العربي الجديد: أسئلة مكثفة في بيروت
الرئيسية صاحبة الجلالة / Ecco Watan
الكاتب : محرر الصفحة
Oct 24 26|07:44AM :نشر بتاريخ
تتكثف الأسئلة في بيروت، مع تزايد المؤشرات إلى حصول صدام ما بين الدولة اللبنانية وحزب الله. قد لا يكون الصدام عسكرياً بالمعنى المماثل للسابع من مايو/ أيار 2008، حين اقتحم الحزب العاصمة وسيطر على مفاصل الشقّ الغربي منها، على خلفية محاولته إسقاط قراري إقالة العميد وفيق شقير من رئاسة جهاز أمن المطار، وتفكيك شبكة الإشارة العائدة للحزب، وفي حينه كانت تلك الشبكة السلاح الأهم لحزب الله. وقد لا يكون الصدام أمنياً من قبيل نشر الحزب عناصر له في بيروت، ملثمين أو مكشوفي الوجوه أو حتى على درّاجات نارية. وقد يُترجم الصدام على شكل تظاهرات أو اعتصامات، وصولاً إلى تكريس ثنائية الدولة ـ حزب الله. هنا لم يعد السؤال عما إذا كان الصدام واقعاً، بل كيف سيتم التعاطي معه. يعود السبب إلى أن الدولة اللبنانية، بما فيها رئيس برلمانها نبيه برّي، لا تملك ما يكفي من الأوراق للمناورة السياسية، على اعتبار أن الضغوط الدولية والإقليمية والعربية باتت أكثر ثقلاً من الفترة الماضية، ما يدفع الدولة إلى ضرورة اعتماد منهجية حازمة في تطبيق قراراتها الخاصة، لا التحايل عليها، سواء بحصر السلاح أو بفرض سيطرتها على الأراضي اللبنانية كاملة.
في المقابل، لم تعد لحزب الله أوراق كافية أيضاً. التدهور الاقتصادي لدى سكان القرى الجنوبية عموماً لم يعد ترفاً. هناك أزمة تتناسخ وتتوالد يومياً، لا بين الجنوبيين أو أبناء بيئة معينة فحسب، بل لدى جميع اللبنانيين والمقيمين في لبنان، في ظل ارتفاع أسعار النفط والتضخم عالمياً، وفي ظل الترقب لاحتمالات تجدّد الحروب الإقليمية. الشعارات لا تُطعم خبزاً في الأساس، فكيف في الوضع الحالي؟ ولتفادي صدام محتمل سيزيد من عمق الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية في لبنان، لا بد من التعاطي بصورة مختلفة بين الدولة وحزب الله. لا يعني ذلك حواراً عقيماً وبحث استراتيجية دفاعية لن تعالج وضعاً اقتصادياً، ولا تنفيذ منطق إخضاع متبادل، بل البدء حصراً في نقطة مشتركة: الناس. ما الذي يريده الناس؟ يريدون العودة إلى ديارهم المُعاد إعمارها. وكيف السبيل إلى هذا؟ تذليل العقبات أمام ما يمنع العودة. وهذا لا يتطلب هروباً إلى الأمام وجرّ البيئة التي وُلد منها حزب الله ولبنان إلى مزيد من الحروب، فقط في انتظار ما الذي ستفعله إيران والولايات المتحدة. هنا يُصبح ربط اللبنانيين بملف إيراني ـ أميركي إهانة قصوى، تتجاوز مسائل تاريخية وجوهرية.
تقتضي الواقعية أمراً واحداً: التخلي عن الشعارات، والبحث عما يُمكن أن يُنهي معاناة لبنانيين مستمرّة منذ عام 2024. ولا يتصل هذا بمساعدات حزبية، بقدر ما يتوجب حكماً تعزيز مفهوم الانتماء إلى الدولة اللبنانية. صحيح أن الجميع، من دون استثناء، عانوا من تخلي الدولة عنهم في فترات عديدة منذ الاستقلال عن فرنسا في 1943، إلا أن استبدال المؤسسات بمؤسسات أخرى لم ينفع. يُمكن لحركة أمل، برئاسة نبيه بري، وللقوات اللبنانية بزعامة سمير جعجع، وللحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة وليد جنبلاط، إبداء الندامة على محاولاتهم تكريس كانتونات مذهبية وطائفية خلال الحرب اللبنانية (1975 ـ 1990). يُمكن لهم كتابة مطولات حول ظنهم أن إنشاء "إدارة ذاتية" يُعدّ أمراً ناجحاً، ثم تبين لهم أن إدارة كانتون أصعب بكثير من إعادة الانتماء لمفهوم الدولة. حزب الله سيصل في نهاية المطاف إلى القناعة نفسها، ولن يتمكن من "معالجة أخطاء" من سبقه، بل ستتكرر لاعتبارات اجتماعية ـ سياسية. المصيبة هنا أن حماسة التحفيز المتواصل، رغم نجاحه الضئيل، على خيار القتال حتى الرمق الأخير، بدأت بالتراجع. الشتاء يعود، وهذه المرّة سيكون أصعب مما قبل. لكم أن تتخيلوا أن قطاع الكهرباء، المشرف على الانهيار، أصاب اللبنانيين في مقتل. وإذا نجحت قطر ولبنان في المضيّ بمشروع إعادة تأهيل هذا القطاع، فسيكون أهم مشروع كهربائي للبلاد منذ الفترة التي سيطر فيها الفرنسيون والبلجيكيون على القطاع، حتى 1964 حين أُنشئت شركة كهرباء لبنان.
ليس مطلوباً تأجيج النزاع بين الدولة وطرف غير دولتي، بقدر ما يتطلب الوضع اللبناني واقعية، تبدأ من تبريد الرؤوس الحامية. في نهاية المطاف، لن يُفضي أي نوع من الصدام سوى إلى تعميق التباعد بين الدولة وبيئة معينة. وإذا كان هذا ما يريده حزب الله، فهناك مشكلة كبيرة، لأنه دائماً ما نعود جميعنا إلى الدولة.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا