«سندات اليابان» تهدد خطط تاكايتشي المالية

الرئيسية سياسة / Ecco Watan
الكاتب : المحرر الاقتصادي
Aug 19 26|15:26PM :نشر بتاريخ
تواجه اليابان اختباراً مالياً معقداً مع اقتراب عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات من مستوى 3 في المائة، في وقت تزداد فيه مخاوف التضخم وتتسع الضغوط على الموازنة العامة؛ مما يهدد بتقويض جزء من برنامج الإنفاق الطموح الذي تتبناه رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي.
وبعد أكثر من عقد كانت فيه سوق السندات اليابانية مرادفة للعوائد المنخفضة والسياسة النقدية شديدة التيسير، تغير المشهد سريعاً. فقد بلغ العائد على السندات لأجل 10 سنوات 2.945 في المائة الثلاثاء، وهو أعلى مستوى في 3 عقود، قبل أن يتراجع إلى نحو 2.89 في المائة الأربعاء.
ويقول محللون إن الموجة الحالية لا تعكس مجرد مضاربات قصيرة الأجل، بل تعكس كذلك تحوّلاً أعمق في تقييم المخاطر، في ظل تضخم أشد صعوبة، وارتفاع أسعار الطاقة بسبب الحرب في الشرق الأوسط، وتوقعات متصاعدة بأن «بنك اليابان» قد يسرع وتيرة رفع أسعار الفائدة.
وقالت ماري إيواشيتا، كبيرة استراتيجيي أسعار الفائدة لدى «نومورا للأوراق المالية»، إن «اليابان لم تشهد ضغوطاً سعرية بهذا الإصرار منذ صدمة النفط السابقة»، مشيرة إلى أن إبقاء التضخم قريباً من هدف «بنك اليابان» البالغ اثنين في المائة أصبح أكبر صعوبة.
ورغم أن الدعم الحكومي أبقى بعض مقاييس التضخم الأساسي دون مستوى اثنين في المائة، فإن «البنك المركزي» نفسه حذر من احتمال تجاوز التضخم الهدف؛ مما عزز التكهنات بشأن رفع الفائدة في وقت أقرب وبوتيرة أسرع.
ويرى المستثمرون الآن مساراً محتملاً لوصول أسعار الفائدة إلى اثنين في المائة، مقارنة بتقديرات سابقة كانت تشير إلى ذروة قرب 1.5 في المائة. وهذا التحول يكفي وحده لإعادة تسعير منحنى العائد بأكمله ورفع تكلفة الاقتراض الحكومي.
* 3 % ليست مجرد رقم
وتكمن حساسية مستوى 3 في المائة في أنه يتجاوز أنه حاجز نفسي للسوق؛ إذ يلامس مباشرة افتراضات الحكومة المالية.
وتقوم استراتيجية تاكايتشي الاقتصادية على فكرة أن النمو الاقتصادي سيظل أعلى من تكلفة الاقتراض طويلة الأجل، بما يسمح لليابان بتمويل الاستثمارات الجديدة والاستمرار في خدمة دينها الضخم من دون فقدان السيطرة على أوضاع المالية العامة.
لكن هذه الفرضية تصبح أكبر هشاشة إذا تجاوز عائد السندات لأجل 10 سنوات مستوى 3 في المائة بصورة مستدامة، بينما يدور التضخم حول اثنين في المائة، ويتوقع أن يظل النمو الحقيقي قرب واحد في المائة، وفق «رويترز».
وتتوقع الحكومة نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 0.9 في المائة خلال السنة المالية التي تنتهي في مارس (آذار) 2027، ثم 1.1 في المائة خلال السنة التالية.
في المقابل، خصصت الحكومة حالياً نحو 31 تريليون ين، أي نحو 195 مليار دولار، لخدمة الدين. وإذا ارتفعت العوائد فوق المستوى الذي بنيت عليه الموازنة، فإن هذه الفاتورة ستزداد سريعاً.
ووفق السيناريو الأساسي لوزارة المالية، فإنه إذا بلغ عائد السندات لأجل 10 سنوات 3.6 في المائة خلال السنة المالية 2029، فإن تكلفة خدمة الدين سترتفع إلى نحو 41 تريليون ين، أي بزيادة تبلغ نحو 10 تريليونات ين على المستوى الحالي.
وهذا الرقم يوضح حجم المشكلة؛ فكل ارتفاع مستدام في العوائد يلتهم حيزاً مالياً كان يمكن توجيهه إلى الاستثمار أو الدعم أو القطاعات الاستراتيجية.
* إنفاق أكثر... ومرونة أقل
وتزداد الضغوط لأن الحكومة رفضت وضع سقف للإنفاق على طلبات القطاعات الاستراتيجية في موازنة العام المقبل، بينما تسعى أيضاً إلى تنفيذ تخفيضات ضريبية على الغذاء.
ويعني ذلك احتمال زيادة إصدار السندات لتعويض الإيرادات المفقودة وتمويل برامج النمو، مما قد يزيد بدوره المعروض من الدين ويضغط أكثر على الأسعار ويرفع العوائد.
كما تواجه تاكايتشي ضغوطاً من داخل الحزب الحاكم نفسه، حيث يدعو جناح أكبر تحفظاً مالياً إلى ضبط الإنفاق والحد من توسع العجز.
وهكذا تصبح الحكومة عالقة في حلقة معقدة: ارتفاع تكاليف المعيشة يدفعها إلى زيادة الدعم وخفض الضرائب، لكن هذه السياسات توسعية وقد تغذي الطلب والتضخم، ثم تؤدي إلى ارتفاع العوائد وتزيد تكلفة خدمة الدين.
أما الأدوات المتاحة لتهدئة السوق، فهي محدودة ومؤقتة في نظر المحللين. وأحد الخيارات هو أن تعدل وزارة المالية جدول إصدار السندات، أو تخفض الإصدارات بصورة استثنائية في بعض الآجال، خصوصاً سندات الـ10 سنوات، إذا رأت أن السوق تواجه فائضاً في المعروض.
وقال أتارو أوكومورا، كبير استراتيجيي أسعار الفائدة لدى «إس إم بي سي نيكو للأوراق المالية»، إن تعديل إصدار السندات في توقيت غير معتاد قد يساعد في كبح ارتفاع العوائد، خصوصاً إذا ترافق مع إشارة واضحة إلى استعداد الوزارة لتقليل الإصدارات عند بعض الآجال.
لكن هذه الخطوة لا تحل المشكلة الأساسية؛ لأن الحكومة لا تزال بحاجة إلى التمويل، وبالتالي قد تؤجل الإصدارات أو تنقلها من أجل إلى آخر بدلاً من تقليصها جذرياً.
والخيار الثاني هو تدخل «بنك اليابان» عبر عمليات شراء طارئة للسندات إذا شهدت السوق تحركات سريعة وغير منتظمة تهدد الاستقرار المالي. وقد احتفظ «البنك» بهذه الأداة حتى مع بدء تقليص مشترياته الضخمة من السندات الحكومية، إلا إن التوقيت الحالي لا يبدو مناسباً للعودة إلى الشراء الواسع.
ووفق مصدر مطلع على تفكير «البنك»، فإن صناع السياسة لا يرون حتى الآن أن ارتفاع العوائد غير مبرر؛ لأنه يعكس في جانب كبير منه تغيرات في الأساسيات الاقتصادية، وعلى رأسها التضخم وتوقعات الفائدة.
* معضلة «بنك اليابان»
والمفارقة الأصعب بالنسبة إلى «بنك اليابان» أن أي زيادة كبيرة في مشتريات السندات لخفض العوائد قد تتعارض مع مسار تطبيع السياسة النقدية، وتبعث برسالة مربكة للأسواق في وقت يحاول فيه «البنك» كبح التضخم.
وقالت نعومي موغوروما، كبيرة استراتيجيي السندات لدى «ميتسوبيشي يو إف جيه مورغان ستانلي للأوراق المالية»، إن «بنك اليابان» لا يستطيع تثبيت توقعات التضخم إذا كانت الحكومة توسع الإنفاق وتضيف مزيداً من الضغوط السعرية إلى تلك الناجمة عن حرب الشرق الأوسط.
وأضافت أن «التضخم أصبح الآن الخطر الرئيسي لأي متعامل في السندات الحكومية اليابانية»، عادّةً أن جوهر المشكلة يتمثل في شكوك السوق بشأن مدى استعداد الحكومة فعلياً لمواجهة التضخم.
وبذلك، فإن أزمة السندات لا تبدو مجرد اضطراب عابر في سوق الدين، بل تعدّ اختباراً مباشراً لنموذج اقتصادي كامل. فإذا استقرت العوائد قرب نسبة 3 في المائة أو تجاوزتها، فستضطر حكومة تاكايتشي إلى إعادة الموازنة بين أولويات النمو والدعم والانضباط المالي، في وقت أصبح فيه هامش المناورة أضيق بكثير.
وفي النهاية، يبدو أن الأسواق ترسل رسالة واضحة إلى طوكيو؛ فاليابان لم تعد قادرة على التعامل مع ارتفاع الإنفاق وتكلفة الدين كأن حقبة الفائدة المنخفضة لا تزال قائمة. ومع عودة التضخم وتغير موقف «بنك اليابان»، أصبحت تكلفة كل قرار مالي أشد وضوحاً في سوق السندات.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا