الجمهورية: الدعم الدولي للجيش في ميزان السلاح والسيادة... الرهان النيابيّ: مساءلة الحكومة أم إسقاط الثقة؟
الرئيسية صاحبة الجلالة / Ecco Watan
الكاتب : محرر الصفحة
Sep 15 26|07:22AM :نشر بتاريخ
تتركّز الأنظار اليوم على ساحة النجمة، حيث سيناقش مجلس النواب الحكومة على مدى يومين في ما قامت به في كل المجالات منذ تشكيلها وحتى الآن. ويُتوقع ان تتنوع فيها المداخلات النيابية بين مؤيّد ومعارض، من دون أن يُعرف ما إذا كان نواب او كتل سيطرحون الثقة بها من عدمه. في وقت استبعدت أوساط سياسية حصول خطوة من هذا النوع في ظلّ الظروف الحساسة التي يمرّ فيها لبنان والمنطقة راهناً. اللهمّ الّا إذا كان وراء الأكمة ما وراءها، في ظلّ تبدّل في بعض الأمزجة الإقليمية سلباً إزاء الحكومة، وتأكيد رئيس مجلس النواب نبيه بري المتكرّر من أنّ «إتفاق الإطار طار»، وقول البعض إنّ «لا مخرج للبنان الرسمي والسياسي منه، ومواجهة التعطيل الإسرائيلي له الّا بتغيير الحكومة». خصوصاً انّ الجميع يستبعدون حصول أي إنجاز عملي في المفاوضات قبل الانتخابات الإسرائيلية المقرّرة في 27 تشرين الاول المقبل. ويرون انّ جولة المفاوضات الثامنة إذا انعقدت الشهر المقبل، لن تكون نتائجها أفضل من سابقاتها.
عشية جلسة مجلس النواب لمساءلة الحكومة اليوم، بدا المشهد السياسي انّها ستنعقد في لحظة سياسية شديدة الحساسية، ولا تبدو انّها ستكون مجرد جلسة رقابية روتينية، لأنّ عدد طالبي الكلام تجاوز 55 نائباً، ما يؤشر إلى انّها ستشهد نقاشاً واسعاً وطويلاً، وإلى رغبة نيابية في اختبار أداء الحكومة ومساءلتها في ملفات تتجاوز الأداء الوزاري المباشر إلى الخيارات السياسية والسيادية الكبرى.
ويُنتظر أن تتركّز المواجهة المتوقعة حول ثلاثة مستويات:
ـ أداء الحكومة وإنتاجيتها، وخصوصاً في الملفات الاقتصادية والمالية والخدماتية والإدارية.
ـ إدارة الملفات السيادية والأمنية، وفي مقدّمها وقف الاعتداءات الإسرائيلية وانسحاب إسرائيل من الأراضي الجنوبية المحتلة وإعادة النازحين وإعادة الإعمار، وكذلك ما فعلته في مجال قرار حصرية السلاح بيد الدولة.
ـ العلاقة داخل السلطة التنفيذية ومدى الانسجام بين مكوناتها وقدرتها على اتخاذ قرارات واضحة وتنفيذها.
وتقول أوساط نيابية، إنّ أهمية الجلسة لا تكمن فقط في عدد النواب الذين سينتقدون الحكومة، بل في معرفة ما إذا كانت هذه الانتقادات ستتحول إلى أكثرية نيابية قادرة على اتخاذ قرار سياسي ضدّ الحكومة أو أحد الوزراء.
جلسة عراضات
وقال مصدر سياسي بارز لـ«الجمهورية»، انّ الجلسة الثانية لمساءلة حكومة الرئيس نواف سلام «ستكون عابرة من دون أي ارتدادات، لأنّ القوى السياسية كانت مختلفة ومنقسمة حول الملفات السياسية بدرجاتها القصوى، إلاّ انّ الجميع يتقاطع حول عدم إمكانية أي خرق سياسي داخلي او تغيير او خضّات، لذلك فإنّ الحكومة ستسمع الكثير وستتلقّى سهاماً بكل الاتجاهات، لكن ستنتهي الجلسة وكأنّ شيئاً لم يكن، وسينقسم النواب بين فريق مدافع وفريق مهاجم، وكل هذا سيبقى مضبوطاً تحت سقف غياب الغطاء الخارجي لأي دعسة ناقصة». وأضاف المصدر: «هي جلسة عراضات عنوانها الوضع الاقتصادي والمالي والسلاح والطاقة وحتى العفو العام. وسيكون الخميس يوماً آخر».
وكشف المصدر، أنّ «لا نية لطرح الثقة في الحكومة إلّا إذا طلب رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل، وهذا الاحتمال ينطوي على نتيجتين يفترض أن يكون قد حسبهما باسيل: إما تجديد ثقة هزيلة بالحكومة، وإما أن تبقى النتيجة كما كانت عليه في جلسة المساءلة الأولى التي حصلت في 15 تموز الماضي ونالت فيها 69 صوتاً يمكن ان ترتفع النتيجة إلى 70، فيكون قد ارتكب خطأ، لأنّه سيكرّس لها شرعية أراد انتزاعها، وإما أن يعطيها ثقة «عالحفة»، وهذا مستبعد».
موقف «التيار»
وفي السياق، قالت أوساط «التيار الوطني الحر» لـ«الجمهورية»، إنّ نواب «لبنان القوي» سيفنّدون أخطاء الحكومة وثغرات عملها في كل الملفات. كما أنّ كلمة رئيس التكتل النائب جبران باسيل ستشكّل مضبطة اتهام شاملة في حق الحكومة. وأكّدت هذه الأوساط، أنّ جلسة المساءلة التي طالب بها «التيار» منذ فترة تأتي في سياق متواصل، تميّز بتوجيه نحو 50 سؤالاً للحكومة، وانسجاماً مع موقعه كمعارضة، وبالتالي فإنّ مساءلته هذه خاصة به ومختلفة عن مواقف ما تعتمده القوى المشاركة في الحكومة جميعها، بحسب أوساط «التيار».
الاجتماع التحضيري
في هذه الأثناء، تتّجه الأنظار الديبلوماسية والأمنية نحو الاجتماع التحضيري لمؤتمر باريس لدعم الجيش اللبناني، الذي ينعقد في إطار التنسيق بين باريس وبيروت والعواصم الفاعلة، وسط ظروف ميدانية وسياسية دقيقة. ويفترض أن يشهد المؤتمر اجتماع قمة يجمع رئيس الجمهورية جوزاف عون بنظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون. كما يحضر المؤتمر قائد الجيش العماد رودولف هيكل وممثلو الأجهزة الأمنية اللبنانية.
وتتلخّص حاجات الجيش والمؤسسات الأمنية التي يحملها الوفد اللبناني إلى باريس في نقاط عدة أساسية: الأولى هي تجهيز العتاد واللوجستيات، من خلال الحصول على آليات نقل وأجهزة اتصالات متطورة ومعدات حماية ومسح ميداني، تمكّن المؤسسة العسكرية من تعزيز انتشارها. وكذلك في مواجهة التحدّيات الاقتصادية والمالية التي تعاني منها المؤسسة العسكرية، لضمان جاهزية العناصر والأفراد واستقرارهم. ويركّز المسعى الفرنسي على ضمّ قوى الأمن الداخلي إلى مظلة الدعم، بهدف تمكينها من ضبط الأمن الداخلي وحفظ الاستقرار في الداخل، ما يفرّغ الجيش لمهامه الحدودية.
ولكن، وفق مصادر ديبلوماسية لـ«الجمهورية»، هناك اتجاه أميركي إلى ربط حجم المساعدات ونوعيتها بمدى قدرة الدولة والجيش اللبناني على تنفيذ التزامات سحب السلاح وبسط السلطة الشرعية حصراً، وحظر أي ظواهر مسلحة خارج إطار الدولة. وثمة اعتقاد بأنّ الجهات الداعمة للجيش ما زالت تتعاطى بحذر مع الملف، انتظاراً لإصلاحات وضمانات سياسية واضحة تلتزمها الحكومة اللبنانية لضمان فرض الدولة قرارها، خصوصاً في ما يتعلق بالسلاح. أي إنّ مؤتمر باريس يرتبط بمسار المفاوضات وقدرة الجيش على الانتشار في الجنوب. كذلك، تتزامن اجتماعات العاصمة الفرنسية مع نقاشات في الأروقة بين باريس وروما وواشنطن حول مستقبل قوات «اليونيفيل» التي تنتهي ولايتها في نهاية السنة الجارية، والبحث في صيغ لتشكيل قوة بديلة منها في الجنوب.
اختبار الانتقال
وعلى جبهة المفاوضات، قال مصدر ديبلوماسي لـ«الجمهورية»، إنّ تأجيل جولة المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية التي كانت مقرّرة في روما خلال أيلول الجاري إلى تشرين الأول، لا يعني بأيّ شكل من الأشكال أنّ المسار التفاوضي قد دخل مرحلة تعطيل، بل إنّ الاتصالات القائمة تؤكّد استمرار الرعاية الأميركية لهذا المسار، بدليل التحضير لاجتماع بين السفيرَين اللبناني والإسرائيلي في واشنطن، بالتوازي مع العمل على تحديد موعد جديد لجولة روما. وتؤكّد المعطيات، أنّ التأجيل ارتبط أساساً باعتبارات تتصل بالروزنامة الديبلوماسية، ومنها الأعياد اليهودية والاستعدادات لاجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة ومؤتمر باريس المخصَّص لدعم الجيش اللبناني.
واشار المصدر، إلى أنّ أهمية المرحلة المقبلة تكمن في أنّ المفاوضات لم تعُد أمام سؤال تثبيت مبدأ الحوار، بعدما أصبح هذا المسار قائماً ومستمراً، بل أمام اختبار القدرة على الانتقال من «صيغة الإطار» إلى خطوات تنفيذية ملموسة. فالجولات السابقة أحرزت تقدُّماً في بعض الجوانب التقنية والميدانية، وخصوصاً في البحث في «المناطق التجريبية» وانتشار الجيش اللبناني فيها. إلّا أنّ الملفات الأكثر حساسية بقيت بلا تسوية نهائية، وفي مقدّمها الانسحاب الإسرائيلي، وآلية التحقق من التنفيذ، والترتيبات الأمنية، بالإضافة إلى مسألة سلاح «حزب الله». وقد أظهرت جولة روما السابقة، أنّ الخلاف لم يعُد محصوراً في المبادئ العامة، بل بات يتصل بتفاصيل ميدانية دقيقة تحدّد سبل تطبيق أي تفاهم على الأرض.
وبحسب المصدر، فإنّ المناطق التجريبية باتت تشكّل المدخل الفعلي لقياس جدّية المسار التفاوضي. فإذا أمكن الاتفاق على نماذج محدّدة للانتشار والانسحاب والتحقق، يصبح في الإمكان الانتقال تدريجياً إلى مراحل أوسع، أمّا إذا بقي الخلاف قائماً حول طبيعة هذه المناطق ومن يبدأ بالخطوة الأولى فيها، فإنّ المفاوضات ستبقى تدور في الحلقة ذاتها. ومن هنا، فإنّ الأولوية اللبنانية في المرحلة المقبلة تبدو متّجهة إلى تثبيت صورة انتشار الجيش على الأرض وتعزيز حضور الدولة، قبل الغوص في تفاصيل تقنية جديدة، بما يحوّل أي تقدّم تفاوضي إلى واقع ميداني يمكن البناء عليه.
وأضاف المصدر الديبلوماسي، أنّ المعادلة التي تحكم المفاوضات تبدو ثلاثية الأبعاد: لبنان يريد انسحاباً إسرائيلياً واضحاً، وتثبيت سيادة الدولة، وفتح الطريق أمام استقرار طويل الأمد وإعادة الإعمار؛ إسرائيل تريد ضمانات أمنية تحول دون عودة أي تهديد عسكري من الأراضي اللبنانية؛ فيما تسعى واشنطن إلى إبقاء الطرفَين داخل المسار الديبلوماسي ومنع انهياره، في اعتبار أنّ الإطار الذي ترعاه يشكّل، وفق الرؤية الأميركية، الآلية العملية التي تجمع بين استعادة السيادة اللبنانية وتوفير الضمانات الأمنية لإسرائيل. وهذا ما يفسّر، إلى حدّ كبير، إصرار الإدارة الأميركية على استمرار الاتصالات حتى في الفترات التي تشهد تصعيداً ميدانياً.
ورأى المصدر، أنّ واشنطن لا تتعامل مع تأجيل روما في اعتباره فراغاً زمنياً، بل فرصة لإعادة ترتيب عناصر التفاوض، ولذلك فإنّ اجتماع السفراء في العاصمة الأميركية يكتسب أهمية تتجاوز كونه لقاءً تحضيرياً. فاستمرار التواصل المباشر، بالتوازي مع البحث في المناطق التجريبية وآليات الانتشار والتحقق، يعني أنّ المسار لا يزال قيد الاختبار، وأنّ الإدارة الأميركية تحاول إبقاء الخلافات ضمن إطار يمكن احتواؤه بدلاً من انتقالها إلى مواجهة مفتوحة.
وفي هذا السياق، اعتبر المصدر أنّ دخول الجيش اللبناني إلى المناطق التي يتمّ التوافق عليها بوصفها «تجريبية»، يحمل بُعداً يتجاوز الجانب الأمني البحت، لأنّه يختبر قدرة الدولة على تحويل مبدأ استعادة السيادة إلى حضور فعلي على الأرض. ولذلك، فإنّ أي ترتيبات جديدة في مناطق مثل علي الطاهر وغيرها، لا ينبغي النظر إليها كخطوات منفصلة، بل كجزء من مسار يُراد منه تكريس الجيش بوصفه المرجعية الأمنية الشرعية الوحيدة، وإعطاء السكان في الجنوب مؤشراً عملياً إلى أنّ الدولة قادرة على ملء الفراغ الذي قد ينشأ عن أي انسحاب إسرائيلي.
لكن المصدر يحذّر من أنّ العامل الأكثر خطورة على المسار التفاوضي هو استمرار التصعيد الميداني، لأنّ كل جولة جديدة من العمليات العسكرية والغارات والردود، ترفع سقف المخاوف الأمنية لدى الجانب الإسرائيلي، وفي المقابل تزيد الضغط السياسي والشعبي داخل لبنان. وبالتالي، فإنّ الوقت لا يعمل بالضرورة لمصلحة التأجيل، إذ إنّ تراكم الوقائع العسكرية يمكن أن يجعل العودة إلى طاولة التفاوض أكثر صعوبة، ويحوّل البحث من تسوية قابلة للتنفيذ إلى مجرد إدارة للأزمة.
ويخلص المصدر الديبلوماسي إلى أنّ الجولة المقبلة ستكون اختباراً مزدوجاً: من جهة، لقدرة لبنان على تثبيت موقع الدولة والجيش كمرجعية وحيدة في الجنوب؛ ومن جهة ثانية، لقدرة الولايات المتحدة على استخدام نفوذها لضبط التوازن بين المطالب اللبنانية والهواجس الإسرائيلية. ولذلك فإنّ أهمية روما لا تكمن في انعقاد الجولة بحدّ ذاته، بل في ما إذا كانت ستنجح في نقل المفاوضات من مرحلة اختبار النيات إلى مرحلة اختبار التنفيذ.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا