مطار القليعات… وكلفة ستين عاماً من الانتظار القليعات فتحت مدرجًا للطائرات. متى تفتح الدولة مدرجًا جديدًا نحو كل مناطقها؟
الرئيسية مقالات / Ecco Watan
الكاتب : د. نهى الغصيني
Jun 10 26|01:13AM :نشر بتاريخ
كتبت العميدة السابقة لكلية الفنون والعمارة في الجامعة اللبنانية البروفسورة نهى الغصيني في ايكووطن
من يسكن في الشمال يعرف هذا الحساب عن ظهر قلب: ساعتان إلى بيروت ذهاباً، وساعتان إياباً، قبل أن تبدأ رحلتك وبعد أن تنتهي. هذه ليست مرارة عابرة، بل حقيقة يومية تُجسّد فداحة معادلة لم تتغير منذ عقود: من يسكن في مناطق الأطراف يدفع ضريبة جغرافيا لم يخترها، وضريبة دولة لم تنجح في توزيع حضورها بتوازن وعدالة.
لهذا تحديداً، أصبح مطار الرئيس الشهيد رينيه معوض أكثر من مشروع بنية تحتية. جاء اعترافاً — متأخراً لكنه ضروري — بأن نموذج الدولة المركزية بلغ حدوده القصوى: نموذج يُدير المناطق من بيروت، ويُقرر عنها، ويوزّع عليها ما يتبقى بعد أن يأخذ المركز حصته الأولى.
القليعات ليست استثناءً سعيداً من هذا النموذج، بل دليل إدانة له: مطار قائم، موقع استراتيجي، منطقة تمتلك مقومات النمو — وستون عاماً من الانتظار.
ثقافة التأجيل والتسويف في الدولة اللبنانية
مشكلة لبنان لم تكن يوماً في غياب التشخيص لأزمته. حين كلّف الرئيس فؤاد شهاب بعثة IRFED في الستينيات دراسة الواقع اللبناني، عادت بصورة دقيقة وقاسية في آن: بلد صغير بجغرافيته، كبير بإختلالاته، تتمركز فيه الخدمات والفرص حيث تتمركز السلطة، فيما تعيش مناطق واسعة على هامش الدولة، لا في قلب سياساتها واستثماراتها.
عرفت الدولة يومها مكامن الخلل. ثم جاء اتفاق الطائف عام 1989 ليضع العلاج في صلب النص الدستوري: وحدة الدولة اللبنانية، إنماء متوازن بين المناطق، ولامركزية إدارية موسعة تردم الفجوة بين المركز والأطراف.
وبعد عقدين، جاءت الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية لتترجم هذا التوجه إلى رؤية مكانية واضحة: لبنان لا يختصر ببيروت ومحيطها، بل هو شبكة من المناطق المتكاملة، لكل منها دورها ومزاياها وفرصها التنموية. فالتفاوت بين المناطق ليس قدراً جغرافياً، بل نتيجة عجز الدولة عن تحويل تنوعها وميزاتها التفاضلية إلى قوة تنموية متوازنة.
ثلاث محطات تفصل بينها عقود من الزمن: دراسة IRFED ، وإتفاق الطائف، والخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية. اختلفت اللغة، لكن الرسالة كانت واحدة: المشكلة معروفة، والحل معروف، وما تأخر دائماً هو الارادة السياسية والقرار.
المشكلة إذا هي أزمة ثقافة التأجيل: تتقدم الدول لأنها تختصر المسافة بين التشخيص والقرار والتنفيذ. أما في لبنان فكثيراً ما يتحول الزمن نفسه إلى عدو للتنمية: كل رؤية تحتاج جيلاً كاملاً كي تنتقل من الورق إلى الواقع، وكل مشروع يمر بدورات اللجان والحكومات والتوافقات حتى يفقد سياقه قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ.
مطار القليعات في هذا المعنى ليس نقطة بداية بقدر ما هو نقطة تذكير: متى نتعلم أن كلفة الوقت لا تقل عن كلفة المال، وأن كل جيل يضيع بين الدراسة والتنفيذ هو خسارة وطنية لا تُعوَّض؟
من المشروع إلى السياسة العامة
يستحق هذا المشروع كل التقدير، لا من باب المجاملة البروتوكولية، بل لأن دولة رئيس مجلس الوزراء القاضي نواف سلام ومعالي وزير الأشغال العامة والنقل المهندس فايز رسامني أعادا تحريك ملف ارتبط في ذاكرة اللبنانيين، وخصوصًا أبناء الشمال، بسنوات طويلة من الانتظار والوعود المؤجلة. فالقيمة الرمزية لهذه الخطوة لا تقل أهمية عن قيمتها الإنمائية، لأنها أعادت إحياء فكرة كادت أن تتلاشى: أن ما يتأخر لعقود يمكن أن يجد طريقه إلى التنفيذ متى توافرت الإرادة السياسية. لكن قيمة القرار الحقيقية لن تُقاس بحجر الأساس، بل بما سيأتي بعده.
الخطر الحقيقي الذي يتهدد المشروع ليس تقنياً ولا مالياً — بل أن يتحول إلى جزيرة إنمائية في محيط لم تُبنَ شروط تنميته بعد. مطار من دون رؤية متكاملة، وبلديات لا تملك صلاحيات التخطيط الفعلي، وموارد محلية لا تزال رهينة المركز- لن ينتج أكثر من بنية تحتية معزولة عن محيطها يضيع معها الهدف الاساسي لإعادة تشغيلها.
منطقة الشمال لا تحتاج إلى مدرج للطائرات فقط، بل إلى منظومة: طرق ونقل مشترك ومناطق اقتصادية واستثمارات منتجة، ومجالس محلية تمتلك أدوات التخطيط والتمويل والمساءلة. وهذا هو المعنى الحقيقي للامركزية الإدارية الموسعة التي نصّ عليها الطائف ولم تجد طريقها إلى المؤسسات حتى اليوم.
اللامركزية أم الفيدرالية؟
حين يضيق المواطن بغياب الدولة عن منطقته، يصبح البحث عن بدائل أمرًا مفهومًا. لماذا لا نحكم أنفسنا بأنفسنا؟ لكن المشكلة في لبنان ليست في وجود التنوع، بل في سوء إدارة هذا التنوع.
من هنا تبدو الفيدرالية للبعض جوابًا سريعًا على التفاوت التنموي المزمن وشعور الغبن الناتج عنه. لكنها، في السياق اللبناني، تصطدم بواقع لا يمكن القفز فوقه: أي خريطة قادرة على وضع اللبنانيين في كانتونات منفصلة، وهم يعيشون في القرى ذاتها، ويتقاسمون المياه والطرقات والأسواق والمستشفيات والجامعات؟
لبنان ليس كتلًا بشرية منفصلة قابلة للفرز. إنه شبكة كثيفة من التداخلات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، حيث تتجاوز القرى والمدن وشبكات العمل والمصالح أي خط يمكن رسمه بين الطوائف أو المناطق. لذا، فإن تحويل التنوع إلى حدود سياسية لا يحل الأزمة، بل يمنحها شرعية تقوض فكرة الكيان اللبناني.
والأخطر أن الفيدرالية لا تعالج التفاوت التنموي بقدر ما تنقله من مشكلة داخل الدولة إلى حدود بين كيانات متقابلة، وقد تعيد إنتاجه داخل هذه الكيانات نفسها. وما يبدو للبعض حرية للأقوى، قد يتحول عمليًا إلى عزلة للأضعف، خصوصًا حين تجد جماعات صغيرة نفسها في جيوب ضيقة بلا عمق اقتصادي أو حماية فعلية. الفيدرالية لا تلغي التفاوت، بل تغيّر عنوانه.
أما اللامركزية الإدارية فتنطلق من سؤال مختلف جذريًا: كيف نجعل الدولة أكثر عدلًا وفاعلية داخل وحدتها؟ لا تبني جدرانًا بين المناطق، بل تفتح ممرات بينها. لا تنقل الصراع إلى الجغرافيا، بل تنقل القرار التنموي إلى الناس. ولا تفصل اللبنانيين عن بعضهم، بل تمنح مناطقهم أدوات التخطيط والتمويل والمساءلة ضمن إطار وطني جامع.
آن الاوان للتغيير من أحل الوطن. فالدولة التي لا تحضر في مناطقها إلا عبر التسلسل الإداري والرقابة والموافقات المركزية ليست دولة موحّدة بالمعنى العميق؛ هي دولة واحدة في القانون، لكنها متفاوتة الحضور في الواقع. والتفكك الذي يُخشى منه في الفيدرالية تصنعه المركزية الفاشلة بصمت، يومًا بعد يوم، في كل منطقة تشعر أن الدولة تزورها ولا تسكن فيها.
ما بعد القليعات
لن تُقاس أهمية القليعات بعدد الرحلات التي ستهبط على مدرجه، بل بقدرته على أن يفتح صفحة جديدة في العلاقة بين الدولة ومناطقها. فالقضية ليست مطارًا في الشمال، بل سؤالًا أقدم وأعمق: هل تستطيع الدولة أن ترى في مناطقها شريكًا في التنمية لا مجرد أطراف تنتظر دورها؟
قد يكون المطار مشروعًا إنمائيًا، لكنه يذكّرنا بحقيقة أبسط: الأوطان لا تُبنى من مركز واحد، بل من جميع أبنائها. ولا تقوى حين تزدهر منطقة وتتراجع أخرى، بل حين يشعر الجميع أن لهم مكانًا متساويًا على خريطتها وفي مستقبلها.
مطار الرئيس الشهيد رينيه معوض — هذا المشروع الشجاع — هو اختبار لإرادة الدولة في الانتقال من المركزية المعطِّلة إلى اللامركزية المنتجة قبل فوات الاوان.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا