العقدة الدرزية في سوريا
الرئيسية مقالات / Ecco Watan
الكاتب : محرر الصفحة
Jan 17 26|19:04PM :نشر بتاريخ
كتب الدكتور ناصر زيدان في المدن:
لا يوافق غالبية الموحدين الدروز على ما قاله الشيخ حكمت الهجري، ولا على تصريحات الوزير أيوب قرَّة، وليس هناك أي ترابط مصيري بين الدروز وإسرائيل. فهؤلاء شريحة إسلامية ينتمون الى المنطقة العربية منذ نشأة الدعوة قبل ألف عام، ويرى غالبيتهم أنهم في طليعة الأكثرية وليسوا أقلية، بينما إسرائيل دولة غاصبة لأرض الفلسطينيين، وكان يمكن أن تُنشأ في جزيرة القُرم الروسية أو في كشمير الهندية أو في أميركا الشمالية كما عرض يهودا ليب بينسكر (1821 – 1891) وهو من أبرز المنظرين لضرورة إنشاء دولة خاصة لليهود (راجع كتاب "الصندوق القومي اليهودي" وولتر رين وأوري ديفر. ترجمة مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت 1990. ص. 23).
ما ذكرته جريدة "واشنطن بوست" في كانون الأول/ديسمبر الماضي، وما جاء على لسان الشيخ الهجري لصحيفة "يديعوت أحرنوت" قبل أيام؛ أكد أن هناك مجموعة من الدروز السوريين تعاونوا مع جهات إسرائيلية ترغب بإحداث قلاقل في سوريا، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، وطالب هؤلاء بالاستقلال واعترضوا على تولِّي الإدارة الجديدة برئاسة أحمد الشرع قيادة سوريا.
وبينما ارتكبت الإدارة الجديدة أخطاء كبيرة بحق الدروز ولم تحمِهم من هجمات المُتشددين المُتفلتين؛ كان الفريق الدرزي المذكور أعلاه يبحث عن حجج لتسويق مشروعه الانفصالي، وجاءت أحداث منتصف تموز/يوليو الأليمة لتعطي هؤلاء مُبررات لجنوحهم، لأن الارتكابات التي حصلت بحق المدنيين الدروز في السويداء؛ فاقت كل تصوُّر، واقتنع غالبية من سكان المحافظة بأنهم مُستهدفون بالإبادة، وهذا الأمر ساعد في توفير بعض الالتفاف الدرزي حول أصحاب الخيارات الانفصالية.
تسيطر على معظم بلدات جبل العرب أو (محافظة السويداء) فصائل الحرس الوطني، وبعضها اعترف بأنه تلقى مساعدات عسكرية وغير عسكرية من جهات خارجية (تحديداً من إسرائيل ومن قسد)، وعدد كبير من قيادة هذه الفصائل كانوا من كبار ضباط النظام السابق، وبطبيعة الحال؛ فإن هؤلاء يفضلون أي خيار مستقبلي يمنع الإدارة السورية الجديدة من السيطرة على المحافظة. والدروز عامةً يرفضون المواجهات الداخلية الدامية بينهم بعد مأساة العام 1711 (معركة عين دارة) التي تسبَّبت بإضعافهم وتفريقهم وتهجير قسم منهم، والمعارضون الكثيرون لسياسة الشيخ حكمت الهجري يتجنبون الصدام مع أنصاره على هذه الخلفية، لكنهم ليسوا مع خياراته اطلاقاً، وممتعضون من إقفال المعابر مع دمشق، ولا يوافقون على منع التعامل بالعملة السورية بطبعتها الجديدة، وهم مع تطبيق تفاهم السادس عشر أيلول/سبتمبر (خريطة الطريق).
رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو يستثمر بما يجري، لكي يبتزّ الحكومة السورية من جهة، وليُغرِق بعض الدروز أكثر فأكثر بأحضانه، على اعتبار أنهم مُهددون بحياتهم من القوى الخارجة عن القانون والتي تتلقى مساندة من جهات حكومية كما يروج. لكن الإسرائيليين الذين يدَّعون الصداقة مع الدروز، هم ذاتهم الذين صادروا ما يزيد عن ستين في لمئة من أراضيهم في الجليل، وحاولوا تهجيرهم إلى السويداء في العام 1967، لكن مخططهم التهجيري انكشف، كما انكشفت مؤامرتهم لإنشاء دولة درزية تدور في فلكهم؛ وأُجهضت من قبل الزعيم الراحل كمال جنبلاط والمرحومين كمال أبو لطيف وكمال كنج أبو صالح، وبمساندة من سلطان باشا الأطرش (قائد الثورة السورية الكبرى للعام 1925). وقادة تل أبيب لا يتغافلون عن أي فرصة لدسّ السُمّ بين الشرائح العربية والإسلامية من أجل زرع بذور التفرقة والتنافر بينهم.
معظم الدروز يعيشون اليوم خارج محافظة السويداء، وخيارات المُتنفذين هناك اليوم؛ لا يمكن اعتبارها خيارات للأكثرية الدرزية التي لا تريد تكرار تجربة الانتداب الفرنسي، وعدد كبير من أهل السويداء المنكوبين لا يرغبون بأي مواجهة دموية مع أشقائهم، بينما إسرائيل تتربَّص شراً بكل مَن يعارض سياستها.
وبالعموم؛ فإن أبناء الطائفة الدرزية يفتخرون بتاريخهم العربي، وبدورهم في الدفاع عن الأمة (أو الأكثرية) منذ تجاوزهم لمحنة أنطاكيا في مواجهة البيزنطيين في النصف الأول من القرن الحادي عشر، مروراً بقتالهم ضد الصليبيين الى جانب صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين عام 1187 ميلادية، ومن ثمَّ مشاركتهم الوازنة في دحر التتار بمعركة عين جالوت في العام 1260، كما تجاوزوا محناً كثيرة مثل حملة خرُّم باشا عام 1524، وحملة إبراهيم باشا عام 1585، ولم يغيروا سياستهم. ورفضهم للخيار الإسرائيلي؛ نابعٌ من ثوابت تاريخية وعقائدية، وليس بسبب عدم تمكن هذه الأخيرة من الإيفاء بوعدها لبعض المتهورين بفتح ممرّ يربط بين السويداء والجولان المحتل.
أمام الإدارة السورية مشكلات وازنة في الساحل وفي الشمال الشرقي وفي مواجهة عصابات الإجرام الداعشية؛ لكن حلّ العقدة الدرزية تبقى أولوية، وتفرض الوقائع التعاطي معها باهتمامٍٍ وعناية، وعدم محاسبة أهالي السويداء على أخطاء البعض منهم، ذلك لأن جنوب سوريا بكامله مُهدَّد بسبب هذه العقدة، وإسرائيل تتربَّص شراً لتخريب وحدة سوريا انطلاقاً من هذا الجنوب.
وهناك مجموعة من الخطوات قد تساعد على ابتكار الحلول، لعلَّ أبرزها إظهار نتائج التحقيق بالجرائم التي وقعت في تموز الماضي، ورفع كل أنواع الحصار المفروض على مدنيي المحافظة، ودفع رواتب الموظفين الحكوميين، ولا سيما المتقاعدين الذين خدموا الدولة طيلة سنوات عمرهم، وليس لهم أي ذنب بسياسة النظام السابق الاجرامية. وللخطاب السياسي المتوازن أهمية كبرى في لجم التحريض المذهبي. وعلى الإدارة معاقبة مثيري الفتنة لأي جهة انتموا.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا