الزيارة السنوية لمقام النبي أيوب ...شيخ العقل: سنبقى موحَّدينَ في مواجهة مشاريع التشويه والتغريب
الرئيسية سياسة / Ecco Watan
الكاتب : المحرر السياسي
Sep 12 26|12:25PM :نشر بتاريخ
ايكو وطن- الشوف - نسيب زين الدين
أحيت طائفة الموحّدين الدروز في لبنان نهار الجمعة، 11 أيلول 2026، الذكرى السنوية لزيارة مقام النبي أيوب (ع) في بلدة نيحا الشوف، في لقاء روحي - اجتماعي جامع، تحوّل خلاله المقام إلى منارة للتلاقي ووجهة سنوية لتجديد العهد على الثوابت الدينية والوطنية.
شارك في المناسبة إلى جانب شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي أبي المنى المشايخ الأجلاء: الشيخ أبو زين الدين حسن غنام والشيخ أبو داوود منير القضماني والشيخ أبو فايز أمين مكارم ولفيف من المشايخ الأعيان من مختلف وأعضاء من المجلس المذهبي وموظفون من المجلس ومشيخة العقل، إضافة الى فاعليات دينية واجتماعية وتربوية، ورؤساء بلديات ومخاتير وهيئات بلدية واختيارية ونسائية وأهلية توافدت من الجبل ووادي التيم وسائر المناطق.
وشهد المقام منذ ساعات الصباح الأولى توافداً للمشاركين، استجابة للدعوة التي وجهتها مشيخة العقل، وتفاعلت معها جمعيات عدة وفي مقدمتها تجمّع الجمعيات النسائية في الجبل وجمعيات من مختلف المناطق، في مشهد عكس التمسك بالمناسبة السنوية على غرار الأعوام المنصرمة، وقد تضمنت فعاليات اليوم سلسلة لقاءات ومحاضرات توحيدية تثقيفية، تناولت القيم المستخلصة من سيرة النبي أيوب (ع) في الصبر والإيمان والتسليم، أعقبتها المناسبة الرسمية في باحة المقام الغربية.
استهلت المناسبة بآيات من الذكر الحكيم تلاها الشيخ باسم أبو كروم، ثم كلمة ترحيبية من رئيس المصلحة الدينية والتربوية في المجلس المذهبي الشيخ فاضل سليم قائلاً:"إن زيارتنا السنوية لهذا المقام هي فرصة لنرجع إلى ذواتنا قبل أن نرجع إلى بيوتنا، لنسأل أنفسنا: كيف نصبر عند البلاء، وكيف نثبت عند الاختبار، وكيف نرحم عند القدرة، وكيف نحفظ في قلوبنا نور الايمان، مهما تبدّلت الأحوال وتقلبت الأيام. ومن هنا تأتي قيمة هذه المناسبة ورسالتها: فالمقام الديني ليس حجراً نقف عنده، ولا ذكرى نمرّ بها ثم ننصرف بل هو معنى نستحضره، وقيمة نحملها وعبرة نحاول أن نحوّلها إلى سلوك في حياتنا".
تلتها كلمة رئيس بلدية نيحا غسان فرحات باسم أهالي البلدة، متمنياً أن تتكرّر هذه الزيارة كمناسبة وطنية شاملة، ومشيراً إلى أن البلدية تعمل رغم الظروف الصعبة والانهيار الذي تمر به البلاد، على تأمين السلامة العامة في المقام، لافتاً إلى توجيه كتابين إلى وزارتي الطاقة والأشغال للمطالبة بتوفير الإنارة والصيانة للطريق المؤدية إلى المقام، كما هو حاصلٌ في سائر المراكز الدينية في لبنان، مطالباً شيخ العقل بدعم مطالب البلدية في هذا الشأن.
ثم ألقى رئيس اللجنة الدينية في المجلس المذهبي الشيخ عصمت الجردي كلمة اللجنة، قائلاً:
لِنَسْتَلْهِم النّبيَّ أيُّوب (ع) بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدُ للهِ على ما أنْعَمَ بهِ عَلَينا مِن تَعقُّلٍ هو أعْظَمُ العَطَايا، وللهِ المِنَّةُ والفَضْلُ بمَنْحِنا الصَّبْرَ الذي هو أشْرَفُ المَطَايا، ولا يُذكَرُ الصَّبْرُ إلَّا ويَسْتَضِيءُ القَلْبُ بذِكْرِ النَّبيِّ أيُّوبَ عليه السَّلام: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (ص:44). وهل مِنْ نَهْجٍ أشْرَفُ مِنَ الاقْتِدَاءِ بالأنْبِيَاءِ الكِرَامِ لِتَحَمُّلِ مَشَقّاتِ الزَّمَانِ وصُعُوبَاتِ الفَتْرةِ وما فيها مِن ثَوَرَانِ المِحَنِ والمُضَايقاتِ والشِّدَّةِ والمُعاناة؟ ولنا في سِيْرَةِ الأمِيرِ السّيّدِ جَمالِ الدين عبدالله التَّنُوخي(ق) مِثالٌ أعْلَى يُحْتَذى في الصَّبْرِ، على خُطَى النّبيّ أيُّوب(ع). أَلمْ يَكُنْ صَابِراً مُحْتَسِباً رَاضِياً مُسلِّماً بِوفاةِ ابنِه يَومَ زَفَافِه؟ أَلمْ يُوصِ بالصَّبْرِ على مِحَنِ الزّمَانِ والمَكارهِ والشَّدَائِدِ ولو كان فيها نَزْعُ الرُّوح، وبالثَّباتِ على الإيمان، وأنّهُ بذلك يُدْرَكُ نَعِيمُ الجِنَان؟ وإنّما نَقْتَدِي بِصَبْرِ النّبيّ أيُّوب(ع) في اللجُوءِ دَوْمَاً إلى الله تَعالى رَاضِينَ مُسَلِّمِين مُتَضَرِّعِين لِرَحْمَتِه في كُلِّ وقتٍ وحِين: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ۞ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾ (الأنبياء: 83-84).
وتأتي الاسْتِجَابةُ والرَّحْمَةُ مِن رَبِّ العَالَمِين ثَمَرةَ صَبْرِه وإخْلَاصِه لتُشكِّلا الأُسْوَةَ الطيِّبَةَ والعِبْرةَ لِذَوي الألْبَاب. فإنّما هذا الزَّمنُ الصَّعْبُ بما فِيهِ مِن قِيلٍ وسُوْءِ مَقَال، والمِحَنِ الثِّقَال، وانْفِلاتِ العِقَال، وتَسلُّطِ الأَلْسُنِ وصَوْلَةِ الجُّهَّال، يقتضي منّا هذا الصَّبْرَ "الأيُّوبيّ" الطويل واحْتِمَالَ ما آلَ إليه الزَّمَان. وهنا يَتَبادرُ إلى الخَاطِرِ قَوْلُ التَّابِعِيّ الجَّلِيلِ وَهْبِ بْن مُنَبِّهِ الصَّنْعانِي: «عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ عَارِفاً بِزَمَانِهِ، حَافِظاً لِلِسَانِهِ، مُقْبِلاً عَلَى شَأْنِهِ». فأنْ يَكُونَ العَاقِلُ "عَارِفاً بزمانِه"، يعني أنْ يُدرِكَ طَبائعَ النّاسِ في وقْتِهِ بحِكْمَةٍ وحَصَافَةِ ووَعْيّ وبَصِيْرَة، وأنْ يَعرفَ طَبيعةَ عَصْرِه وتَحدِّياتِه والفِتَنَ التي تُحيقُ بهِ؛ فَيَنْأَى عَنْهَا ويَتَجَنَّبُهَا بكلِّ فِطْنَةٍ ورُقيٍّ أخلاقيّ وعِلْمٍ تَوْحِيْدِيٍّ مُبِيَن، لأجْلِ حِمَايةِ دِيْنِهِ وبالتّالي مُجْتَمَعِه. أمّا أنْ يَكُونَ "حَافِظَاً لِلسانِه"، فمعناهُ أنْ لا يَلْغُو ولا يَسْهُو ولا يَلْهُو مع أهْلِ الضَّلَالَةِ اللَّاهِين، أُوْلَئِكَ الذين بَاتُوا يُكذِّبونَ بالدِّيْن، ويُجادِلونَ بغيرِ عِلْمٍ مَتِين، وألاّ يَخُوضَ مع الخَائِضِين ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ (الأنعام: 91)، بل يُؤثِرُ الصَّمْتَ ويُعامِلُ النَّاسَ بِيَقْظةٍ وتَرفُّعٍ ويَتَّقِي شَرَّ ألْسِنَتِهِم، ويُجادِلُهُم بالتي هي أحْسَن. وعلى هذا النحوِ يُقْبِلُ على شَأْنِه، زَاهِداً فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ، راجِياً رِضَى خَالِقِه، آمِلاً أنْ يَكْسِبَ في ذلِك خَيْرَاً ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المُدَّثَّر: 38). فَلا جِدَالَ في الدِّيْن، ولا تَطرُّفَ ولا إقْصَاءَ، ولا إفْرَاطَ ولا تَفْرِيطَ، بل اعْتِدَال واتّزان، إذْ إنَّ الفِطْرَةَ السَّلِيمةَ والعَقْلَ الَمُسْتَنِيرَ يُوجِبَانَ التّسَامُحَ والاعْتِدَالَ. نَعَم، في صَبْرِ أيُّوبَ(ع) واسْتِجَابةِ الله تعَالى رحمةٌ وذِكْرَى للعَابِدِين، فلْنَسْتَلْهِم سِيْرَتَهُ، ونحنُ مُسْتَمْسِكُونَ بشَجاعَةِ المُوحِّدِين، عَسَى أنْ تَمُرَّ الصِّعَابُ ونحنُ على خُطَاهِ صَابِرُون، فنَنَالُ مَسَرَّاتِ الفَرَجِ والفَوْزِ مِن أرْحَمِ الرَّاحِمِين.
شيخ العقل
وختاماً ألقى شيخ العقل الكلمة التالية:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدُ لله حمداً لا انقطاع له إلى أبد الآبدين، والصلاةُ والسلام على سيِّدِنا الهادي الأمين وعلى أنبياء الله الطاهرين وصحبِهمِ البررةِ أجمعين.
الأخوةُ والأخوات الفُضلاء، الأبناءُ الأعزّاء، أيُّها الزائرون الكرام،
تقبّلَ الله زيارتَكم، وألهمَنا وإيَّاكم الاستفادةَ من هذه الذكرى المبارَكة، بما لها من مَعانٍ وأبعاد، وكم هي جليلةٌ وجميلة، ونحن نلتقي وإيَّاكم في رحاب هذا المقام السامي، بسموِّه الروحي وسموِّه الجغرافي؛ المقامِ الرمز، مقامِ الصبر والتوكُّل وطلب الرحمة من الله سبحانه وتعالى، ومقامِ التعلُّق بالتراث والالتصاق بالأرض والهويّة.
فالنبي أيُّوب (ع) يُجسِّد أحد أرقى معاني التوحيد والإنسانية، بل يشكِّل مدرسةً من مدارسِهما، إذ هو عنوانٌ أسمى للعطاء والجود، ومعنًى أبهى للرضا والتسليم والقَبول والصبر على الابتلاء، ودرسٌ أوفى في مسلك الترقِّي من خلال الألم والعجز، لا من خلال القوة والعافية فحسب.
لقد أُنعم على النبي أيوب (ع) بالمال والمُلك، ثم ابتُليَ بالفَقرِ والمرض، وكما تكون المصائبُ والابتلاءُ اختباراً للمرء، كذلك تكونُ النِّعَمُ والعطايا، وكما تكون الصحة والعافية واليُسر نعمةً على المرء، كذلك يُمكن أن يكونَ الابتلاءُ نعمةً وفرصةً للفوز، وقد جاء في الحديث النبويّ الشريف أن "الله إذا أحبَّ عبدَاً ابتلاه"، وكما أنّ الحمدَ والشكرَ وتقديرَ النعمة واجبٌ، كذلك الحمدُ والشكرُ والصبرُ على المحن واجبٌ وسبيلٌ لكسبِ الأجر والثواب.
في الوقت نفسه، فإن مقام النبي أيُّوب (ع)، بموقعه وتاريخه ورمزيّته، يُجسِّد حالةً وجدانيةً لدى الموحّدين، تحملُ معنى التجذّرِ بالأرض وبالعقيدة، فمن سيرتِه نستلهمُ الأملَ والرجاء، وفي رحابه نتنشّقُ عبيرَ الأجداد والسلفِ الصالح، ومن مقامه نستذكرُ البطولاتِ والتضحياتِ، ومن صفاء روحِه وعُلوِّ مقامه نستمدُّ روحَ الصمود وإرادةَ الثبات.
لقد كان النبي أيُّوب (ع) عبدًا تقيّاً شاكرًا لأنعام الله، رحيمًا بالمساكين، يُطعِمُ الفقراءَ ويُعينُ الأراملَ ويَكفلُ الأيتام، ويؤدّي حقَّ الله عليه على أكملِ وجه. ابتلاه اللهُ واختبرَه بالنعمة والرخاء فلم تَفتُنْه زينةُ الحياة الدنيا، ولم تُشغلْه عن طاعةِ الله، ثم ابتلاه بعد ذلك بالضُّرّ الشديد في جسده وماله وولده، فصبر على ذلك صبرًا جميلًا، ولم ينقطعْ عن عبادة ربِّه وشُكرِه، ثمّ ابتلاه بالأمراض الجسيمة في بدنه، وهو في كلّ هذا البلاءِ صابرٌ مُحتسِب يرجو رضا اللهِ وثوابَه، إلى أن رَفع اللهُ عنه البلاءَ بعد ثماني عشرةَ سنة من العذاب، "وَأَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ، فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُ فَكَشَفۡنَا مَا بِهِ مِن ضُرّٖ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَهۡلَهُ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰبِدِينَ".
هذا ما تعلّمناه من سيرة النبي أيُّوب (ع)، وهذا ما نعتزُّ به بوجود هذا المقام الشريف في ديارِنا، ولنا في ذلك عبرةٌ نتناقلُها جيلاً بعد جيل، وسيرةٌ نستوحي منها معاني الصبر والرضا والتسليم، والتجذّرِ في الأرض وفي العقيدة، فقد ارتبط اسمُ "النبي أيُّوب" باسم الجبل والشوف، وباسم بلدة نيحا الأبيّة، فاحتضنَها المقامُ الطاهرُ بطيفِه الممتلئِ نعمةً وبهاءً، واحتضنتْه هي بعيونِ أبنائها وشَغاف قلوبِهم وعزم أياديهم، فكان هذا الشرفُ المعلَّقُ على كتف جبلنا الأشمّ، وهذا الواجبُ المُلقى على عاتقِنا جميعاً للحفاظ عليه وتقدير نعمةِ وجودِه المعبِّر؛ أكان في مشيخة العقل والمجلس المذهبي، أم لدى مشايخ البلاد المكرَّمين وعموم أبناء التوحيد الميامين؛ إذ هو مقامٌ يَحمينا بسرِّ صاحبِه في أيام المحن والصعوبات، ويُحيينا ببركتِه في أيام الخير والطيِّبات، فهل يليق بنا إلّا أن نحميَه من الإهمال وصخبِ الحياة، وإلّا أن نُحييَ فيه روحَ المحبة والأخوّةِ التوحيدية والوطنية؟ وإلّا أن نزورَه ونحُجَّ إليه حجَّاً روحيَّاً كلّما واجهْنا منحةً أو محنة، وحجَّاً جسديَّاً كلّما احتجنا لأن نتفيّأَ في ظلال قُبَّته التوحيدية وسنديانته المعروفية، إذا ما سنحت لنا سانحة أو عصفت بنا جائحة، وكلّما هبّ في القلب الحنينُ لمعناه وذكراه؟ وها نحن نلتقي اليومَ جمعاً من شيوخٍ وشبابٍ وأُخوة وأخوات في زيارته السنوية المباركة التي سنّ سُنَتَها سلفُنا الصالحُ، فنُعيدُ إحياءَها معَكم ومعَ شيوخنا الأجلَّاء، على بركة سيرتِه العطرة وعلى نيّةِ جمعِ الشمل وصيانةِ المجتمع؟
من مقام النبي أيوب (ع) نُطِلُّ على الشوف من عَلٍ، ونحن نستند إلى جبل الباروك الشامخ الراسخ على قيم المعروف والمحبة والبطولة، ونَستظلُّ عباءةَ الأرز والتاريخ والتوحيد، فتمتدُّ آمالُنا وأحلامُنا من الماضي البعيد إلى المدى الجديد، حيث لنا في كلِّ حِقبةٍ تاريخيةٍ ذكرى مجيدة، وفي كلِّ موقِعٍ وطنيّ مَعلَمٌ روحيّ، من البيَّاضة الشريفة جنوباً إلى مزار الأمير السيِّد غرباً، وإلى كلِّ خلوةٍ ومزارٍ وبُنيانٍ روحيٍّ فوق تلال الجبل وسهول وادي التيم، وحيث التعلُّقُ بالأرض هو نوعٌ من أنواع التعلُّقِ بالعقيدة والهويّة، وحيثُ المستقبَلُ رهنُ تعلُّقِنا بقيمِنا الروحية والاجتماعية، ورهنُ ثباتِنا في هذه الأرضِ ووحدتِنا.
ومن مقام النبي أيُّوب (ع) نعاهدُ أنفسَنا وأهلَنا بأن نبقى راسخين في إيماننا وتوحيدِنا، معتّزين بتاريخِنا وتراثِنا، محافظينَ على هويَّتنا الروحية، موحَّدينَ في مواجهة مشاريع التشويه والتغريب وأبواقِ السُّوء والترهيب، قيادة سياسية حكيمة نعتزّ بها وهيئة روحية توحيدية نستظل بركتها، معلنين، بكلِّ ثقةٍ ويقين، أنّنا لإسلامِنا الأنقى مُخلصون، وبإيمانِنا الأعمق لائذون، ولمسلك الإحسان والتوحيد الأرفعِ مُنتمون، وعلى نهجِ الأمير السيّد (ق) سائرون، وبتعاليم السلف الصالح متمسّكون.
وفي كلِّ مقامٍ من مقاماتِنا، ومن هذا المقام المبارَك بالذات، نعيشُ لحظات الخشوع والسكينة والتأمُّل، ومن أرفعِ قممِ التوحيد ومسالك التقوى نُطلُّ على معارجِ الحياة بخشوعٍ ورجاء، لعلَّ الإيمانَ في قلوبِنا يرفعُنا فوق تلال الهوى وهضاب المادة، ولعلَّ العودةَ إلى الذات تُنقذُنا من الضَّلال والضّياع، ونعمةَ الصبرِ والقربِ من الله تُعيدُ الأملَ إلى اليائسِ، والعافيةَ إلى السقيم، والطُمأنينةَ إلى القلِق، والراحةَ إلى المُتعَبِ المُنهَك، فينهضَ من جديد، ولعلّها تُثبِّتُ عزيمةَ القويِّ، وتَشحذُ إرادةَ المتمكِّن فيزدادُ تقدُّماً في تطهير النفس وعملِ الخير وخدمة المجتمع.
ومن مقام النبي أيُّوب (ع) وطبيعةِ موقعِه الجذّابة، حيثُ القِممُ العليّةُ والسُّفوحُ الأبيّة، نُطلُّ كذلك على التاريخَ بكلِّ تضاريسِه ومنعطفاتِه، لنَشهدُ من هنا على الانتصارات والبطولات والتضحيات، وكذلك على الخيباتِ والانكسارات، ونُؤكّدُ أننا هنا باقون بعونه تعالى، وإن تكسّرتِ الأغصانُ وتناثرتِ الأشلاءُ يوماً، لكنَّ جذورَ التوحيد ثابتةٌ لا تنكسر، وإرادةَ البقاء قويّةٌ لا تتأثّرُ برياحٍ عدوانيةٍ من هذه الجهة أو بتياراتٍ هدّامةٍ من تلك الجهة، وكم هي كثيرةٌ وخطيرة تلك الرياحُ والتيارات؛ فكريةً واقتصاديةً وعسكرية، داخليةً وخارجية، تدفعُنا حيناً للانحناء والحذر كي لا تقتلعَنا العاصفة، وأحياناً عديدةً للتصدّي البطولي كي نحفظَ الأرضَ ونصونَ العرضَ ونُتمِّمَ الفرض، وتحثُّنا دائماً للتسلّحِ بالإيمان واليقين ووحدة الموقِفِ قبل أيِّ سلاحٍ آخر، وللتخصّل بخصال التوحيد والاجتماعِ على كلمة الحقِّ، فالحقُّ أحقُّ أن يُتَّبع، وللتوحُّدِ في مواجهة كلمة الباطل، فالباطل أَولى أن يُرفَضَ وعنه يُرتَدَع.
إن العقيدةَ التوحيديةَ ثابتة، والتقيُّدَ بتعاليمِ حفظ الإخوان ليس اجتهاداً، بل هو فرضٌ واجب، والاختلافُ في الرأي لا يَجوزُ أن يُخرجَنا عن النهج الصحيح، ومشيخةُ العقل التي نُمثِّلُ هي موقعٌ دينيٌّ اجتماعيٌّ وطنيٌّ، يخدمُ جميعَ أبناء الطائفة دون استثناء، ويعملُ على ضمان حقوقها، وهذا ما يستوجبُ منا الرؤيا الشاملة وما يحتّمُ علينا التحدثَ بمسؤوليةٍ بعيداً عن التجاذبات والمواقفِ الشخصية، وما يضعُ كلَّ واحدٍ منّا أمام مسؤولياتِه، لتقديم ما أمكن من جهدٍ لتعزيز وضع الطائفة، والوقوفِ سدّاً منيعاً في وجه ما يُحاكُ من مؤامراتٍ لعزل أهلِنا عن واقعِهم، ولتشويهِ هويَّتِهم وتفريقِ صفوفِهم، فنحن روحٌ واحدة؛ حقيقتُنا ومظاهرُنا ومعالمُنا ومقاماتُنا واحدة أينما كنّا، فليتحمّلْ كلٌّ منا مسؤولياتِه وليقدِّمْ ما هو أنسبُ لنصرة الطائفة وتوحيدِ صفوفِها، ولنتركِ الأمورَ السياسيةَ والتجاذباتِ الإقليميةَ لأهلها، فنحنُ، من موقعِنا الديني، مُطالَبون قبل غيرنا بالتواصل فيما بيننا، والتعاونِ لمواجهة الخطر المُحدق بأوطانِنا.
أيُّها الأخوةُ والأخوات، أيُّها الأبناءُ الأعزَّاء، أنبياؤُنا وحكماؤُنا مناراتُنا، بأنوارهم نهتدي وبتعاليمِهم نقتدي؛ من الحكماء المعلمينَ الأوائلِ والأنبياءِ القدوةِ الأماثل، كالنبيّ أيُّوب (ع)، إلى الأنبياء والرسُل الذين حملوا الرسالاتِ السماويةَ، وأولئك الأصفياءُ الذين كان لهم الدورُ الأكبرُ في مؤازرتها بروح التوحيد والعرفان، وكالنبيّ شُعيب (ع) الذي كان هادياً قومَه إلى طريق الخير والعدل والاستقامة والأمانة وعدم الغش والخداع، ثم قادماً إلى منطقة الجليل الأسفلِ في حطِّين، حيث مقامُه الطاهرُ، وحيث كان له الدورُ الأكملُ في قيام الشريعة، إتماماً لأمرِه تعالى في نموِّ شجرة التوحيد ونُضوجِ ثمارِها، وقد غدا بالنسبة إلينا رمزاً إيمانياً أرفعَ، مُجسِّداً بدورِه التوحيديّ الحكمةَ والحقَّ والكمالَ الحقيقيّ، كما جسّدَ النبي أيّوبُ معنى الصبرِ والانتصارِ على المحنة، وكما جسّدَ الأميرُ السيِّدُ التنوخيُّ إرادةَ الرضا والتسليم والثباتِ، وأرسى نهجَ التقوى والتقيّة، بما يتجاوزُ عندنا حالةَ التعصُّبِ الديني والولاءِ السطحيِّ والتعلُّق بالتكاليفِ وحجارةِ المكان وحسب، توقاً إلى عيشِ الصفاء الروحي والولاء الصادق، وشوقاً لرؤية النور المنبثق من بينِ أحجار المكان، إذ هو المعنى الحقيقيُّ للحجّ والزيارة، بما فيه من الحبِّ والشوقِ والطُمأنينة، والإيمانُ الحقُّ بأن اللهَ وحدَه من وراء القصد، وفي ذلك قُلنا:
كلُّ الأماكنِ تَبقى عندنا حجراً
إنْ لم يُرَ النورُ في شوقٍ نُكابدُهُ
ليس المكانُ، ولكنْ ما نُعمِّرُهُ
بالحبِّ، والحبُّ أغلى ما نُشاهدُهُ
أمّا حبُّنا الأكبرُ وكنزُنا الأغلى في كلِ تلك الرحلة الإيمانية الممتدةِ من زَرعِ السادةِ الأوائلِ؛ أهلِ الحكمة والعرفان، إلى فصول الوحيِ الإلهيّ المتكاملةِ في الأديان، فإلى حقائقِ الإسلامِ والإيمان؛ فهو التوحيدُ الحَقُّ، ذلك النُّسغُ المُحيي والنَّبضُ الحيُّ الذي لم ولا يتوقَّف، من قَبلُ ومن بعد، وقد جرت آياتُه وأسفارُه وتعاليمُه على ألسُنِ الحكماءِ والأنبياء والأحبار والصحابة الأخيار والأئمّةِ الأبرار والسادة الأطهار الذين هم شموسُ هذه الدوحةِ الإيمانية وأقمارُها ونجومُها ومصابيحُها الوهَّاجةُ وبهاءُ أنوارِها، التي بها اهتدى المسلمون المؤمنون الموحِّدون عبرَ الزمن، وما زالوا يهتدون.
ختاماً، أيُّها الأحبّةُ، أقولُ لكم في مثل هذا المكان وفي مثل هذا الزمان: ثقوا بأنفسِكم وبالله، وتعلّموا من صاحبِ المقام الصبرَ ومواجهةَ التحديات، واعلموا أن التوحيدَ هو سبيلُ الإنسان المؤمن إلى الخلاص، بما يتطلَّبُه هذا السبيلُ من سعيٍ حثيثٍ ومسافرةٍ دائمة في درجات العلم والعمل، ومن جُهدٍ واجتهاد للسيطرة على النفس الأمَّارةِ بالسُّوء، اجتناباً ثمّ اكتساباً، ومن التزامٍ بالأوامر والنواهي، ومن اعتدالٍ ومرونةٍ، دون إفراطٍ ولا تفريط، أملاً بتحقيق الغاية الإنسانية والوصول إلى السعادة الحقيقية التي هي مطلبُ الروح، لا مطلبَ الجسد.
مباركةٌ زيارتُكم، مقبولٌ دعاؤُكم، ومأجورٌ سعيُكم، قدَّرنا اللهُ وإيَّاكم للثبات على ما يُرضيه وما يُحصّنُ النفوسَ والمجتمعَ، والشكرُ لكم على المشاركة والحضور، ولكلِّ من واكب وعمل وساهم في تنظيم هذه الزيارة، من المصلحة الدينية والتربوية في المجلس المذهبي؛ الشيخ فاضل سليم وورفاقِه، ووكيل المقام الشيخ كهيل ذبيان الذي له الفضل في صيانة المقام ورعايته، والجمعيات المشاركة والمتطوِّعين الأعزّاء، آجركم الله جميعاً، ولْنرفعِ الدعاءَ وإيَّاكم إلى الله تعالى بقلوبٍ مؤمنةٍ صادقة، راجين العفوَ والمغفرة عمّا مضى، والإعانةَ والتوفيقَ وصبرَ أيُّوبَ في مواجهة ما نحن قادمون عليه.
زيارة مقبولة، بارككم الله وبارك عيالَكم وأحبَّاءكم، وكلُّ عامٍ وأنتم بخير.
واختُتمت المناسبة بسهرة دينية جامعة بحضور المشايخ الاجلاء، في أجواء من الخشوع والوقار، تحدث خلالها، إلى جانب الشيخ أبي المنى، الشيخ ماجد أبو سعد عن مآثر صاحب الذكرى في الإيمان واليقين والصبر، وعن أهمية استلهام تلك المآثر والعبر والتمسك بالقيم الروحية في ظل الظروف الصعبة التي يمرّ بها الوطن.
وكانت قد شارك الحلقات التثقيفية التي قدمها الشيخ سلمان شيّا والشيخ فاضل سليم منذ العصر عددٌ كبير من الزائرين، لا سيما من الشباب والنساء، تضمنت الإضاءة على سيرة صاحب المقام والدعوة الى تحصين النفوس والعائلات والمجتمع بقيم الإيمان والخير والفضيلة.
خلوة الحصن – أغميد
وكان الشيخ ابي المنى قد شارك قبل الظهر في اللقاء الديني السنوي في خلوة الحصن في بلدة أغميد بحضور جمعٍ من المشايخ الأعيان والإخوان من قرى الجبل والوادي، حيث كانت له كلمة معبِّرة ودعوة إلى جمع الشمل والارتقاء إلى مستوى مسلك التوحيد، داعياً الجميع للمشاركة في إحياء الزيارة السنوية إلى مقام النبي أيوب (ع).
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا