البناء: انقلاب الرهان الأميركي السعودي على تغيير من اليمن… واجتماع ألمانيا لم ينفع

الرئيسية صاحبة الجلالة / Ecco Watan

الكاتب : محرر الصفحة
Sep 16 26|07:00AM :نشر بتاريخ

كشفت المعلومات التي نشرها موقع «أكسيوس» عن الاجتماع العسكري المغلق الذي عُقد الأسبوع الماضي في ألمانيا، حجم الرهان الأميركي الإسرائيلي السعودي على تعديل موازين القوى في المنطقة انطلاقاً من اليمن، وحجم الفشل الذي أصاب هذا الرهان بعد سيطرة أنصار الله على المخا وميون وجزر حنيش وإحكام السيطرة الفعلية على باب المندب. فقد جمع قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر رؤساء أركان إسرائيل والسعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر والأردن ومصر، في أول اجتماع من نوعه منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. ووفق المعلومات الإسرائيلية، بحث الاجتماع توسيع التعاون العسكري والاستخباراتي، وسبل تقديم «إسرائيل» دعماً للسعودية في مواجهة أنصار الله، على غرار الدعم الذي قدّمته للإمارات في مجالات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع. كما عرض كوبر خطة توسيع حركة السفن في مضيق هرمز، وطمأن الحاضرين إلى عدم انسحاب القوات الأميركية من المنطقة. لكن النتائج جاءت معاكسة لما أُريد للاجتماع. مضت خمسة أيام على التحول في باب المندب، وسقطت المهلة التي كان يمكن خلالها شنّ هجوم معاكس قبل استقرار أنصار الله في مواقعهم الجديدة. ولم يبقَ بيد السعودية سوى الغارات الجوية، وهي دون مستوى ما تعرّض له اليمن منذ عام 2015، ودون الغارات الأميركية والإسرائيلية التي فشلت في وقف جبهة إسناد غزة. وبذلك يبدو أن الرهان على تغيير الموازين اليمنية قد سقط بالتقادم، وأن قمة الجنرالات في ألمانيا لم تنتج قوة قادرة على تغيير الجغرافيا الجديدة.

وفي أسواق الطاقة، بدأ سعر برنت عند 108.50 دولارات رحلة الاقتراب من عتبة 110 دولارات، مسقطاً الرهان الأميركي على تهدئة السوق عبر الحديث عن توسيع حركة السفن في مضيق هرمز. فالسوق لا يتعامل مع عدد السفن التي تظهر على شاشات التتبّع، بل مع صافي البراميل القابلة للوصول إلى المستهلكين واستدامة طرق الإمداد. ولذلك فإن إضافة مليون برميل محتمل عبر هرمز لا تعني تحسّن المعروض عندما تصبح خمسة ملايين برميل مهدّدة بالخروج من السوق نتيجة السيطرة على باب المندب وتعطّل خط الشرق والغرب السعودي الواصل إلى ينبع. وقد تحوّل استهداف الخط من حادث عابر إلى دليل على قابلية تكرار تعطيله، وسقوط الرهان عليه بديلاً آمناً من مضيق هرمز. فحتى إذا وصلت البراميل إلى ينبع، تبقى أمامها بوابة باب المندب، حيث نشأت معادلة جديدة لا تستطيع الغارات وحدها إلغاءها. وفي المقابل، أدّى تأجيل اجتماع صلالة بين إيران ودول الخليج إلى تراجع فرص التهدئة، بينما عادت المواجهة حول الناقلات إلى رفع حرارة المضيق. وهكذا اجتمعت المخاطر في هرمز وخط ينبع وباب المندب، وبدأ السوق يحسب كلفة غياب التسوية لا كلفة تعطل ممر منفرد. وما يقوله سعر 108.50 دولارات هو أن روايات تحسن التدفق فقدت قدرتها على طمأنة الأسواق، وأن كل يوم تأخير في العودة إلى التفاوض يقرّب البرميل من مستويات تفرض على واشنطن التراجع تحت ضغط التضخم والأسواق والانتخابات.

وفي كيان الاحتلال، أسقطت المواجهة مع فيلم «نازا» القناع الديمقراطيّ الذي طالما أُستخدم لتجميل صورة «إسرائيل» في الغرب، ولتغطية الحرب على الفلسطينيين. الفيلم الذي أخرجه يوفال أبراهام وراشيل زور، واستند إلى شهادات أربعة وعشرين ضابطاً وجندياً وعاملاً في الاستخبارات حول استخدام الذكاء الاصطناعي في اختيار الأهداف وإدخال أعداد كبيرة من المدنيين ضمن حسابات القصف، نال جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان فينيسيا واستُقبل بتصفيق استمر خمساً وعشرين دقيقة. وبدلاً من فتح تحقيق في الشهادات، أعلن المسؤولون الإسرائيليون الحرب على المخرجين والمشاركين؛ ووصف بنيامين نتنياهو الفيلم بالتحريض، وطالب وزير الثقافة ميكي زوهار بسحب جنسية مخرجيه، وصدرت دعوات إلى التحقيق في التسريبات وملاحقة المشاركين بتهمة الخيانة.

بالتوازي، شهد مجلس النواب اللبناني مناورة سياسية غير موفقة في الهروب من الأسئلة، عندما قدّم رئيس الحكومة نواف سلام كلمة مطولة أجابت عن أسئلة غير مطروحة، وركّزت على خسائر الحرب وحصرية السلاح ومفهوم السيادة، من دون الإجابة عن الأسئلة الأصلية: لماذا منح اتفاق الإطار الاحتلال ذريعة ربط الانسحاب وعودة السكان وإعادة الإعمار بنزع سلاح المقاومة، وليس ما إذا كان حصر السلاح شأناً سيادياً للدولة، طالما أن البعد السيادي فيه يسقط بتحويله شرطاً إسرائيلياً للانسحاب وسبباً إسرائيلياً للتحكم بعودة السكان وإعادة الإعمار؟ وما جدوى التفاوض إذا كانت سورية، التي خرجت بحكمها الجديد من محور المقاومة وقدّمت كل ما يطلبه الغرب وتخلّت عن أوراق قوتها، لم تنجُ من الاحتلال والعدوان بينما تواصل التفاوض؟ وكيف تصبح السيادة عنواناً لتجريد لبنان من قوته، بينما يُعفى الاحتلال من التزاماته؟ سلام لم يناقش مأزق لبنان، بل ناور على مجلس النواب بتبديل الأسئلة، لأن الإجابة عن الأسئلة الحقيقيّة تفرض الاعتراف بأن الطريق يبدأ بالحوار وتجميع أوراق القوة، لا بتقديمها مجاناً للاحتلال.

تتقدّم التحضيرات للجولة المقبلة من المفاوضات بين لبنان و»إسرائيل» على وقع حراك دبلوماسي متسارع يتجاوز طاولة التفاوض نفسها، إذ عُقد، بناءً على رغبة واشنطن، اجتماع تحضيري بين سفيري البلدين تمهيداً للجولة الثامنة، ووضع جدول أعمال الجلسة الموسعة المقررة في تشرين الأول، على المستويين العسكري والسياسي. وفي موازاة المسار التفاوضي، يتوسّع الحراك الدولي حول لبنان ليشمل دعم الجيش وتعزيز حضور مؤسسات الدولة، في ظلّ اهتمام أميركي واضح بتثبيت هذا المسار. وهذا التوجه عبّر عنه كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، الذي أكد ثقة واشنطن بالرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، مشدداً على ضرورة دعم الجيش اللبناني وتعزيز حضور مؤسسات الدولة وممارستها لدورها. كما أشار إلى أهمية الدور العربي في لبنان، معتبراً أنه دور محوري توليه الإدارة الأميركية اهتماماً كبيراً في سياق دعم الدولة ومؤسساتها. ويتكامل هذا المسار مع الحضور الأميركي المباشر في الجنوب، حيث زار السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى المنطقة واطّلع ميدانياً على الأوضاع والتقدم المحرز والتحديات القائمة في المناطق التجريبية. وأكدت السفارة الأميركية التزام واشنطن بدعم الحكومة اللبنانية والجيش في تعزيز سلطة الدولة وحماية المدنيين وتوفير الخدمات، وتهيئة الظروف التي تسهم في تحقيق سلام واستقرار دائمين، مشيرة إلى مواصلة العمل مع جميع الأطراف المعنية لدعم مزيد من الأمن والاستقرار في الجنوب.

إلى ذلك، يأتي مؤتمر باريس المخصّص لدعم الجيش في صلب هذا الحراك، مع مشاركة دولية وعربية واسعة، وبحضور الرئيس جوزاف عون والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وملك الأردن عبد الله الثاني، في إطار مسار يربط دعم المؤسسة العسكرية بالمرحلة الأمنية والسياسية المقبلة.

وأجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالًا هاتفيًا مع رئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري، بحث خلاله الجانبان، وفق ما ذكرت وكالة «إرنا»، التطورات الإقليمية وضرورة تعزيز التنسيق بين دول المنطقة لمواجهة هيمنة «إسرائيل» وإشعالها الحروب ضد لبنان وسائر دول المنطقة. وأشار عراقجي إلى اهتمام إيران الدائم بالحفاظ على السيادة الوطنية ووحدة الأراضي اللبنانية في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية التي وصفها بـ»الإبادة الجماعية»، مؤكدًا «دعم الجمهورية الإسلامية الإيرانية الكامل للمقاومة اللبنانية الكريمة ضد احتلال النظام الصهيوني واعتداءاته».

وأعرب بري من جهته، عن تقديره للجمهورية الإسلامية الإيرانية على دعمها للبنان، وقدم تقريرًا عن الوضع الراهن في جنوب لبنان. كما أشار إلى الجرائم الإسرائيلية ضد لبنان، مؤكدًا المسؤولية القانونية والأخلاقية للمجتمع الدولي والدول الإسلامية عن وقف انتهاكات النظام المحتل للقانون، ومحاسبة المجرمين ومعاقبتهم.

إلى ذلك، عرض رئيس الجمهورية جوزاف عون مع وزير الدفاع الفنلندي التطورات في المنطقة عموماً والجنوب خصوصاً، داعياً الاتحاد الأوروبي إلى المساهمة في إعادة إعمار لبنان. ورحب عون بأي دولة ترغب في إبقاء قواتها في الجنوب بعد انتهاء مهلة «اليونيفيل»، مؤكداً أن الجيش اللبناني «يقوم بواجباته كاملة»، وأنه «لا صحة إطلاقاً للادعاءات الإسرائيلية بشأن تقصيره في أداء مهامه». وقال رئيس مجلس الوزراء نواف سلام: «وضعنا إعادة تأهيل البنى التحتية في الجنوب ودعم صمود أهله في صلب أولويات حكومتنا، واليوم أُعيد فتح ممر قعقعية الجسر وإعادة وصل قضاءي النبطية وبنت جبيل، لنعيد تباعاً ما دمّرته الاعتداءات ونؤمّن مقومات الصمود والعودة».

وفي ساحة النجمة، تحوّلت جلسة مناقشة الحكومة إلى اختبار سياسي مفتوح حول شكل الدولة ودورها في المرحلة المقبلة. فكلمة رئيس الحكومة نواف سلام دافعت عن مسار حكومته وربطت التعافي بالإصلاح وبسط سلطة الدولة، مؤكداً أن الدولة وحدها تملك قرار الحرب والسلم، وأن التفاوض مع «إسرائيل» هو الطريق الدبلوماسي لاستعادة الحقوق والانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية.

في المقابل، كشفت مداخلات النواب اتساع الهوة السياسية حول اتفاق الإطار وآليات تنفيذه وحصرية السلاح، وسط اعتراضات على غياب الوضوح.

وقال رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل إن الحكومة «حكومة المحاور والفتنة والاستسلام»، منتقداً أداءها، ومؤكداً أن «التفاوض مع «إسرائيل» ليس غطاءً لاستمرار الحرب بل لوقفها»، وأنه مع الهدنة والسلام «وليس الاستسلام».

أما رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل فاعتبر أن الحكومة أمام فرصة لإعادة بناء الدولة، داعياً رئيسها إلى فرض هيبة الدولة والقانون والدستور، ومحذراً من أن فشلها قد يدفع لبنان نحو التفكك.

وسأل النائب جورج عدوان سلام «كيف تتجرأ أنت وحكومتك على حصر السلاح؟»، معتبراً أن هذا الملف يستوجب المساءلة، كما انتقد موقف الحكومة من ملفات أخرى، بينها ما حصل مع وزير الخارجية.

وقال النائب علي حسن خليل إن «التفاوض ليس تهمة والدبلوماسية ليست تنازلاً»، مشدداً على أن أي تفاوض أو اتفاق «يُقاسان بالنتيجة وبما أعطيا لبنان وبما رتّبا عليه»، ودعا إلى الحوار والشراكة وعدم تحويل الخلاف السياسي إلى قطيعة وتحريض.

ورفض النائب حسن عز الدين اتفاق الإطار بصيغته المطروحة، معتبراً أن «إسرائيل» هي أساس الأزمة، وشدد على التوافق الوطني والمقاومة في مواجهة الضغوط الخارجية.

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : البناء