الخطيب: ستنعكس قمة جدة بنتائجها السياسية والاقتصادية على لبنان

الرئيسية سياسة / Ecco Watan

الكاتب : المحرر السياسي
May 19 23|13:52PM :نشر بتاريخ

أدى نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلامة الشيخ علي الخطيب الصلاة في مقر المجلس والقى خطبة الجمعة، استهلها بالحديث عن ذكرى شهادة الامام الصادق في الخامس والعشرين من شهر شوال، وقال:" لا يمكن المرور على هذه الذكرى التي يتكرر إحياؤها من المؤمنين، مرورا عابرا وعرضيا أو الاقتصار في التعرض لها على الجانب العاطفي  لما تمثله هذه الشخصية من أهمية خاصة في الإسلام، فهو أحد أئمة أهل البيت، الذين يمثلون امتدادا لخط النبوة، وهم الورثة الحقيقيون له والمؤتمنون على الرسالة وحفظها وتفسيرها ونفي الشبهات والتأويلات الباطلة عنها ومنع التلاعب بها واستخدامها لأغراض تتنافى والاهداف الرسالية الإلهية التي أراد الله تعالى تحقيقها عبرها، لأن هذه الأمور أخطار حقيقية تواجهها، ولم يكن يكفي أن القرآن الكريم هو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فعصمة القرآن وإعجازيته وتحديه للمنكرين أن يأتوا بمثله، إنما هي من باب إثبات أنه ليس من فعل البشر، ومن باب إثبات نبوة النبي ، أما تفسيره وتفصيل أحكامه وبيانه في الأمور الاعتقادية وغيرها فهو ليس في منأى عن التأويل والتشويه والصرف عن المراد الحقيقي لها.ولأن القرآن ليس كتابا محصورا بقوم معينين أو بعصر معين أو مختصا بمن خوطب به، وإنما هو الخطاب الالهي النهائي الشامل لكل الاقوام والازمان إلى أن يرث الله الارض ومن عليها، وبحكم التطور البشري فإن ذلك يفرض حدوث وقائع جديدة تحتاج إلى حلول جديدة تناسبها، لذلك كانت الحاجة متجددة أيضا لاستخراج الحلول لها من هذا الكتاب، وهو ما مارسه رسول الله بنفسه وسدت السنة النبوية الشريفة هذه الحاجة تارة بشكل مفصل وأخرى على نحو القواعد العامة، ولكنه مارس هذا الدور لفترة قصيرة لم تتسع حياته الشريفة لاستكمال هذه المهمة، أضف إلى ذلك أن هذا الدور منوط بالتطور الطبيعي للوقائع الممتدة مع الزمن والاحداث والوعي البشري الذي يحصل بالتراكم وليس بالقفزات التي تتجاوز المراحل الطبيعية للتطور. 
 
من هنا كما احتاج الامر أن يقوم الرسول بهذه المهمة في حياته كذلك الحال بعد وفاته، وليس في هذا انتقاصا للرسالة أو لدور النبوة طالما أنه أكمل المهمة الأساس بتبليغ الاصول الاعتقادية والتشريعية، أما إكمال مهمة التفسير والتطبيق فلا تحتاج إلى استمرار الوحي وإنما وجود من فهموها ولقنوها وعرفوا أسرارها وهم أهل بيت النبوة الاوصياء . وقد قدر للإمام الصادق أن تتاح له الفرصة للقيام بهذا الدور أكثر من غيره من سائر الائمة الطاهرين ، على ان ما يعطي وجها آخر لأهميتهم هو أن هذا الدور لا يقتصر على زمانهم، فكما أن الكتاب مستمر وهو خطاب لمن يأتي من الاجيال ولكل الناس والامم فهم أيضا حينما يظهرون أحكامه ويفسرون آياته ويبطلون الشبهات هي للأجيال والامم حجة للجميع إلى يوم القيامة.
 
وقد برهنت الوقائع التاريخية وقوع الاختلافات حتى التناقض في التفسير لآيات الكتاب والاجتهادات الفقهية المخالفة حتى للنص القرآني والعقائدية والسياسية التي لولا جهود العترة الطاهرة  لقضي على الدين، وقد بلغ الامر بالمسلمين الى حد الضياع وهم لا يزالون قريبي العهد من النبوة وعصر الوحي خصوصا ان الاخطار التي تفرضها وقائع السياسة وأمور الحكم والولاية والطموح إلى السلطة والسيطرة وطبيعة المجتمع القبلي والنزاعات بينها لم تكن غائبة عن الوحي، فكان من الطبيعي أن يفرض أخذها بالحسبان ووضع ما يحصن الرسالة من هذه التداعيات والاخطار، وما حصل مع الانبياء السابقين خير دليل على ذلك على أن دعوتهم وأديانهم كانت محدودة في الزمان.
 
أما النبي فدعوته الخاتمة والنهائية، فكما حصن الكتاب بالإعجاز فقد حصنت الرسالة بالأئمة المعصومين المستمرين لهذه الغاية وغيرها مع الزمان إلى ان يرث الله الارض ومن عليها، ولذلك فقد ورد عن رسول الله :ـ (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)، فالإمامة مستمرة في الاسلام وهؤلاء الائمة لا تنحصر إمامتهم في السياسة وحسب كما ذهب اليه من ذهب، وإنما الى جانب ذلك هم الادلاء على الله والحافظون لشريعته والذين هم أمان لأهل الارض فيما ورد عن ائمتنا ، فليس الأمان لأهل الارض بالسياسة والإمرة والخلافة فإن هذه الأمور مدعاة للخصومة وقد تكون مدعاة لتفسير الكتاب بما يناسب أهواءهم، اما الإمرة التي تقوم على تحقيق غايات الدين وأهدافه فهي الغاية والمراد وما حدث في تاريخ المسلمين من صراعات على السلطة وتكفير للخصوم وجرائم ومظالم خير دليل على ذلك، مستخدمين الدين وسيلة لتبرير أفعالهم وارتكاباتهم، فتفسير الدين وتطبيقه لا يقل شأنا في الخطورة عن الدين نفسه، وكما احتاج الدين إلى النص المعجز إحتاج في تفسيره وتطبيقه إلى المعصوم عن الأهواء والمصالح لكي لا يكون لعبة بيد أصحاب الأهواء والمصالح الذين لم يتورعوا عن القيام بهذا الدور عبر الإغراء تارة والإرهاب تارة أخرى، فاستجيب لهم وحققوا منهم ما أرادوا، خرج عن هذه القاعدة أئمة أهل البيت  وبعض المخلصين الذين دفعوا حياتهم ثمنا لهذا الإخلاص، وهو السبب الرئيسي الذي يفسر قولهم : "ما منا الا قتيل او مسموم"، لأن الحاكم انما يحكم بإسم الإسلام فاحتاج الى تبرير شرعيته باختراع ما يسمى بالنص الشرعي".
 
وتابع العلامة الخطيب :"وكان وجود أئمة أهل البيت عائقا أمام السلطة ومصدر خطر عليها من هذا الباب، وليس صراعا معها على السلطة كما حاولت أن تشيع تشويها لهذا الدور. ولقد أتيح للأمام الصادق بحكم الظرف والصراع بين السلطة الاموية المتهالكة والسلطة العباسية الناشئة أن تتهيأ له الفرصة التي استغلها خير استغلال لتصحيح الكثير من المفاهيم ووضع الأسس الصحيحة للكثير من العلوم ومنها العقائدية والفقهية والتفسيرية وغيرها من العلوم مؤسسا لنهضة علمية حضارية لم تقتصر على العلوم الاسلامية في المدينة المنورة وعمل على توسعة دائرتها إلى بقاع الدولة، فكان يأتيه الطلاب من كافة الأماكن مخصصا لكل علم من العلوم قسما من المتميزين منهم لا يدانوا يحاجون كل من حاورهم، خصوصا أن الحكم عمل على فتح المجال لترجمات الكتب اليونانية وفتح الباب للزندقة والتشكيك بالمعتقدات الاسلامية فتصدى لها الامام الصادق وكبح جماحها وهو ما أفشل مخططات السلطة ودعاها إلى دس السم  له  للتخلص منه، وكان هذا ديدن الحكام على مر العصور والعمل على التضييق على الحوزات العلمية التي هي الاساس في خلق الوعي الديني والحفاظ على وحدة الامة الذي يظهر جليا في التوجيهات التي باشرها لتلامذته وأتباعه كما هو ديدن الائمة  كلهم في مسيرتهم وتعاليمهم، كما عمدت السلطة الى خلق مدارس مناهضة لإثارة التفرقة واستخدام الفرقة وبث الفتنة والتحريض على هذا النهج بإنتاج ما سمي بفقهاء السلاطين يبررون لهم سلوكهم ويخلعون عليهم ثوب الشرعية كبديل لها".
 
وأضاف :"وفي العصور المتأخرة وبالأخص في عصر الاستعمار ونشوء حركة التبشير وما تلاه تطور الامر ليكون هدفا استراتيجيا للغرب في صراعه الحضاري مع الاسلام وتاليا بعد الانحسار للاستعمار المباشر ليكون جهدا مشتركا مع الأنظمة المتواطئة معه لتغيير الهوية الدينية للعالم الاسلامي والتخلص منها كأخطر عامل من عوامل المناعة والمقاومة لأهدافه، وتطور أخيرا إلى استخدامه كسلاح طائفي فتاك للغرب لإبقاء سيطرته وضرب الوعي الديني الناشئ الذي جمع الأمة حوله بما حققه من انتصارات غير مسبوقة في العصر الحديث أخاف الغرب. 
 
واردف الخطيب : ولكن هذه الهجمة المرتدة منه على هذا التطور في وعي الأمة وعمق الجراح التي أحدثها في جسدها، لم يستطع أن يمنع  التحولات الاستراتيجية التي أحدثها هذا الانبعاث الناشئ عن صمود المقاومة التي نرى نتائجها المباركة في التقارب الحاصل بين الجمهورية الاسلامية الإيرانية والمملكة العربية السعودية وارتداداتها على العالم العربي والإسلامي الذي يتجلى اليوم في انعقاد القمة العربية في المملكة العربية السعودية وعنوانها لم الشمل العربي الذي أدى لعودة سوريا إلى مشاركتها في القمة العربية على أمل أن يرفع الحصار عن شعبها ويعود النازحون ليشاركوا في إعادة إعمارها وتحرير ما تبقى من أرضها من المحتلين واسترجاع نفطها المسروق من المحتل الاميركي وعملائه، كما سينعكس حتما على القضية العربية مركز الصراع مع الغرب، والقدس الشريف بعودتها إلى صدارة الاهتمام التي تشكل شرف العرب وترسم مستقبلهم الذي تعرضت دولهم وشعوبهم وخصوصا بعد الحادي عشر من سبتمبر إلى خسائر فادحة ومهولة، حيث تشير البيانات الصادرة عن الامم المتحدة والتقارير الدولية إلى أكثر من أربعة ملايين ونصف قتيل عدا عن الخسائر المادية والمالية والبيئية والامراض وغيرها ما يندى لها جبين البشرية".
 
واستطرد الخطيب :"كما ستنعكس بنتائجها السياسية والاقتصادية على لبنان في تغيير المسار السياسي بنفس الاتجاه وتصحيح بوصلة الصراع باتجاه العدو لجميع الطوائف اللبنانية وهو العدو الاسرائيلي وتخفيف الاعباء الاقتصادية والمعيشية التي يدفعها ثمنا لهذا الهدف وكرامة لشعبه ولبناء دولة المواطنة التي تحفظ التنوع وتجعله أداة ايجابية بدل استخدامه أداة تخريب خدمة للمشروع الغربي والعدو الإسرائيلي، مما جعل الدولة عاجزة عن استثمار انتصار المقاومة لصالح الشعب اللبناني وحمايته وكرامته بدل وقوفها عاجزة أمام ما يتعرض له أبناؤها الذين اضطروا الى الهجرة في سبيل لقمة عيش كريمة من الاعتقال والقتل والتهجير وعند كل ازمة يتعرضون لها". 
 

وختم الخطيب :" إننا نبارك للقادة العرب هذه القمة سائلين الله تعالى لهم التوفيق لتحقيق آمال شعوبهم في الاستقرار والتقدم والازدهار وأمتهم في الانتصار للقضية المركزية فلسطين ومقدساتها التي يشكل الاحتلال الصهيوني وممارساته الارهابية، ومنها ما جرى بالأمس في ما سمي بمسيرة الاعلام في ذكرى النكبة، يشكل عارا في حق العرب والمسلمين ما يدعوهم إلى تحمل مسؤولياتهم في حماية الشعب الفلسطيني والمقدسات الاسلامية والمسيحية والعمل على تحريرها وإعادة الكرامة المهدورة." (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ..).

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : ايكو وطن-eccowatan