العربي الجديد: قرى قضاء النبطية في جنوب لبنان.. عدوان إسرائيلي يطاول البشر والحجر
الرئيسية صاحبة الجلالة / Ecco Watan
الكاتب : محرر الصفحة
Sep 09 26|06:58AM :نشر بتاريخ
تحوّلت بلدات وقرى في قضاء النبطية جنوبي لبنان، خلال الأيام الماضية، إلى مسرحٍ دامٍ جراء الغارات الإسرائيلية التي طاولتها وأسفرت عن سقوط عددٍ كبيرٍ من الشهداء والجرحى، بينها المجزرة التي وقعت فجر أمس الاثنين في بلدة كفررمان، وأدت إلى استشهاد 11 شخصاً وجرح ثمانية، بينهم أطفال ونساء ومسعف، عدا عن سياسة التفجير والتفخيخ المستمرّة، بما يوسّع رقعة الدمار، ويجعل المناطق غير قابلة للحياة.
ودفع التصعيد الإسرائيلي الأخير العديد من الأهالي إلى النزوح من جديد، لا سيما على صعيد مدينة النبطية وقراها، في ظلّ مخاوف جدية من تكرار جيش الاحتلال استهدافاته إياها، ولا سيما أن التسريبات والتحليلات العسكرية والسياسية تتركز الآن على مستوى القضاء ربطاً بمرحلة ما بعد إعلان إسرائيل السيطرة العملياتية على تلّة علي الطاهر، علماً أنّ عودة السكان بعد توقيع اتفاق الإطار في 26 يونيو/ حزيران الماضي، بقيت خجولة وغير مستقرّة، لانعدام الثقة بـ"التعهّدات الإسرائيلية" وبأي ضمانات ممكن أن تلجم الاعتداءات.
وتركزت الاعتداءات الإسرائيلية خلال الأيام الثلاثة الماضية على بلدات عدة في قضاء النبطية، منها كفررمان، عربصاليم، النبطية الفوقا، النبطية التحتا، النبطية حي الراهبات، زوطر الغربية (علماً أنها ضمن المناطق التجريبية الأولى)، ميفدون، النبطية حي المسلخ، الكفور، دير الزهراني، إلى جانب الاستهدافات أيضاً التي تطاول زوطر الشرقية، وكفرتبنيت، ومنطقة الدبشة التي تقع عند أطرف مدينة النبطية الفوقا، وطريق سجد - الريحان بمنطقة إقليم التفاح، وغيرها من القرى والبلدات سواء على مستوى القضاء أو المحافظة.
وإلى جانب ما خلّفته هذه الاعتداءات من شهداء وجرحى، واصلت قوات الاحتلال تدمير مقار ومرافق صحية وطبية ورسمية، وبنى تحتية، لا سيما على مستوى مدينة النبطية وقراها، بما في ذلك تدمير مستشفى غندور بالكامل، وذلك بعدما كانت تحاول لملمة جراحها عقب اتفاق الإطار، إلى جانب أيضاً استكمال قصف القصور والفيلات الفخمة والمباني التراثية، التي كانت محور أهداف إسرائيل، لا سيما خلال عدوان مارس/ آذار 2026، من بينها منزل الطبيب عدنان الشريف التراثي، في حي الراهبات، الذي انتقل إلى آل جابر، ويعود إلى ثلاثينيات القرن العشرين، والذي كان يُعدّ من البيوت التراثية الأخيرة الصامدة في النبطية، إلى جانب تدمير قصر الشاعر والنائب السابق الراحل حبيب صادق في الكفور، والذي ارتبط بدوره بالذاكرة الثقافية بالجنوب.
وخلال الحرب الأخيرة، تعرّضت مدينة النبطية، التي تُعتبر عاصمة الجنوب الإدارية والاقتصادية، وتضمّ كل الدوائر الحكومية والمؤسسات الرئيسية التي تخدم المنطقة بأكملها، لاعتداءات عنيفة، أسفرت عن سقوط ما لا يقل عن 170 شهيداً، وقد ركّزت على أسواقها التجارية والتراثية، واستهداف ما تبقى من أعمدتها الاقتصادية، بعد حرب 2024، إلى جانب ضرب مدارسها ودوائرها الرسمية، والمقابر والأضرحة، ومقارّ البنك المركزي والدفاع المدني، وأحيائها السكنية وعناصر مادية أخرى.
واستهدفت إسرائيل خلال العدوان، وبشكل رئيسي، حي السراي الأثري، وسوق النبطية التاريخي، ودمّرت محاله، وحوّلت العديد من العمارات التراثية والأحياء والبيوت القديمة لركام، وألحقت أضراراً بالمحال والمؤسسات والدوائر الرسمية، مع تدمير كلّي للمركز الرئيسي للدفاع المدني، وغيّرت بذلك شكل المدينة الخارجي، الذي أصبح بجزء كبير منه "كلوحة ردم وأنقاض".
التصعيد يدفع بأهالي النبطية للنزوح مجدداً
وبالتوقف عند هذه التطورات وتداعياتها، يقول رئيس بلدية النبطية عباس فخر الدين لـ"العربي الجديد"، إنّ حوالى 90 إلى 95% من أهالي المدينة نزحوا منها، بعد الاعتداءات الأخيرة، وهناك حركة خجولة تُسجّل لبعض السكان لأخذ أغراضهم أو نقلها، مع جزء صغير جداً من المحال التي قررت فتح أبوابها اليوم الثلاثاء، لافتاً إلى أن "الوضع مأساوي ويندى له الجبين، ولا يمكن التعويل على أي هدوء أو راحة، فهذا العدو طباعه الغدر والمكر والمجازر"، مشيراً إلى أن القرى الستّ في قضاء النبطية مسيطَر عليها بالنار الإسرائيلي أي الزوطرين، الشرقية والغربية، ويحمر والنبطية الفوقا وكفرتبنيت وأرنون.
وإذ أوضح أن هناك الكثير من الكلام التهويلي حول توغل إسرائيلي في قلب مدينة النبطية، معتبراً أن هذا الحديث "غير مقنع"، قال فخر الدين في المقابل "في حال أخذ الإسرائيلي مواقع الدبشة والطهرة وعلي الطاهر، تكون المنطقة سقطت من الناحية العسكرية وتصبح مُسيطَراً عليها بالنار"، مشيراً إلى أن "هذا هو المخطط الإسرائيلي الأساس قبل التحرير عام 2000، وهو السيطرة على التلال الحاكمة، وبذلك لا يكون هناك من داعٍ للدخول إلى قلب البلدات، ويبدو أنه يحاول إحياء ذلك اليوم، لا سيما على مقربة من الانتخابات الإسرائيلية، الشهر المقبل، بحيث يريد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أن يقترع بدمنا في صناديق الاقتراع".
وأشار فخر الدين كذلك إلى أن استمرار عمليات القصف والتفجير من الاحتلال في النبطية الفوقا وكفرتبنيت وزوطر ويحمر، إلى جانب الطيبة والقنطرة ودير سريان (قضاء مرجعيون - محافظة النبطية) وغيرها من البلدات على مستوى القضاء أو المحافظة، يعني أنه يسيطر فقط ميدانياً على التلال، ولا يزال يخشى التوغل داخلياً. وشدد فخر الدين على "أننا نقف إلى جانب الجيش اللبناني، وهو موجود في المدينة"، لكنّ الجانب الإسرائيلي لا يريده، متوقفاً عند المطالبات بجعلها أو منطقة تلّة علي الطاهر "تجريبية"، داعياً لقراءة الوضع في زوطر الغربية، وهي ضمن المنطقة التجريبية الأولى، التي لا تزال تتعرض لاعتداءات.
ولفت فخر الدين إلى أنّ "إسرائيل لا تريد المفاوضات ولا تلتزم بأي بند أو اتفاق، وهي بعد وقف النار وتوقيع اتفاق الإطار، دخلت وسيطرت بالنار على قرى جديدة، وتعمل على تدميرها، مثل الزوطرين، وكفرتبنيت التي كانت على حدودها الشرقية من ناحية الخردلي - الزفاتة، والنبطية الفوقا باتجاه حدودها الشرقية نحو علي الطاهر، ووسط كل هذه الانتهاكات تخرج وتتهم حزب الله بخرق الاتفاق، وهذا كلّه كذب ونفاق"، وفق قوله.
نداء للجيش اللبناني
وعقب التطورات الأخيرة، والخشية من توسِعة العمليات الإسرائيلية، أطلق عددٌ من أبناء النبطية وجبل عامل والجنوب "نداء النبطية 2"، وذلك بعد إطلاقهم النداء الأول في يونيو الماضي، مطالبين، بـ"انتشار الجيش والقوى الأمنية في النبطية ومحطيها وعلى مداخلها، وتولّي الدولة المسؤولية الكاملة عن أمنها، وحصر قرار الحرب والسلم بمؤسساتها الشرعية، وإطلاق تحرّك سياسي ودبلوماسي عاجل، عربياً ودولياً، لوقف الاعتداءات ومنع اتّساع الاحتلال".
وشدد الموقعون على أن "النبطية ليست متراساً لأي محور، ولا ملكاً لأي جماعة سياسية. إنها مدينة أهلها، وعاصمة جبل عامل وحاضرته التاريخية، وجزء أصيل من الكيان اللبناني"، معتبرين أن "إنقاذها مسؤولية كل من يملك تأثيراً أو قراراً، وحمايتها تبدأ باستعادة الدولة دورها وإنهاء ازدواجية القرار التي أنهكت الجنوب، وأضعفت قدرته على حماية نفسه".
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا