عودة في عيد القديس ديمتريوس: ليكن شفيعاً لنا

الرئيسية سياسة / Ecco Watan

الكاتب : المحرر السياسي
Oct 26 26|14:06PM :نشر بتاريخ

ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها المطران الياس عوده خدمة قداس عيد العظيم في الشهداء ديمتريوس المفيض الطيب في كنيسة القديس ديمتريوس في الأشرفية ، وبعد قراءة الإنجيل المقدس ألقى العظة الآتية:

"باسم الآب والإبن والروح القدس، آمين. أحبائي، تحتفل كنيستنا اليوم بتذكار القديس العظيم في الشهداء ديمتريوس الذي اختار الشهادة للمسيح حتى الموت في زمن كان يمكن فيه أن يختار السلامة والمجد والمكانة والحياة المريحة. لذلك تأتي كلمات الرب في إنجيل اليوم كأنها موجهة إلينا مباشرة: «بهذا أوصيكم أن يحب بعضكم بعضا. إن كان العالم يبغضكم فاعلموا أنه قد أبغضني قبلكم... إن كانوا اضطهدوني فسيضطهدونكم». هذه الكلمات ليست دعوة إلى الخوف، بل هي إعلان لحقيقة الطريق المسيحي. فمن يريد أن يكون للمسيح لا يعتمد محبة العالم ومقاييسه مرجعا لحياته.

كان القديس ديمتريوس ضابطا ذا مكانة في الجيش الروماني، لكنه اكتشف أن قيمة الإنسان لا تقاس بما يملك ولا بالموقع الذي يحتله، بل بمن ينتمي إليه قلبه. وحين تعارضت محبة المسيح مع متطلبات السلطة والبيئة المحيطة به، لم يحاول أن يحتفظ بالمسيح سرا في داخله، ولم يحول الإيمان إلى أمر خاص لا علاقة له بحياته، بل صار إيمانه موقفا، وحياته شهادة، ووجوده كله إعلانا عن أن المسيح أغلى من الحياة نفسها.

إنسان اليوم يعيش في عالم لا يجبره على إنكار المسيح صراحة لكنه قد يدفعه إلى الصمت عن إيمانه وعدم الإلتزام به، وفصل تعاليم الإنجيل عن حياته اليومية، ومسايرة الجميع حفظا لمصالحه، فيتحول الخطر من إضطهاد إلى مساومة داخلية، ومن سيف يهدد الجسد إلى خوف يهدد القلب. لذلك سمعنا الرسول بولس يقول لتلميذه تيموثاوس: «تقو بالنعمة التي في المسيح يسوع». المسيحي لا يعيش بقوته الشخصية، ولا بانفعاله الروحي، أو ثقته بنفسه، بل بالنعمة التي لا تلغي جهاد الإنسان، بل تمنحه القدرة على الجهاد. يتابع الرسول قائلا: «إحتمل المشقات كجندي صالح ليسوع المسيح». المسيحية ليست طريقا بلا صليب، ولا وعدا بحياة خالية من الألم؛ إنها دعوة إلى حمل الصليب وحفظ الأمانة وسط التجارب. هذه الكلمات يفسرها القديس ديمتريوس بحياته. لم يكن إستشهاده بحثا عن الموت. الكنيسة لا تمجد الموت، بل تطلب الأمانة في الإيمان حتى أمام الموت. الشهيد هو الإنسان الذي اكتشف أن الحياة الحقيقية ليست في أن يحافظ المرء على نفسه بأي ثمن، بل في أن يحفظ علاقته بالمسيح. لذلك يقول الرب: «ليس عبد أعظم من سيده». إن كان المسيح قد دخل طريق الصليب، فالتلميذ لا يستغرب أن يمر هو أيضا في الألم.

لكن الإنجيل لا يتحدث عن الاضطهاد فقط. إنه يتحدث قبل كل شيء عن المحبة، وهذا أمر بالغ الأهمية لأن الإنسان يستطيع أن يتكلم كثيرا على الإيمان، وأن يدافع عن العقيدة، وأن يرفع الشعارات المسيحية، لكن إذا كان قلبه ممتلئا بالكراهية والحسد والدينونة، يكون قد نسي جوهر الوصية. لم يشهد قديسنا للمسيح بالكلام فقط، بل بحياة غلبت فيها المحبة الخوف، والحق المساومة، والأمانة المصلحة الشخصية. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إن الشهادة لا تنحصر في احتمال الموت، وأن احتمال الإنسان للمشقات من أجل الله هو أيضا لون من ألوان الشهادة. لذلك، قد لا يطلب من إنسان اليوم أن يموت من أجل إيمانه، إنما المطلوب منه أن يموت عن أنانيته وكبريائه وغضبه وحقده  وإدمانه على إرضاء الناس. قد يطلب منه أن يكون أمينا في عمله حين يكون الغش أسهل، وأن يحفظ عائلته حين تتلاشى القيم، وأن يغفر حين يكون الإنتقام أكثر إغراء، وأن يقول الحق حين يخدم الصمت مصلحته. لهذا يقول الرسول بولس: «إن كنا قد متنا معه فسنحيا أيضا معه... إن كنا نصبر فسنملك أيضا معه». إن موت المسيحي مع المسيح يبدأ قبل القبر. يبدأ كل يوم، حين يموت الإنسان عن «الأنا» التي تريد أن تكون مركز الكون. يبدأ عندما يضع الآخر قبل مصلحته، وعندما يختار الغفران والصلاة والرجاء والقداسة.

يا أحبة، عيد القديس ديمتريوس ليس مناسبة لننظر إلى شهيد من الماضي بإعجاب، بل فرصة لنسأل أنفسنا لمن ننتمي؟ ماذا يحدث لإيماننا عندما نتعرض للضغط؟ هل نعيش المسيح فقط حين يكون الأمر سهلا، أم نبقى أمناء له حين نخسر شيئا من راحتنا أو صورتنا أو مصالحنا؟ وهل نعكس في حياتنا شيئا من نور المسيح؟

ليكن القديس ديمتريوس شفيعا لنا لكي نتعلم كيف نحمل الصليب مع المسيح. ولنتذكر قول الرب: «ستكونون لي شهودا». العالم لا يحتاج فقط إلى مسيحيين يتحدثون عن المسيح، بل إلى مسيحيين يعيشون بروحه في البيت والعمل والمجتمع، في الخفاء كما في العلن. ولنعش في هذا العالم دون أن نفقد علاقتنا بالمسيح، ولنحمل صليبنا بلا تذمر، ونحفظ الإيمان العامل بالمحبة، حتى إذا انتهت رحلة حياتنا نستطيع أن نقول مع الرسول: قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان، آمين".

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : ايكو وطن-eccowatan