ترامب يصعّد الحرب على الجنائية الدولية بعقوبات شاملة.. وأوروبا أمام اختبار صعب

الرئيسية اقتصاد / Ecco Watan
الكاتب : المحرر الاقتصادي
Oct 09 26|19:40PM :نشر بتاريخ
فرضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عقوبات واسعة على المحكمة الجنائية الدولية، تستهدف قدرتها على إجراء المعاملات المالية والحصول على الخدمات التكنولوجية والتأمينية، في تصعيد غير مسبوق ضد المؤسسة القضائية التي تلاحق مسؤولين إسرائيليين وتحقق في جرائم حرب دولية، ما يهدد بإشعال مواجهة دبلوماسية جديدة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين.
وجاء القرار، الجمعة 9 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بعد ساعات من إعلان فوز القاضية السابقة بالمحكمة، الجنوب أفريقية نافي بيلاي، بجائزة نوبل للسلام تقديراً لإسهاماتها في تعزيز القانون الدولي وملاحقة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية.
وتمثل الخطوة تحولاً جوهرياً في استراتيجية واشنطن، من معاقبة قضاة ومدعين عامين بأسمائهم إلى استهداف المحكمة نفسها، بما يهدد البنية التشغيلية والمالية للمؤسسة التي تتخذ من لاهاي مقراً لها، وفق رويترز.
عقوبات تستهدف شل المحكمة مالياً وتكنولوجياً
وصف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو المحكمة الجنائية الدولية بأنها «محكمة مارقة»، مؤكداً أن إدارة ترامب لن تسمح بمحاكمة مواطنين أميركيين أمامها.
وأوضح أن العقوبات تستهدف حظر المعاملات مع المحكمة وحرمانها من الموارد اللازمة لممارسة أنشطتها، بعدما اعتبرت واشنطن أن الدول الأعضاء فيها لم تستجب لمطالبها المتعلقة باختصاص المحكمة القضائي.
وتتجاوز التداعيات المحتملة القرار السياسي إلى العمليات اليومية، إذ يمكن أن تؤدي القيود إلى تعطيل الحسابات المصرفية والخدمات التأمينية والبرمجيات التي تعتمد عليها المحكمة.
غير أن وزارة الخزانة الأميركية أصدرت أربعة تراخيص عامة تستثني بعض المعاملات المرتبطة بالاتصالات والبرمجيات والمعاشات التقاعدية والمحتجزين، في محاولة للإبقاء على أنشطة محددة خارج نطاق الحظر.
وذكرت وكالة أسوشيتد برس أن الإجراءات تتضمن مهلة انتقالية مدتها ستة أشهر لبعض الكيانات الأميركية لإنهاء تعاملاتها مع المحكمة، ما يفتح نافذة محدودة للمفاوضات قبل اتساع الآثار التشغيلية للعقوبات.
نتنياهو وأفغانستان.. جذور المواجهة مع واشنطن
تعود جذور الخلاف إلى رفض الولايات المتحدة منح المحكمة سلطة قضائية على مواطنيها دون موافقتها، باعتبار أنها ليست طرفاً في نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة.
وتفاقم الصدام بعد إصدار المحكمة في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 مذكرتي اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة، وهي اتهامات ترفضها إسرائيل.
وسبقت ذلك خلافات بشأن التحقيق في جرائم محتملة ارتُكبت خلال الحرب في أفغانستان، بما يشمل تصرفات أفراد من القوات الأميركية.
وخلال ولايته الأولى، فرض ترامب عقوبات على مسؤولين بالمحكمة عام 2020، قبل أن تلغيها إدارة جو بايدن في 2021. ومع عودته إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025، أعاد ترامب استخدام العقوبات ضد مسؤوليها، وصولاً إلى استهداف المؤسسة بأكملها.
وتعكس هذه الإجراءات محاولة أميركية للحد من قدرة المحكمة على ممارسة اختصاصاتها، بينما يرى المدافعون عن استقلالها أنها تهدد مبدأ مساءلة الأفراد عن الجرائم الدولية الخطيرة.
ضغوط مالية تدفع المحكمة للاستغناء عن خدمات أميركية
لم تنتظر المحكمة دخول العقوبات الجديدة حيز التنفيذ لتعديل بنيتها التشغيلية، إذ اتخذت خلال الأشهر الماضية إجراءات لتقليل اعتمادها على الشركات الأميركية.
واستبدلت المحكمة بعض برمجيات مايكروسوفت بمنصة «أوبن ديسك» الألمانية، وأعادت ترتيب خدماتها المصرفية والتأمينية، بل لجأت إلى دفع رواتب موظفين مقدماً لتقليل مخاطر التعطل، حسب ما كشفت فايننشال تايمز، في تقرير نشرته 25 سبتمبر/أيلول.
وفي الأول من أكتوبر/تشرين الأول، أكدت رويترز إنهاء المحكمة تعاقدها مع شركة التأمين الفرنسية «أكسا»، بعد تقرير لفايننشال تايمز ربط الخطوة بمخاطر العقوبات الأميركية.
وتكشف هذه التطورات أن تأثير العقوبات لا يقتصر على المؤسسات الأميركية، بل يمتد إلى شركات أوروبية تخشى فقدان الوصول إلى الأسواق والنظام المالي الأميركي.
أوروبا أمام اختبار حماية استقلال القضاء الدولي
تضع العقوبات الاتحاد الأوروبي أمام معضلة تجمع بين التزاماته القانونية تجاه المحكمة ومصالحه الاقتصادية والأمنية مع واشنطن.
وتضم المحكمة 125 دولة عضواً، بينها جميع دول الاتحاد الأوروبي، بينما تبقى الولايات المتحدة وتركيا خارج عضويتها من بين دول حلف شمال الأطلسي.
ويبحث الأوروبيون إمكانية استخدام «آلية الحجب» لحماية الشركات الأوروبية من الآثار العابرة للحدود للعقوبات الأميركية، بحسب رويترز وفايننشال تايمز.
لكن نجاح هذه الآلية ليس مضموناً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالبنوك الدولية التي تعتمد على الدولار والنظام المالي الأميركي.
ونقلت وول ستريت جورنال أن القيود قد تعزل المحكمة عن المعاملات الدولارية، فيما تضغط واشنطن على حلفائها لتقييد اختصاصاتها القضائية.
نوبل للسلام تمنح المحكمة دعماً معنوياً
تزامن التصعيد مع فوز نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام، بعد مسيرة شملت عملها قاضية بالمحكمة الجنائية الدولية بين عامي 2003 و2008، ومفوضة سامية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة بين عامي 2008 و2014.
وأكدت لجنة نوبل النرويجية أن اختيارها يستهدف الدفاع عن سيادة القانون الدولي في وقت تتعرض فيه المؤسسات القضائية لضغوط سياسية متزايدة.
ورفضت نائبة المدعي العام للمحكمة، نزهة شميم خان، العقوبات، مؤكدة أنها لن توقف التحقيقات والملاحقات القضائية.
وفي بيان منفصل نقلته رويترز، دعت المحكمة الدول الأعضاء إلى توفير الضمانات والموارد اللازمة لاستمرار عملها، محذرة من أن مستقبل العدالة الجنائية الدولية بات مرتبطاً بمدى استعداد الحكومات للدفاع عنها.
وبذلك تتحول المواجهة من خلاف حول مذكرات اعتقال محددة إلى اختبار أوسع لقدرة المؤسسات القضائية الدولية على العمل عندما تتعارض قراراتها مع مصالح القوى الكبرى.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا