الراعي في يوبيل الكبوشيين: لبنان مدعو إلى أن يكون وطن عيش مشترك لا ميدان انقسام

الرئيسية سياسة / Ecco Watan

الكاتب : المحرر السياسي
Oct 24 26|22:02PM :نشر بتاريخ

رأى البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي أن "حصر السلاح تحت سلطة الدولة، وتعزيز الجيش والقوى الأمنية يبقيان من مقومات قيام دولة قادرة على حماية أرضها وشعبها وحدودها. وتبقى إعادة إعمار ما تهدّم وعودة العائلات إلى بيوتها وقراها مسؤولية وطنية وإنسانية، فلا يمكن تثبيت الناس في أرضهم من دون إعادة مقومات الحياة إليها، ولا يمكن الحديث عن البقاء إذا بقيت القرى بلا فرص والبيوت بلا إعمار والعائلات بلا شعور بالأمان. وتبقى الدبلوماسية اللبنانية والعلاقات مع المجتمع الدولي ضرورة لتحصين موقع لبنان وتأمين الدعم لمؤسساته والدفاع عن مصالحه، على أن تُترجم هذه العلاقات إلى نتائج ملموسة تعزز الاستقرار والتعافي وتساعد الدولة على القيام بمسؤولياتها. وفي هذا كله، يبقى لبنان مدعواً إلى أن يكون أرض لقاء لا ساحة صراع، ووطن عيش مشترك لا ميدان انقسام".

 

كلام الراعي جاء خلال ترؤسه قداساً احتفالياً، لمناسبة اليوبيل الـ400 سنة على حضور الرهبنة الكبّوشيّة في لبنان والشرق الأدنى في كاتدرائيّة مار لويس للرهبنة الكبّوشيّة – باب إدريس، وسط بيروت وعاونه فيه المطرانان بولس مطر والياس نصار،  والرئيس الإقليمي لرهبنة الإخوة الكبّوشيّين الاصاغر في لبنان الأب أيلي رحمه وأمين سر البطريركية المارونية الأب فادي تابت، في حضور وزير الدفاع ميشال منسى ممثلاً رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، سفير فرنسا في لبنان باتريك دوريل، ممثل السفير الايطالي المستشار لويجي بوتشيتي، والمطارنة: سيزار اسايان، منير خير الله، ميشال عون، جورج بقعوني و شارل مراد، المستشار العام للرهبنة الكبوشية الاخ ليون بودو ممثلاً الرئيس العام لرهبنة الكبوشيين الأصاغر،  الرئيسة للعامة لرهبنة الصليب الأم ماري مخلوف،  الرئيس الاقليمي لرهبنة الكرمل الأب ميشال عبود وعدد من الراهبات والكهنة والرهبان. وخدمت القداس جوقة جامعة سيدة اللويزة بقيادة الأب  خليل رحمة.

 

عظة البطريرك

بعد تلاوة الانجيل المقدس، ألقى الراعي عظة بعنوان "المدعوّون كثيرون، أمّا المختارون فقليلون" قال فيها: "نجتمع اليوم هنا، في كاتدرائية مار لويس للآباء الكبوشيين في بيروت، لنرفع الشكر إلى الله في يوبيل الأربعمئة سنة على حضور الآباء والإخوة الكبوشيين في لبنان والشرق الأدنى، وقد اتّخذوا شعارًا ليوبيلهم: الذي بدأ فيكم عملًا صالحًا سيتمّه" (فل 1: 6). إنّها أربعة قرون من الصلاة والرسالة والخدمة والشهادة. الرهبنة الكبوشية هي غصن من الشجرة الفرنسيسكانية التي غرسها القديس فرنسيس الأسيزي بروح الإنجيل والفقر والبساطة والأخوّة. وقد نالت الحركة الإصلاحية الكبوشية اعتراف الكنيسة سنة ١٥٢٨، حاملةً رغبةً في العودة إلى روح القديس فرنسيس الأصيلة. في سنة ١٦٢٦ وصل إلى صيدا رهبان كبوشيون فرنسيون، واتخذوا من خان الإفرنج منطلقًا لرسالتهم. لم يأتوا إلى أرض غريبة عن الإيمان، بل التقوا كنيسةً مارونية متجذّرة في هذه الأرض. وكان البطريرك يوحنا مخلوف على الكرسي البطريركي في قنوبين، وقد شجّع حضور الإرساليات الرهبانية وسهّل خدمتها للكنيسة والمؤمنين".

 

أضاف: "من صيدا اتسعت الرسالة. فوصل الكبوشيون إلى بيروت سنة ١٦٢٨، ثم امتد حضورهم إلى حصرون وطرابلس وغزير وعبيه وصليما وبعبدات وغيرها من المناطق اللبنانية. كان انتقالهم للرسالة، فحيث وُجد الجهل حملوا التعليم، وحيث وُجد المرض حملوا العناية، وحيث وُجد الفقر حملوا الخدمة، وحيث وُجد الحزن حملوا الرجاء. في طرابلس خدموا الجماعات المسيحية، وفي غزير اهتموا بالتنشئة الروحية والتعليم، وفي عبيه عاشوا خدمة الفقراء والأيتام، وفي صليما ارتبط حضورهم بالعناية بالمرضى، ومن هناك امتدت خدمتهم إلى بعبدات ومناطق أخرى. وهم كاهن يعلّم، وراهب يصلّي، وأخ يخدم فقيرًا. كاتدرائية مار لويس هذه كانت علامة الحضور الكبوشي واللاتيني في العاصمة بيروت، وبقيت شاهدةً على إيمان لا تطفئه الصعوبات. من هذه المدرسة تخرج الطوباوي الأب يعقوب الحداد الكبوشي، من غزير، رجل العناية الإلهية ورسول الصليب والمحبة، الذي جعل من محبته للمسيح خدمةً للمرضى والفقراء والمتروكين، وأسّس سنة ١٩٣٠ جمعية راهبات الصليب الفرنسيسكانيات في لبنان، وأقام مؤسسات ومدارس ومستشفيات حملت الرحمة إلى كثيرين، وقد أعلنت الكنيسة تطويبه سنة ٢٠٠٨. ومن قلب الرسالة الكبوشية اللبنانية أيضًا خرج الطوباويان ليونار ملكي وتوما صالح، من بعبدات، اللذان حملا الإنجيل إلى أرض الرسالة وثبتا في إيمانهما حتى الاستشهاد خلال سنوات الاضطهاد والحرب العالمية الأولى، وقد أعلنت الكنيسة تطويبهما في لبنان سنة ٢٠٢٢. مع هؤلاء الطوباويين نقف اليوم أمام أجيال كثيرة من الآباء والإخوة الكبوشيين الذين تعاقبوا على الخدمة في لبنان. فنذكر الذين وعظوا وعلّموا، والذين خدموا المرضى، والذين اهتموا بالفقراء والأيتام، والذين خدموا في الرعايا والمدارس والمؤسسات، والذين احتملوا الحروب والجوع والتهجير".

 

وتابع: "منذ أربعة قرون، سمع رجال دعوة الله. فتركوا أوطانهم وأهلهم وراحتهم، وجاؤوا إلى أرض لم يعرفوا ما ينتظرهم فيها. دُعوا فلبّوا، وأُرسلوا فذهبوا، وتعبوا فثبتوا، واضطُهد بعضهم فلم يتراجع، ورحل آخرون وبقيت الرسالة. نسأل الله أن يبقى الحضور الكبوشي في لبنان حضورًا للإنجيل، حضورًا للفقر والبساطة، للأخوّة والخدمة، للمصالحة والمحبة والسلام".

 

وأشار الى أن "المسؤولية تظهر في الخدمة والعمل وتقديم خير الإنسان والوطن على المصالح الخاصة"، مؤكداً أننا "نضع في مقدمة اهتماماتنا الحفاظ على الحضور المسيحي في لبنان والشرق، باعتباره جزءًا أصيلًا من هوية المنطقة ورسالتها وتنوعها. هذا الحضور المسيحي يرتبط بالتمسّك بالأرض، وعدم التفريط بها، لا سيما أننا نشهد بيعًا متزايدًا للأراضي تحت ضغط الظروف الاقتصادية الصعبة. فالأرض ليست مجرد ملكية مادية، بل هي ذاكرة وجذور وهوية. وقد شدّد قداسة البابا لاوون الرابع عشر على ضرورة صون الحضور المسيحي في الشرق، ومساندة الشباب والعائلات الذين تدفعهم الأزمات الاقتصادية إلى الهجرة، مؤكدًا أهمية توفير مقومات البقاء في أرضهم، لكي يظل المسيحيون شهودًا للسلام في هذه المنطقة". واعتبر أن "الحضور المسيحي يقتضي من الدولة توفير أسباب البقاء: فرص العمل، والتعليم، والسكن، والطبابة، واستعادة ثقة اللبنانيين بمؤسساتها وترسيخ مرجعيتها الواحدة في حماية الجميع".

 

وقبل انتهاء القداس، تليت رسالة الرئيس العام لرهبنة الإخوة الأصاغر الكبوشيين الاب روبرتو جينوين موجهة الى الأب رحمة، ثم رسالة الأب جينوين إلى المشاركين في القداس اليوبِيلي.

 

وفي الختام، تلا الأب رحمة كلمة قال فيها: "إن احتفالنا في هذه الكاتدرائية الكبوشية، التي افتُتحت سنة 1898، يجمع بين الإيمان والتاريخ، فهي شاهدة على محطات من تاريخ لبنان ونضال أبنائه من أجل الحرية والاستقلال، وملتقى أجيال من المؤمنين والشخصيات الروحية والوطنية. لقد عشنا اليوم مشهداً جميلاً يشبه الفسيفساء الكنسية، اجتمعت فيه كنائس لبنان ورهبانياته بتقاليدها وطقوسها وروحانياتها، لتؤكد أن التنوع لا يفرّقنا، بل يغني وحدتنا في المسيح. وهنا تتجلى رسالة لبنان التي عبّر عنها القديس البابا يوحنا بولس الثاني بقوله: لبنان أكثر من بلد، إنه رسالة".

 

أضاف: "لبنان وشرقنا اليوم بأمسّ الحاجة إلى عطر السلام، ليكون أقوى من دخان الحروب، وإلى شهادة إيمان تتجلى في أعمال المحبة وخدمة الإنسان. فليعبق لبنان والشرق برائحة المسيح العطرة، وليبقَ تنوعنا فسيفساء جميلة تجمعنا في عطر واحد، هو عطر المحبة والأخوّة والسلام".

 

 

 

 

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : ايكو وطن-eccowatan