائماً للنار، وانسحاباً إسرائيلياً، وإدارة فلسطينية تكنوقراطية. لكن نتنياهو تمسك بأن نزع السلاح يجب أن يسبق الانسحاب والإعمار، وقال إن التقدم في الخطة صعب بسبب الانتخابات الإسرائيلية. وبدلاً من مطالبة «إسرائيل» بتنفيذ التزاماتها، أبدت واشنطن تفهماً لحسابات نتنياهو الانتخابية، وطلبت من «حماس» تقديم خطوات تثبت نياتها، فيما يجري الحديث عن مناطق تجريبية في رفح وشمال القطاع تحت إدارة مدنية جديدة.
ويتكرر المشهد نفسه في لبنان؛ فالجيش الإسرائيلي يستعدّ لعدة أيام من القتال في علي الطاهر، ويتمسك بتدمير الأنفاق والمنشآت المحصنة، بينما تكشف القناة 12 أن المستوى السياسي جمّد بعض الردود العسكرية كي لا يعرّض المسار التفاوضي للخطر. لكن واشنطن لا تطالب «إسرائيل» بالانسحاب أو وقف الغارات أو إلغاء العملية، بل تتفهم الاعتبارات الانتخابية وتضغط لتسليم علي الطاهر إلى الجيش اللبناني، أو الاكتفاء بالقول إنها نصحت بعملية جراحية والدعوة للتأقلم مع ذلك.
في المقابل، تقول المقاومة في غزة ولبنان إن التهدئة لا تعني تنفيذ طرف واحد كل ما عليه وانتظار الانتخابات الإسرائيلية. المعادلة هي خطوة بخطوة: تجميع السلاح مقابل انسحاب وضمانات في غزة، ووقف للعدوان وانسحاب إسرائيلي مقابل استمرار وقف النار في لبنان والعودة إلى اتفاق جنوب الليطاني، كما نص عليه اتفاق وقف إطلاق النار في عام 2024. أما تحويل الانتخابات إلى حصانة لنتنياهو، فيعني إفساد التهدئة وفتح الطريق أمام انفجار لا تستطيع واشنطن ولا تل أبيب ضمان حدوده.
وأطلق الاحتلال «الإسرائيلي» رصاصة الرحمة على اتفاق الإطار اللبناني – «الإسرائيلي» في واشنطن بعد عدوان وحشيّ على بلدتي أنصار ودير الزهراني، أدّى إلى عشرات الشهداء والجرحى جُلّهم من المدنيين الأطفال والنساء، فيما لم تجرؤ سلطة الوصاية اللبنانية على اتخاذ خطوة فعلية إزاء هذا التوغل والتغول «الإسرائيلي» ضدّ اللبنانيين في الجنوب، واقتصر تحركها على الإدانة وإجراء بعض الاتصالات الخجولة التي لا تسمن ولا تغني من جوع سوى رفع الإحراج والعتب والتغطية على تواطئها مع المشروع الأميركي – «الإسرائيلي»، وفق ما تشير مصادر سياسية في فريق المقاومة لـ «البناء»، متسائلة: ألا تستحق هذه المجازر والشهداء الذين سقطوا من الأطفال والنساء تجميد المفاوضات حتى يوقف العدو عدوانه؟ مضيفة: كيف للسلطة التي وقّعَت اتفاق واشنطن بطلبٍ أميركي يمنح «إسرائيل» حرية الحركة ويشرّع الاحتلال والأعمال العدوانية وقتل المدنيين ومنع عودة النازحين والإعمار والأسرى، ألا يحق لها إدانة العدوان؟
وربطت المصادر بين تصريحات رئيس لجنة التنسيق العسكرية الجنرال جوزف كليرفيلد بأنه يتفهّم الموسم الانتخابي للحكومة «الإسرائيلية»، وتصريحات السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى بقوله: «اقنعوا حزب الله بتسليم سلاحه بينحلّ كلّ شي»، وبين العدوان الإسرائيلي السبت الماضي، مضيفة أنّ هذه التصريحات تشكل الغطاء الأميركي للعدو في عدوانه بحجة تمسك الحزب بسلاحه. وحذرت المصادر من أنّ العهد والحكومة يأخذان البلد إلى الهاوية والفوضى والفتنة التي سيدفع اللبنانيون ثمنها غالياً من أمنهم واستقرارهم واقتصادهم وأرزاقهم. وتوقفت المصادر باستغراب شديد أمام تصريحات رئيس الجمهورية التي أكد خلالها تمسكه باتفاق الإطار الذي ضربه الاحتلال بعرض الحائط! وخلصت المصادر إلى الإشارة إلى أنّ الأشهر المقبلة ستكون ساخنة على كافة المستويات الأمنية والعسكرية والسياسية، وأن السلطة والعهد يدفعان بسياساتهما العدائية تجاه المقاومة وبيئتها والانهزامية تجاه العدو إلى أتون المواجهة التي ستأتي لا محالة.
وبحسب أوساط عسكرية وسياسية معنية، فقد تكرّس بشكل شبه رسمي تعيين الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد (Joseph Clearfield) -رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان (MCG4L)- مفوضاً عاماً لحكم لبنان؛ حيث يمكُثُ الضابط الأميركي في لبنان منذ عدة أيام ويدير الشأن اللبناني أمنياً وعسكرياً من مكتبه، ويصدر التعليمات لأركان السلطة والعهد، ويضع الخطط العسكرية لكيفية تطبيق اتفاق الإطار والمناطق التجريبية، فيما ترتكب «إسرائيل» المجازر بحق المدنيين في ظلّ وجوده في لبنان!
وبعدما جال على رئيسي الجمهورية والحكومة، حطّ مع وفد في وزارة الدفاع في اليرزة؛ حيث التقى قائد الجيش العماد رودولف هيكل في مكتبه، وجرى عرض آخر التطورات في الجنوب والترتيبات الأمنية المتعلقة باتفاق الإطار، بالتزامن مع تصعيد الاعتداءات من قبل الاحتلال الإسرائيلي. إضافة إلى ذلك، أكد العماد هيكل والجنرال كليرفيلد مواصلة التنسيق في ظلّ المرحلة الاستثنائية الراهنة، والمهمات التي يضطلع بها الجيش.
وفي سياق ذلك، وفي موقف مستغرب بعد سقوط عشرات الشهداء والجرحى، أكد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أمام وفد «تاسك فورس فور ليبانون» (Task Force for Lebanon) انّ لبنان ملتزم تطبيق اتفاق الإطار كاملاً ويعوّل على الولايات المتحدة الأميركية لتطبيقه وهي جادة وملتزمة وداعمة»، معلناً أنّ «»إسرائيل» لن تتمكن من تحقيق أهدافها عبر استخدام القوة العسكرية المجردة والتدمير وقتل الأبرياء». وأعاد عون المعزوفة نفسها بأنّ «العلاقة مع إيران يجب أن تكون من دولة إلى دولة تقوم على الاحترام المتبادل ومن دون التدخل في الشؤون الداخلية»، متجاهلاً الانتهاك «الإسرائيلي» الفاضح للسيادة اللبنانية والاستباحة الكاملة للأجواء والأراضي والثروات، ومتعامياً عن أنّ لبنان أصبح خاضعاً للوصاية الأميركية الكاملة!
وفيما يتحمّل رئيس الجمهورية وحكومته ورئيسها نواف سلام مسؤولية إنهاء مهام اليونيفيل في لبنان بأوامر أميركية – إسرائيلية عبر التجديد لهذه القوات حتى نهاية العام الحالي فقط، زعم عون «أهمية وجود قوات اليونيفيل في الجنوب»، مشدّداً على «أنّ الخيار الأول للبنان هو التمديد لها، وفي حال عدم التمديد لها، فالخيار الثاني يقوم على أن تكون هناك قوات لها الإطار القانوني المطلوب، بحيث لا يكون هناك خلوٌّ لقوات دولية في الجنوب».
وفي تصريحات لم تعد تجدي نفعاً ولم تعد تنطلي على اللبنانيين لكونها مجرد كلام يعاكسه السلوك، قال عون: «إنّ إسرائيل ترفض وجود قوات «اليونيفيل» وهي تضغط في هذا الاتجاه منذ قرابة السنة، فيما نحن نطالب ببقائها».
كلام رئيس الجمهورية جاء خلال استقباله وفداً نيابياً برئاسة النائب ملحم خلف، الذي قدّم إليه نسخة من الكتاب الموقّع من ستة وثمانين نائباً من مختلف الكتل والانتماءات، دعماً لاستمرار مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان. وأكد خلف باسم الوفد «أنّ اليونيفيل، بما يمثله من حضور للشرعية الدولية، أدى دوراً أساسياً في دعم الاستقرار، ومساندة الجيش اللبناني، وتوفير قنوات الاتصال، ومواكبة تنفيذ القرار 1701 في واحدة من أكثر المناطق حساسية وتعقيداً».
ميدانياً، ألقت مُسيّرات معادية قنابل حارقة فوق حقول في دوحة كفررمان، تسبّبت باشتعال الحرائق في المنطقة وامتدت إلى ما تبقى من محمية شهداء كفررمان. ونفّذ جيش العدو تفجيراً ضخماً في بلدة زوطر الشرقية، تردّد صداه بشكل قوي في أرجاء منطقة النبطية. وأفادت «الوكالة الوطنية» عن «سقوط مُسيّرة إسرائيلية في خراج بلدة زبقين».
وفي أجواءٍ غلب عليها الحزن والاعتزاز بالتضحيات، شيّع حزب الله وجماهير المقاومة في الضاحية الجنوبية لبيروت الشهداء الستة من عائلة الحاج حسن الذين ارتقوا جراء المجزرة الصهيونية البشعة التي ارتكبها العدو في بلدة أنصار الجنوبية السبت الماضي. ودعا عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب علي عمار، في كلمة له بالمناسبة، مَن هم في السلطة اللبنانية إلى «سحب أيديهم من هذه المفاوضات العفنة»، موجهاً خطابه لرئيس الجمهورية ولرئيس مجلس الوزراء بالقول: «اسحبوا أيديكم من المفاوضات مع العدو التي لم يأتِ منها إلا الخزي».
بدوره، توجّه الرئيس العماد إميل لحود بـ «التعزية إلى عائلات الشهداء الذين سقطوا في دير الزهراني وأنصار على يد آلة الإجرام الإسرائيليّة»، وأسف الرئيس لحود، في بيان، «لحالة التطبيع اللبنانيّة مع مثل هذه الجرائم، وأصدق دليلٍ عليها الحدّ الأدنى من ردّة الفعل الرسميّة، وهو أمرٌ مؤسف، في حين يستدعي الأمر خطوات عمليّة تبدأ من إعادة النظر بالتفاوض مع القاتل برعاية الصامت، خصوصاً أنّه يعطي ضوءاً أخضر للعدو للقيام بما يريد من دون ردٍّ لبنانيّ».
وقال شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ سامي أبي المنى: «لقد أصاب الأستاذ وليد جنبلاط في نظرته إلى (اتفاق الإطار) وسلبياته، وكان سبّاقاً في التحذير من أطماع «إسرائيل» واستخدامها المفاوضات كغطاء لاستمرار اعتداءاتها على سيادة لبنان دون رادع من اتفاق أو من قانون. لذا لا بدّ من إعادة النظر ملياً بكيفية التعاطي مع هذا العدوان للوصول إلى الاستقرار». وتابع: «السلام مستحيل مع عدوّ غاصب غاشم وحالم بالمزيد من التوسّع والهيمنة. أما الاستقرار فلا يتحقّق إلا بالانسحاب الإسرائيلي الكامل وعودة الأهالي إلى بلداتهم، وبتحمّل الدولة مسؤوليتها في حصر السلاح بيدها وطمأنة الناس إلى أمنهم وحياتهم».
من جهته، وجّه المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان كتاباً مفتوحاً إلى رئيس الجمهورية جاء فيه: «بكل صدق ووطنية أقول للرئيس جوزاف عون: إنّ كل ما يجري في المنطقة خطير للغاية، وما يهمّنا من هذه الزاوية (لبنان)، لأنّ تاريخ هذا البلد أكبر من مرحلة سياسيّة أو التزام جانبيّ أو طفرة إقليميّة أو دوليّة، وواقع لبنان منذ نشأته دليل على أنه قدرة وطنية معقّدة لا تقبل الرشوة أو التطويب لأحد خارج تكوينه السياسي وصيغته التوافقية».
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا