سلام في افتتاح حديقة البطريرك هزيم: لتبق بيروت كما احبها البطريرك اغناطيوس
الرئيسية سياسة / Ecco Watan
الكاتب : المحرر السياسي
Oct 17 26|16:22PM :نشر بتاريخ
أقيم حفل افتتاح حديقة البطريرك أغناطيوس الرابع هزيم في حديقة السيوفي الاشرفية، برعاية رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام وبدعوة من بلدية بيروت، حضره اضافة الى سلام وزوجته السفيرة سحر بعاصيري، نائب رئيس مجلس الوزراء الدكتور طارق متري، متروبوليت بيروت للروم الأرثوذكس الياس عودة ممثلا بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس يوحنا العاشر يازجي، النواب: غسان حاصباني، عدنان طرابلسي، نديم الجميّل، نقولا الصحناوي، بولا يعقوبيان، جهاد بقرادوني، هاغوب تريزيان، المطارنة: غطاس هزيم، قسطنطين كيال، الياس الكفوري ودانيال كوريية، النواب السابقون نقولا نحاس، عاطف مجدلاني ومروان أبي فاضل، محافظ بيروت القاضي مروان عبود، رئيس بلدية بيروت ابراهيم زيدان، رئيس جامعة القديس جاورجيوس الدكتور أنطوان حداد، وممثلون عن رؤساء الاجهزة الأمنية وعدد من الكهنة وأعضاء مجلس بلدية بيروت وحشد من المواطنين.
بداية النشيد الوطني، ثم قدم الحفل سمير نعيمة الذي قال: "ولد حبيب هزيم في محردة – سوريا في الرابع من نيسان عام 1920، وهو البكر في عائلته، وقد تتلمذ على والده المعلم أسعد في مدرسته. في العام 1936 انتقل إلى بيروت ناشئاً في مطرانيتها، وفي العام 1937 التحق بالكلية الدولية فأنهى دراسته الثانوية عام 1943. درس العلوم الفلسفية والتربوية في الجامعة الأميركية، وقد نال الإجازة عام 1945. سيم شمّاساً في العام 1941 على اسم القديس أغناطيوس الأنطاكي، ومنذ ذلك الحين بدأ يعمل بقوة في الحقل الرعائي وبرز مرشداً للشبيبة. في العام 1949 التحق بمعهد القديس سرجيوس الأرثوذكسي في باريس، حيث نال الإجازة في اللاهوت والفلسفة. بعد عودته إلى بيروت سيم كاهناً في العام 1953، وأسس كلية البشارة وتولّى إدارتها منذ العام 1953 إلى أن رُسم أسقفاً في العام 1962 وعُيّن وكيلاً بطريركياً على عهد البطريرك ثيودوسيوس السادس (أبو رجيلي)، الذي انتدبه في السنة ذاتها لتولي رئاسة دير سيدة البلمند ومدرسته الإكليريكية. في العام 1965 انتخبه المجمع الأنطاكي المقدس مطراناً على أبرشية اللاذقية. وفي الثاني من تموز عام 1979 انتُخب بطريركاً على أنطاكية وسائر المشرق ونُصّب في الكاتدرائية المريمية باسم أغناطيوس الرابع، وهو البطريرك المئة والسابع والخمسون على أنطاكية. في كانون الثاني 1981 ترأس الوفد المسيحي إلى مؤتمر القمة الإسلامية (دورة فلسطين والقدس) في الطائف، فعُرف لمواقفه الوحدوية وحواره الديني والوطني في المشرق العربي بلقب "بطريرك العرب" في الأوساط العامة والإعلامية".
وتابع: "عُرف أيضاً بلقبَي "بطريرك الوفاق" و"شيخ أنطاكية ومعلمها"، وكان له دور بارز في تثبيت الهوية المسيحية المشرقية وفي تعزيز الحوار الإسلامي – المسيحي والتقارب بين الكنائس. أسس جامعة البلمند في العام 1988 وترأس مجلس أمنائها. هو أحد الرؤساء السابقين لمجلس الكنائس العالمي (1983 – 1991)، وشغل منصب نائب رئيس الاتحاد العالمي للطلبة المسيحيين (1960 – 1968)، أحد مؤسسي مجلس كنائس الشرق الأوسط ورئيسه من 1974 إلى 1994، كما كان أحد مؤسسي الرابطة العالمية للشباب الأرثوذكسي «سندسموس»، وان مؤرخ الكنيسة الأنطاكية أسد رستم يقول: «إن ضاعت الأصول ضاع التاريخ» ... يا أبتِ، البطريرك، كيف سيضيع التاريخ معك وأنت الأصول... هنا وهناك؟".
وختم: "عدت يا بطريرك الوفاق إلى بيروت، عدت إلى المدينة التي أحببت، إلى بيروت حيث أسلمتَ الروح في الخامس من كانون الأول عام 2012".
عبود
والقى القاضي عبود كلمة قال فيها:" نلتقي اليوم في قلب الأشرفية، لنكرم رجلًا كبيرًا أحب بيروت وأحبته، وترك في قلوب أهلها أثرًا لا يمحوه الزمن. إنه البطريرك إغناطيوس الرابع هزيم. نكرمه اليوم بطريركا قاد نهضة روحية وفكرية وتربوية في الكنيسة الأنطاكية، وآمن بأن الإيمان لا ينفصل عن العلم، وأن خدمة الله تبدأ بمحبة الإنسان وخدمته. ونكرمه أيضًا أبا ومربيا عرفته الأشرفية في سيدة البشارة، حيث رافق أجيالا من أبنائها، وكان قريبا من التلاميذ والعائلات، حاضرا في حياتهم".
وتوجه الى المطران عودة قائلا: "ما بدأه البطريرك هزيم من نهضة في الكنيسة الأنطاكية، نرى امتدادًا لروحه في ما حققتموه في أبرشية بيروت، من بناء للمؤسسات، واهتمام بالتربية، وخدمة للإنسان. لقد جمعكما إيمان واحد: أن قيمة ما نبنيه لا تكمن في الحجر بل في الإنسان الذي تخدمه".
وتوجه الى الرئيس سلام قائلا: "إن حضوركم اليوم يحمل معنى وطنيا كبيرا. فأنتم رئيس حكومة جميع اللبنانيين، وابن عائلة بيروتية عريقة آمنت بأن بيروت لا تحلق إلا بجناحيها، المسلم والمسيحي. وهنا تلتقي هذه الرسالة الوطنية مع رسالة البطريرك هزيم، الذي آمن بأن المسلمين والمسيحيين في لبنان وسوريا والمشرق شركاء في الأرض والتاريخ والمستقبل".
وأعلن عبود: "هذه الحديقة ليست مجرد مساحة خضراء، بل جزء من ذاكرة الأشرفية، ومكان يجمع أهلها وأطفالها وعائلاتها. واليوم، لا نضع فيها تمثالا لرجل غاب، بل نعيد أبا إلى بيته، ومربيا إلى المكان الذي أحبه، ووجها عزيزا إلى قلوب لم تنسه. وما أجمل أن يبقى هذا التمثال شاهدًا على رجل أعطى من قلبه لهذه المدينة، وعلى مدينة تعرف كيف تحفظ الجميل".
وشكر المحافظ عبود الرئيس سلام "الذي يمنح حضوره هذا التكريم معناه الوطني"، والمطران عودة، "الذي جعل من محبته لبيروت وأهلها رسالة عطاء وخدمة، فالبطريرك هزيم لم يترك لنا ذكرى فحسب، بل ترك رسالة. ورسالتنا اليوم أن نحفظ ما آمن به الإنسان أولا، والمحبة دائمًا، وبيروت بيتا للجميع".
عودة
وتحدث المطران عودة فقال: "يَسُرُّني أنْ أنْقُلَ لَكُمْ بَرَكَةَ صاحِبِ الغِبْطَة، أبينا البَطْرِيَرْك يوحنا العاشِر، الذي كَلَّفَني أنْ أنْقُلَ لَكُم تَحِيّاتِهِ وَسُرورَهُ بافْتِتاحِ هَذِهِ الحَديقَةِ التي تُخَلِّدُ ذِكرى سَلَفِهِ البطريرك إغناطيوس الرابع المُثَلَّثِ الرحْمَة. نَجْتَمِعُ اليَوْمَ في هذه الحَديقَةِ لنَسْتَعِيدَ ذِكْرى رَجُلٍ صارَ جُزْءًا مِنْ ذاكِرَةِ الكَنِيسَةِ، وَذاكِرَةِ لبنان، وَعاصِمَتِهِ بيروت بِشَكْلٍ خاص، رَجُلٍ كانَتْ كَلِمَةُ الحَقِّ سَيْفَهُ المُسْلَطَ على كُلِّ فَسادٍ وَخُبْثٍ وَظُلْمٍ يَمَسُّ الإِنْسانَ أَوِ الطَّبيعَة، أبينا البَطْرِيَرْك إِغْناطيوس الرَّابِع هَزيم، بَطريرك أنطاكِيَة وَسائرِ المَشْرِق، الَّذي يَرْتَفِعُ نُصْبُهُ التَّذْكارِيُّ هُنا، لا لِحِفْظِ صُورَتِهِ في حَدِيقَةٍ عامَّةٍ وَحَسْب، بَلْ لِحِفْظِ شَيْء مِنْ فِكْرِهِ وَرُوحِهِ وَشَهادَتِهِ في ضَميرِ كُلِّ مَنْ يُعايِنُ هَذا النُّصْبَ وَيَتَساءَلُ عَنْ هُوِيَّةِ صاحِبِه".
أضاف: "كانَ البَطْرِيَرْك إغناطيوس رَجُلاً بَسيطًا، مُحِبًّا لله، وَخادِمًا لَهُ في خَليقَتِه. عاشَ في بيروت، في دارِ المطرانية، وَفي بيروتَ تَعَلَّمَ، في الجامِعَةِ الأميركيّة، ثُمَّ في مَعْهَدِ القِديس سِرجِيوس في باريس، حيْثُ دَرَسَ اللاهوت. نَذَرَ نَفْسَهُ لِلْخِدْمَةِ فَتَبَوَّأَ المَراتِبِ الكَهَنوتِيّةِ كافة إلى أنْ أصْبَحَ رَأسًا لِلكَنيسَةِ الأنْطاكِيّةِ وَراعيًا أمينًا لَها. وَقَدْ تَرَكَ في بَيروتَ، وَفي أنْطاكِيَةَ وَسائِرِ المَشْرِقِ أثَرًا عَميقًا، وَمَواقِفَ حَكيمَةً، وَتُراثًا أصيلاً، وَمَدْرَسَةً أسَّسَها في خَمْسينِيّاِت القَرْنِ الماضي، هِيَ مَدْرَسَةُ البِشارَةِ الأرْثوذُكْسِيّة التي ما زالتْ تَزْرَعُ العِلْمَ وَالمَعْرِفَةَ وَالإنْتِماءَ الصادِقَ إلى الوَطَنِ في نُفوسِ الناشِئَةِ، مِنْ كافَةِ الإنْتِماءاتِ الإجْتِماعِيَّةِ وَالدينِيَّة. كَما أسَّسَ في الثَمانينيّاتِ جامِعَةَ البَلَمَنْد التي تَخْدُمُ أبْناءَ الشَّمالِ وَكُلِّ لبنان، شاهِدَةً لِلْعِلْمِ في زَمَنٍ يَعْلو فيهِ ضَجيجُ الأسْلِحَةِ المُتَطَوِّرَةِ وَفَظاعاتِ الحُروبِ".
وقال: "لَعَلَّ أَجْمَلَ ما في هَذا المَكانِ أَنَّهُ حَديقَةٌ لأنَّ الطَّبيعَةَ تَحْمِلُ لاهُوتًا صامِتًا. الشَّجَرَةُ الَّتي تَمْتَدُّ جُذورُها في الأَرْضِ وَتَرْفَعُ أَغْصانَها نَحْوَ السَّماءِ تُذَكِّرُنا بِالإِنْسانِ الَّذي لا يَحْيا بِلا جُذورٍ، وَلا يَرْتَفِعُ مِنْ دونِ سَماء. وَالماءُ الَّذي يَسْقِي الأَرْضَ وكُلَّ الكائناتِ، يُذَكِّرُنا بِنِعْمَةِ اللهِ الَّتي لا تُرى، لَكِنَّها تُحْيِي. وَالحَديقَةُ، حِينَ يُعْتَنَى بِها، تُصْبِحُ مَوْضِعَ راحَةٍ لِلإِنْسانِ، وَتَأَمُّلٍ في عَظَمَةِ الخالِقِ، فَيُرَدِّدُ مَعَ النَبِيّ داوود: «ما أعْظَمَ أعْمالَكَ يا رَبُّ، كُلُّها بِحِكْمَةٍ صَنَعْتَ» (مز 104: 24 ).
كانَ البَطْرِيَرْكُ إِغْناطيوس مُتَجَذِّرًا في الكَنِيسَةِ الأرْثوذُكْسِيَّةِ وَلاهوتِها، وَفي الكِتابِ المُقَدَّسِ، وَتُراثِ الآباءِ، وَأَرْضِ المَشْرِقِ، وَفي الوَقْتِ نَفْسِهِ كانَ قَلْبُهُ يَرْنو إلى فَوق، إلى الخالِقِ، مُمَجِّدًا لَهُ وَمُنْفَتِحًا على الإِنْسانِ، وَعلى العِلْمِ وَالثَّقافَةِ وَالمُسْتَقْبَل. الإِيمانُ بِالنِسْبَةِ لَهُ لَيْسَ هُروبًا مِنَ العالَمِ، بَلْ مَسْؤُولِيَّةٌ تُجاهَ العالَمِ؛ وَالكَنيسَةُ لَيْسَتْ جَزيرَةً مَعْزولَةً، بَلْ خَمِيرَةٌ في مُجْتَمَعِها، وَشاهِدَةٌ لِلحَقِّ وَالخَيْرِ وَالرَّحْمَةِ وَالرَّجاء، وَنورٌ يُضيءُ ظُلْمَةَ العالَم."
أضاف: "لَقَدْ حَمَلَ البَطْرِيَرْكُ إِغناطيوس هَمَّ الإِنْسانِ قَبْلَ أَنْ يَحْمِلَ هَمَّ المُؤَسَّسَةِ، وَهَمَّ الوَطَنِ قَبْلَ مَجْدِ الأَشْخاص. كانَ يُدْرِكُ أَنَّ لُبْنانَ، بِتَنَوُّعِهِ، لَيْسَ مُجَرَّدَ مَساحَةٍ جُغْرافِيَّةٍ، بَلْ رِسالَةُ عَيْشٍ بِسَلامٍ وَوِئام، وَأَنَّ المَسيحِيَّ لا يَكونُ أَمِينًا لإِيمانِهِ إِذا أَغْلَقَ قَلْبَهُ أَمامَ شَريكِهِ في الوَطَن. الكَنِيسَةُ لا تُقِيمُ سُورًا حَوْلَ ذاتِها، بَلْ تَفْتَحُ أَبْوابَها لِلإِنْسانِ المُتَأَلِّمِ وَالحَزينِ وَالوَحيد، وَتَخْدِمُ الحَقِيقَةَ بِلا خَوْفٍ، وَتُدافِعُ عَنِ الكَرامَةِ الإِنْسانِيَّةِ بِلا تَمْييزٍ. قالَ: "نَسْمَعُ الجَميعَ،في كُلِّ ناحِيَةٍ مِنْ لُبْنانَ يَقولونَ بِقِيامَةِ لُبْنان، وَأَنَّ لُبْنانَ حَقيقَةٌ واقِعَةٌ، وَأَنَّهُ واحِدٌ أَرْضًا وَشَعْبًا وَمُؤَسَّساتٍ، واحِدٌ لأَنَّ لَهُ رِئاسَةً شَرْعِيَّةً واحِدَةً، وَلأَنَّهُ يَتَّجِهُ إِتِّجاهًا واحِدًا، يَعْرِفُ عَدُوَّهُ الوَحيدَ، وَيَعْرِفُ أَصْدِقاءَهُ. نَسْمَعُ كَثيرًا عَنْ لُبْنانَ لَكِنْ في مُسْتَوىً غَيْرِ واقِعِيّ، وَنَحْنُ نَفْتَقِدُ لُبْنانَ واقِعِيًّا... ما الَّذي يَمْنَعُ القائِلونَ بِوَحْدَةِ لُبْنانَ أَنْ يَسيروا نَحْوَ وَحْدَةِ لُبْنانَ الحَقيقيَّة؟ ما العُذْرُ؟ ما الذَّريعَة؟".
وأردف: "لَيْتَ جَميعَ مَسؤولي دَوْلَتِنا الحَبيبَةِ يَقْرَأونَ تُراثَ أَبينا البَطْرِيَرك إِغناطيوس، عَلَّهُم يَتَّعِظونَ، وَيُحْسِنونَ رَسْمَ خَريطَةِ طَريقٍ خَلاصِيَّةٍ لِهَذا البَلَدِ الجَريحِ الذي يُعاني مُنْذُ عُقودٍ وَلَمْ يَجِدْ بَعْدُ طَبيبًا يُحْسِنُ عِلاجَهُ، وَيَجْتَرِحُ معجزةً تُعيدُ إِيمانَ المُواطِنينَ وَثِقَتَهُمْ بِتُرابِ وَطَنِهِم. المَسؤولُ مُؤتَمَنٌ على الإِنْسانِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذا انْطَلَقَ العَمَلُ مِنْ مَفْهومِ الإِنْسانِيَّةِ يَزْدَهِرُ البَلَدُ بِمُؤَسَّساتِهِ وَأَنْظِمَتِهِ وَشَوارِعِهِ وحَدائِقِهِ وَكُلِّ مَرافِقِهِ الحَيَوِيَّة. الخُطاباتُ كَثيرَةٌ، وَالمُناكَفاتُ أَكْثَر، وَهِيَ لا تَصُبُّ في مَصْلَحَةِ الإِنْسانِ، بَلْ في المَصالِحِ الخاصَّةِ وَالمَنافِعِ الضَّيِّقَة. قالَ بَطْرِيَركُنا الرَّاحِل: «كَلِمَةُ الحَقِّ يَجِبُ أَنْ تُسْمَعَ وَتُقال... الكَلامُ مَتى زادَ وَطالَ يُؤَدّي إلى إِمْكاناتٍ عَظيمَةٍ لِلشَّطَطِ وَالغَلَط. القَوْلُ القَصيرُ المُوجَزُ الصَّادِقُ وَالمُعَبِّرُ عَنْ فِعْلٍ هُوَ الَّذي يَجِبُ أَنْ يُقال".
واعتبر انَّ "خِدْمَةَ الشَّأْنِ العامِّ لَيْسَتْ إِمْتِيازًا، بَلْ أَمانَةٌ. وَالسُّلْطَةُ، في المَنْظورِ المَسيحِيِّ، لَيْسَتْ بابًا إلى النُّفوذِ، بَلْ دَعْوَةٌ إلى الخِدْمَة. المُؤْتَمَنُ على المالِ العامِّ، أَوْ على القَرارِ العامِّ، أَوْ على مُقَدَّراتِ النَّاسِ، يَنْبَغِي أَنْ يَسْمَعَ في ضَميرِهِ قَوْلَ الإِنْجيل: «مَنْ أَرادَ أَنْ يَكونَ فِيكُمْ أَوَّلًا فَلْيَكُنْ لِلجَمِيعِ خادِمًا» (مت20: 26). لُبْنانُ لا يَحْتاجُ إلى خُطَبٍ جَمِيلَةٍ شَبِعَ مِنْها طوالَ خَمْسينَ عامًا، بَلْ إلى إِدارَةٍ نَظِيفَةٍ، وَقانونٍ يُطَبَّقُ على الجَميعِ، وَمُؤَسَّساتٍ تَحْتَرِمُ الإِنْسانَ، وَمَسؤولِينَ يَعْرِفونَ أَنَّ الكُرْسِيَّ عابِرٌ، وَأنَّ الأَمانَةَ وَحْدَها تُثْمِرُ، وَأنَّ الحُكْمَ هَيْبَةٌ وَرُؤْيَةٌ وَإرادَةٌ وَقَرار. يَقولُ المُثَلَّثُ الرَّحْمَةِ: "مَجْدُكَ الوَحيدُ هُوَ ذاكَ الَّذي تَحْصُلُ عَلَيْهِ عِنْدَما تُؤَدِّي خِدْمَتَكَ. قُمْ بِالخِدْمَةِ. كُنْ وَفِيًّا. اللهُ أَعْطاكَ النِّعْمَةَ لِكَيْ تَخْدُمَهُ، فَرُدَّ الخِدْمَةَ إلى اللهِ الَّذي أَعْطاكَ النِّعْمَة... إِنَّ مَمْلَكَةَ قَيْصَر تَعيشُ على القُوَّةِ وَالبَطْشِ، وَتَنْسى أَحيانًا كَثيرَةً أَنَّ مُشْكِلَةَ القُوَّةِ أَنَّها تُفَكِّرُ في اتِّجاهٍ واحِدٍ، تُفَكِّرُ كَيْفَ يُمْكِنُ أنْ تَفْعَلَ، وَلا تُفَكِّرُ كِفايَةً في أَنَّها هِيَ بِالذَّاتِ تَتَهَيَّأُ لِتَكونَ ضَحِيَّةً لِقُوَّةٍ مُماثِلَةٍ".
وتابع: "فَلْنَعْتَنِ بِالطَّبيعَةِ لأَنَّ العِنايَةَ بِها لَيْسَتْ تَرَفًا. فَحينَ نُحافِظُ على شَجَرَةٍ، وَنَزْرَعُ حَدِيقَةً، وَنُنَظِّفُ نَهْرًا، وَنَحْمِي ساحِلًا، وَنُوَفِّرُ فَضاءً عامًّا نظيفًا، لا نُحَسِّنُ المَشْهَدَ فَقَطْ، بَلْ نَحْتَرِمُ الخَلِيقَةَ الَّتي سَلَّمَنا إِيَّاها اللهُ وَعلى رَأسِها الإِنْسان. لِذا يَنْبَغي أَلَّا نَهْتَمَّ بِهَذِهِ وَنُهْمِلَ تِلْكَ، كَما قالَ الكِتابُ (مت23:23). أَيْنَ إِشاراتُ المُرورِ وَالطُّرُقُ المُعَبَّدَةُ المُضاءَةُ؟ أَيْنَ الدَّوْرِيَّاتُ الَّتي تَحْمي البَشَرَ مِنَ السَّارِقِينَ في وَضَحِ النَّهارِ وَظَلامِ اللَّيل، وَتَفْرُضُ احْتِرامَ القانونِ وَتُعاقِبُ المُخالِفَ؟ أيْنَ المُحاسَبَةُ؟ أيْنَ أمْوالُ الناسِ؟ بِناءُ الدَّوْلَةِ لا يَقومُ بِالإِمْعانِ في قَهْرِ النَّاسِ بِزِيادَةِ الضَرائبِ وَمُضاعَفَةِ الرُسومِ، بَلْ بِإدارَةٍ حَكيمَةٍ عادِلَةٍ تُؤَمِّنُ بِيئَةً سَليمَةً يَنْمو فيها الصَّغيرُ وَيَرْتاحُ فيها الكَبير".
وقال: "لُبْنانُ مُتْعَبٌ، يَحْتاجُ أَنْ يَتَعَلَّمَ قادَتُهُ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتي لا تَسْأَلُ إِنْ كانَتِ الأَرْضُ تَحْتَها غَنِيَّةً أَوْ فَقيرَةً، بَلْ تَضْرِبُ جُذورَها فِيها وَتُجاهِدُ لِتُعْطِي ثَمَرًا. لَقَدْ طالَ أَوانُ انْتِظارِ الثَّمَرِ، وَأَصْبَحَ اليَأْسُ رَفيقًا مُقْلِقًا، وَالغَلاءُ يَنْهَشُ ما تَبَقَّى لَدى المُواطِنِ مِنْ كَرامَةٍ وَصِحَّةٍ وَمَوارِدَ. يَقولُ البَطْرِيَرْك هزيم: "لَيْسَ في لُبْنانَ مِنْ طائِفَةٍ مُلْحِدَةٍ، وَهُوَ بِكُلِّيَّتِهِ مُؤَلَّفٌ مِنْ مَجْموعَةِ طَوائِف، وَالكُلُّ يُصَلُّون... الكَنائِسُ مَلآى بِمِثْلِ هَؤُلاءِ وَالمَساجِدُ لا تَخْلو مِنْهُم. وَلَوْ كانَ كُلُّ مُصَلٍّ وَصائِمٍ تائِبًا وَفاضِلًا، لَما كانَ في أَرْضِنا أُمٌّ تَبْكي بَنيها، وَلَما كانَ هُناكَ إِخْوَةٌ يَبْكي الواحِدُ الآخَرَ وَيَفْتَقِدُهُ في عِزِّ شَبابِهِ، وَلَما كانَ قَلْبُ اللُّبنانِيّ الآنَ نِصْفُهُ فَوْقَ الأَرْضِ وَنِصْفُهُ الآخَرُ في قَبْرٍ، في مَكانٍ ما تَحْتَ الأَرْض... المُجْتَمَعُ الحَقيقيُّ لا يَتَكَوَّنُ مِنْ جَماعَةٍ لا يَعْتَرِفُ الواحِدُ مِنْها إِلَّا بِخَطيئَةِ الآخَرين... فَبِالطَّريقَةِ الَّتي نَسيرُ فيها اليَوْمَ نَحْنُ مُقْدِمونَ إلى قَبَلِيَّةٍ مُغْلَقَةٍ لَمْ يَعْرِفْها البَدو وَلَنْ يَعْرِفَهَا الحَضَر». وَكَأنَّهُ كانَ يَسْتَشْرِفُ ما وَصَلْنا إليه".
وختم عودة: "لَقَدْ قَرَّرَ المَجْلِسُ البَلَدِيُّ السابِقُ تَسْمِيَةَ هَذِهِ الحَديقَةِ باسْمِ البَطْرِيَرك هَزيم، وَنَفَّذَ المَجْلِسُ الحاليُّ المَشْروعَ، ولَهُمْ جَميعًا الشُكُرُ، لَكِنَّ أَفْضَلَ تَكْرِيمِ نُقَدِّمُهُ لِلمُثَلَّثِ الرَّحْمَةِ البَطْريرَكِ إِغْناطيوسَ لَيْسَ أَنْ نُسَمّي حَديقَةً باسمِهِ أو نَنْحَتَ لَهُ تِمثالًا وَحَسْب، بَلْ أَنْ نَبْنِي الإِنْسانَ الَّذي كانَ يَحْلُمُ بِهِ: إِنْسانًا حُرًّا في ضَميرِهِ، ثابِتًا في إِيمانِهِ، مُنْفَتِحًا على الآخَرِ، مُحِبًّا لِوَطَنِهِ وَراسِخًا فيهِ، مَسْؤولًا عَنْ بِيئَتِهِ، رافِضًا لِلفَسادِ، وَمُؤْمِنًا بِأَنَّ خِدْمَةَ الإِنْسانِ طَريقٌ إلى خِدْمَةِ الله".
سلام
وقال الرئيس سلام: "كم يسعدني أن أكون معكم اليوم، هنا في هذا الحي العزيز من أحياء بيروت، لافتتاح هذه الحديقة العامة بعد تجديدها، وهي تحمل اسم البطريرك أغناطيوس الرابع هزيم.
إنها مناسبة نكرّم فيها رجلاً أحبّ بيروت وترك فيها أثراً عميقاً، ونعيد فيها إلى أهل المدينة الغالية مكاناً ارتبط بذكريات أجيال منهم. وقد أحسنت بلدية بيروت بإطلاق اسم البطريرك أغناطيوس الرابع على ما كان يُعرف بحديقة السيوفي، وأنا سعيد جداً بهذه التسمية.
فالبطريرك أغناطيوس شخصية روحية لبنانية وسورية، يذكرها اللبنانيون والسوريون بمحبة وتقدير. منهم من يتذكّر الراعي الذي أحسن الرعاية، ومنهم من يستحضر إرثه في بناء المؤسسات، وبيروت شاهدة على بعضها. ومنهم من يُعجب بالحكمة والشجاعة اللتين جمع بينهما، أو يستعيد كلماته الصادقة وعظاته، ومنها خطابه المؤثر في القمة الإسلامية عام 1981، حيث أطلق عليه قادتها لقب "بطريرك العرب"، على غرار سلفه البطريرك غريغوريوس الرابع حدّاد".
أضاف: "فأبناء الكنيسة التي خدمها الأب أغناطيوس كانوا، وما زالوا، جزءاً أصيلاً من نسيج بيروت، في انتمائهم إليها، وانفتاحهم على سائر أهلها، وتمسكهم بلبنان وطنا واحداً لجميع أبنائه، سيداً حراً، نفتخر بتنوعه ونصونه، ولكن يبقى قراره واحد وجيشه واحد.
ولم تغب بيروت عنه بعد انتقاله إلى دمشق، بل ظلّ يعود إليها بشوق دائم.
وبفضل إقامته الطويلة فيها وخدمته لها، صار لبنانياً، وحمل لبنانيته معه إلى سوريا، كما حمل هموم لبنان وقضاياه إلى العالم.
ولم ينتظر نهاية حروبنا اللبنانيّة، والمتلبننة، ليبني جامعةً في لبنان تسهم في نهوض التعليم، وهي جامعة البلمند.
وكثيرًا ما ردّد أمام من أبدى له، صعوبة مشروعه، الكثيرون يعملون على تدمير لبنان، وأنا مصرٌّ على المساهمة في بنائه.
لقد عُرِف بقدرته على الجمع بين أخلاقيّات الإيمان، والقناعات الراسخة، وأخلاقيّات الرعاية والمسؤوليّة.
فإذا اقتضت منه المسؤوليّة تعاملًا واقعيًّا مع الحكّام وأصحاب النفوذ، حالت قناعته دون الانصياع لهم، أو تأييد استبدادهم.
وظلّ وفيًّا لتعلّقه بالحريّة، لا الحريّة الدينيّة فحسب، بل حريّة الناس في صنع مصائرهم. ولم يخلط يومًا بين ما هو طائفي وما هو كنسي، آمن بكنيسةٍ تكون هبة محبّةٍ لشعبها، تشاركه آلامه وتطلّعاته، ودعا إلى تجاوز العصبيّات الطائفيّة التي تضخّم الفوارق وتباعد بين أبناء الأرض الواحدة والوطن الواحد.
لست هنا لأعرّفكم بسي البطريرك، وهي معروفة لدى الكثيرين منكم، ولقد تمّ التذكير بها، وإنما لنتذكر معًا، بعضًا مما كانه ومما مثّله، ولأؤكّد مودّتي لجميع محبّيه ومريديه".
وتابع: "ولعلّ من أجمل ما في إطلاق اسمه على هذه الحديقة، أنها مكان مفتوح للجميع، على اختلاف اعمارهم وانتماءاتهم. وهذا ينسجم مع ما آمن به من انفتاح وتلاق بين الناس، ومع ما نحبّه في بيروت ونريد أن نحافظ عليه من هويتها".
واردف: "ولهذه الحديقة مكانة خاصة في ذاكرة مدينتي. ولعلَ كثيرين منكم يحتفظون بذكريات جميلة عنها، من أيام الطفولة، أو من أوقات أمضوها فيها مع أولادهم أو أصدقائهم. وما أجمل أن تستعيد اليوم حيويتها، وأن تعود مكاناً يلتقي فيه الناس ويصنعون فيه ذكريات جديدة".
وقال: "وبيروت التي نحب تحتاج، وسط زحمتها وضجيجها، إلى مزيد من المساحات الخضراء التي نستطيع أن نلتقط فيها أنفاسنا، وأن نلتقي فيها بعضنا ببعض. فالحدائق ليست مجرد أشجار وممرّات ومقاعد. إنها جزء من حياة الناس، ومن حقّهم في مدينتهم. وهي أماكن للقاء، يتشاركها الناس على اختلاف أعمارهم وخلفياتهم بعيداً عن صخب المدينة".
وختم سلام: "أحيّي كل جهد، عاماً كان أم خاصاً، أو بالشراكة بينهما، يسهم في حماية هذه المساحات وتوسيعها.
فلتبقَ هذه الحديقة مكاناً يلتقي فيه أهل بيروت، ولتبقَ بيروت، كما أحبّها البطريرك أغناطيوس، مدينة حيّة، متجددة، وحاضنة للجميع. هنيئاً لكم، ولكل البيروتيين واللبنانيين، حديقة أغناطيوس الرابع".
بعد ذلك، رفع الرئيس سلام والمطران عودة والحضور الستارة عن تمثال البطريرك هزيم.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا