خداج في رثاء نسيم الخوري: رحيل المثقف وبقاء الكلمة
الرئيسية سياسة / Ecco Watan
الكاتب : فاروق غانم خداج
Sep 30 26|07:25AM :نشر بتاريخ
كتب الباحث في الأدب والفكر الإنساني فاروق غانم خداج في رثاء البروفسور نسيم الخوري في إيكو وطن:
"ثمة رجال لا يُختصر رحيلهم في خبر، ولا تُستعاد سيرتهم في سطور النعي، لأن ما تركوه لا يقيم في الصور والسير الذاتية وحدها، بل في ذاكرة الذين تعلّموا منهم، وفي الأفكار التي أثاروها، وفي كلمات ظلّت تعمل في عقول من عرفوهم.
في 29 أيلول 2026، غاب نسيم شفيق الخوري، أستاذ الإعلام في الجامعة اللبنانية، تاركًا مسيرة جمعت بين التعليم والصحافة والبحث والكتابة والعمل الإعلامي. وُلد في الكفير ـ مرجعيون عام 1948، وحصل على إجازتين من الجامعة اللبنانية في اللغة العربية وآدابها والإعلام عام 1972، ثم نال دكتوراه في العلوم الإنسانية من السوربون ـ باريس الثالثة عام 1975، ودكتوراه دولة في الإعلام من الجامعة اللبنانية عام 2002.
لكن هذه المحطات تكشف أكثر من سيرة مهنية؛ إنها ترسم مسار رجل انتقل بين اللغة والإعلام والجامعة، وظلّ مشغولًا بعلاقة الكلمة بالمجتمع والسلطة. منذ عام 1982، درّس في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية، وتولّى رئاسة الفرع الثاني فيها، وأشرف وشارك في مناقشة أطروحات الدكتوراه. وعمل صحافيًا وفي العلاقات العامة بين بيروت وباريس، كما تولّى بين عامي 1990 و1992 مهمة المدير العام المفوّض للبرمجة والإنتاج في تلفزيون لبنان. وفي عام 2007 مُنح وسام الأرز الوطني برتبة ضابط عام.
ولهذا فإن حضوره في الجامعة لا يُقاس بالمناصب وحدها. فالجامعة تحتفظ بأستاذها في العقول التي مرّت بين يديه، وفي المهنة التي خرج إليها طلابه. وقد أشارت الجامعة اللبنانية في نعيه إلى أن كبار الصحافيين تتلمذوا على يديه؛ وهي شهادة تختصر مكانته التعليمية أكثر مما تفعل عناوين السيرة.
ومن كتبه التي تختزن جانبًا أساسيًا من مشروعه «الإعلام العربي وانهيار السلطات اللغوية» الصادر عام 2005. بحث الخوري فيه في التحولات التي أحدثتها وسائل الاتصال في اللغة والقراءة والكتابة، وفي انتقال مواقع التأثير مع صعود الشاشات والتقنيات الجديدة.
وكان هذا الانشغال بالتحول الرقمي سابقًا على الذكاء الاصطناعي الذي يشغل النقاش الإعلامي اليوم. ففي مقال له عن الإعلام والإنترنت، كتب عن «الكتابة الإلكترونية التي تشغل الشاشات والعقول».
من هنا يبدو السؤال الذي تركه انتقال الكلمة من الورق إلى الشاشة قابلًا للتجدد: إذا كانت الشاشة قد غيّرت طريقة القراءة والكتابة، فماذا تفعل الآلة التي تستطيع أن تنتج نصًا في ثوانٍ؟
الجامعة والذاكرة... ما يبقى بعد الرحيل
لقد تواصلنا مرتين. لا أقول ذلك لأصنع من علاقتنا ما لم تكن عليه؛ لم تكن بيننا صداقة طويلة، ولم تجمعنا سنوات من اللقاءات. لكنني أتذكر الحديثين لأنهما لم يبقيا في حدود المجاملة العابرة.
كان أحد محاورهما الصحافي نفسه: دوره، ومسؤوليته، وما الذي يحدث للمهنة عندما تتبدل أدواتها وتتغير علاقتها بالجمهور. ثم وصل الحديث إلى الذكاء الاصطناعي، وما يمكن أن يفعله في الكتابة والصحافة. وتوقفنا كذلك عند الإعلاميين الذين تتحول المهنة عند بعضهم إلى مساحة للمجاملة والتزلف، وعند الحد الفاصل بين أن يكون الصحافي قريبًا من أصحاب القرار وأن يفقد المسافة التي تحمي كلمته.
وجدتُ في هذا الحديث صدى لما كتبه الخوري نفسه عن الإعلام والسلطة. فقد تناول تأثير المال والنفوذ والإغراءات في العمل الإعلامي، وتوقف عند ما يمكن أن يصيب استقلال المهنة عندما تدخل المصالح إلى صميمها. لذلك بقي الحوار في ذاكرتي بوصفه حديثًا عن الصحافة، نعم، لكنه كان أيضًا حديثًا عن المسؤولية التي تجعل من الصحافي صاحب رسالة لا مجرد ناقل للأخبار.
ولأنني كنت أتحدث إليه من موقع الكاتب والباحث، كان لتشجيعه لي وقع خاص. لا أستطيع أن أضيف إلى الحديثين تفاصيل لم أعد أملك ألفاظها الدقيقة، ولا أريد أن أحمّل الذاكرة ما لا تحتمل. لكنني أذكر المعنى جيدًا: أن رجلًا أمضى عقودًا في الجامعة والإعلام منحني من وقته واهتمامه ما جعلني أخرج من الحديث وأنا أشعر بأن ما أكتبه يستحق أن أواصل الدفاع عنه.
بعض الكلمات لا تبدو كبيرة لحظة تُقال، لكنها تكبر مع الأيام.
وهذا، ربما، من أجمل أدوار الأستاذ: أن يمنحك ثقة لا تنتبه إلى حجمها في لحظتها، ثم تكتشف لاحقًا أنها ساعدتك على مواصلة الطريق.
ومن هذه الزاوية أستعيد الخوري اليوم. فقد كان من جيل يعرف قيمة الكتاب، لكنه تابع انتقال الكلمة إلى الشاشة، وقرأ مبكرًا أثر الإنترنت في الكتابة واللغة. واليوم، مع الذكاء الاصطناعي، تبدو الأسئلة التي انشغل بها أكثر اتساعًا: من يتحمل مسؤولية ما يُكتب؟ من يراجع الحقيقة؟ من يحمي اللغة من أن تتحول إلى مجرد أداة للتداول؟ وأين يقف الصحافي عندما تصبح الآلة قادرة على إنتاج الخبر والصورة والصوت؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى إجابات جاهزة بقدر ما تحتاج إلى وعي بما يترتب عليها. ولعل قيمة المثقف لا تكون في أن يقدم أجوبة نهائية، بل في أن يعرف أيّ الأسئلة يستحق أن يبقى مفتوحًا.
ومع تكاثر المنصات، وتراجع المسافة بين الخبر والتعليق، وبين الصحافي وصانع المحتوى، يبقى سؤال الخوري عن استقلال الإعلام ومهنية الصحافي متصلًا بمستقبل المهنة نفسها. فالتحول التقني قد يبدّل أدوات الصحافة، لكنه لا يستطيع وحده أن يحدد معناها.
رحل نسيم الخوري، وبقيت سيرته موزعة بين الجامعة التي درّس فيها، والكتب التي كتبها، والصحافيين الذين تتلمذوا على يديه، والذين حملوا من أسئلته شيئًا إلى مهنهم وحياتهم.
أما أنا فسأحتفظ منه بما يخصني وحدي: حديثين، وتشجيعًا، وإحساسًا بأن الكلمة التي يكتبها الإنسان بصدق تستحق أن تجد طريقها.
وهذا يكفي لأفهم أن الأستاذ لا يغيب تمامًا؛ فقد يغادر القاعة، لكن شيئًا منه يظلّ جالسًا في عقل تلميذه.
والأسئلة الكبرى لا تموت مع أصحابها".
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا