الأجنحة المتكسّرة لجبران خليل جبران: حين يتحوّل الحبّ إلى شهادةٍ على ظلمِ المجتمع
الرئيسية مقالات / Ecco Watan
الكاتب : فاروق غانم خداج
Feb 15 26|20:50PM :نشر بتاريخ
كتب الباحث في الأدب والفكر الإنساني الكاتب اللبناني فاروق غانم خدّاج في إيكو وطن:
ليست «الأجنحة المتكسّرة» روايةَ حبٍّ عاديّةً، ولا سيرةً عاطفيّةً تُروى بدافع الحنين وحده، بل هي نصٌّ احتجاجيٌّ مكتوب بلغة العاشق المجروح، وبصوت الإنسان الذي اكتشف مبكّرًا أنّ المجتمع لا يقتل الأحلام بالسلاح، بل بالقوانين، ولا يخنق الأرواح بالقوّة، بل بالتقاليد حين تتحالف مع السلطة. في هذا العمل، لا يكتب جبران خليل جبران قصّةَ قلبٍ انكسر، بل يكتب محاكمةً أخلاقيّةً لمجتمعٍ يكسر القلوب باسم الفضيلة.
الحبّ في «الأجنحة المتكسّرة» ليس تجربةً فرديّةً معزولةً، بل نافذةً يطلّ منها جبران على بنيةٍ اجتماعيّةٍ خانقة. علاقةُ الراوي بسلمى كرامة لا تنمو في فراغ، بل في تربة بيروت الاجتماعيّة الثقيلة، حيث تتحالف السلطةُ الدينيّةُ المتزمّتة مع سلطة المال والوجاهة العائليّة، لتصبح إرادتَا الحبيبين مجرّدَ تفاصيلَ هامشيّةٍ في معادلةِ مصالحَ كبرى. في هذا المناخ، لا يكون الحبّ جريمةً بحدّ ذاته، بل يصبح كذلك لأنّه يهدّد نظامًا قائمًا على الطاعة لا على الاختيار.
سلمى ليست مجرّد حبيبة، ولا رمزًا عاطفيًّا فحسب، بل هي ضميرُ النصّ النابض بالحياة والرغبة، والمقيَّد بالإكراه. جبران لا يقدّمها كضحيّةٍ ساذجة، بل ككائنٍ حيٍّ يجسّد التناقض الأليم بين سموّ الروح وقيد الجسد الاجتماعي. مأساتُها هي مأساةُ الوعي العاجز؛ فهي ترى القفص بوضوح، وتلمس قضبانَه، لكنّها لا تملك مفتاحَه، لأنّ المفاتيح كلّها بيد حرّاس التقاليد. إنّها امرأةٌ تدرك ظلمَ ما يُفرض عليها، لكنّها تُساق إليه باسم «المصلحة» و«الواجب» و«السمعة»، وهي مفرداتٌ تتحوّل في النصّ إلى أقنعةٍ أنيقةٍ للقهر.
الزواج في «الأجنحة المتكسّرة» لا يظهر بوصفه رباطًا روحيًّا، بل عقدًا اجتماعيًّا يُبرَم بين رجال، ويُدفَع ثمنُه من عمر المرأة وحقّها في الاختيار. حين تُجبَر سلمى على الزواج ممّن لا تحبّ، لا يركّز جبران على الحدث في حدّ ذاته، بل على ما يخلّفه في النفس من اغترابٍ داخليٍّ، وتحويلٍ للحياة الزوجيّة إلى إقامةٍ قسريّة. هنا تنقلب المعايير: يصبح الحبّ المحرَّم أخلاقيًّا، في نظر المجتمع، أكثرَ نقاءً إنسانيًّا من زواجٍ شرعيٍّ بلا روح، وتتحوّل الطاعة إلى خطيئةٍ صامتة.
لغةُ جبران في هذا العمل ليست أداةَ سردٍ فحسب، بل رفيقةَ الوجع ومرآةَ التشظّي الداخلي. أسلوبُه الذي يتأرجح بين الشعر والنثر التأمّلي هو أسلوبُ عقلٍ يائسٍ من الفعل، لجأ إلى الانزياح الجماليّ كملاذٍ أخير. الصورُ البلاغيّةُ الكثيفة ليست ترفًا فنّيًّا، بل محاولةً لتعويض عجز الواقع، وترميمِ ما تكسّر بالخيال. اللغة هنا تفعل ما لا يستطيع الواقع فعلَه: تمنح الألم شكلًا، وتمنح الخسارة معنى.
واللافت أنّ جبران لا يقدّم نفسَه بطلًا منتصرًا أخلاقيًّا. الراوي واعٍ لعجزه، مدركٌ لحدود قوّته، ومتصالحٌ مع فشله. هذا الصدق هو ما يمنح النصّ ثقله الإنسانيّ. فالحبّ في «الأجنحة المتكسّرة» لا يغيّر العالم، ولا ينقذ الحبيبة، ولا ينتصر في النهاية، بل يتحوّل إلى وعيٍ مُرّ، وإلى معرفةٍ مؤلمة بثمن الحساسيّة في عالمٍ قاسٍ. كأنّ جبران يقول إنّ النضج لا يولد من الانتصارات، بل من الخسارات التي نفهمها بعمق.
النقدُ الاجتماعيّ في الرواية يتّسع ليطال المؤسّسةَ الدينيّة حين تنفصل عن جوهرها الإنسانيّ. رجالُ الدين في النصّ ليسوا حرّاسَ القيم، بل وكلاءَ سلطة، يستخدمون المقدّس لتثبيت مصالحهم. ومع ذلك، لا يهاجم جبران الإيمان، بل يميّز بوضوح بين الروح الدينيّة الحيّة، والتديّن المتحجّر الذي يبرّر الظلم. هذه المفارقةُ الفكريّة تمنح العمل بُعدَه التنويريّ، وتجعله نصًّا سابقًا لعصره في جرأته ووضوح موقفه.
وما يعمّق أثر «الأجنحة المتكسّرة» أنّ مأساتَها ليست حكرًا على شرقِ ذلك الزمان. فثنائيّة الفرد في مواجهة المجتمع، والقلب في مواجهة العقل الجمعيّ، والحبّ الحرّ في مواجهة عقود المصالح، هي ثنائيّاتٌ كونيّة. كلّ قارئ، في أيّ مكان، يمكنه أن يرى في سلمى وجبران ظلَّ حبّه المستحيل، أو حلمَه الذي اصطدم بجدار الواقع. الرواية، بهذا المعنى، مرآةٌ مكبّرة لألمٍ إنسانيٍّ أساسيّ: ألمِ الاختيار المسلوب باسم «الصالح العام» أو «العرف الاجتماعيّ».
أمّا النهاية، فهي ذروةُ الوجع الصامت. لا صراخ ولا تمرّد دراميّ، بل قبولٌ حزينٌ بحقيقةٍ لا يمكن تغييرها. موتُ سلمى ليس حدثًا مأساويًّا فحسب، بل إدانةٌ أخلاقيّةٌ لمجتمعٍ لم يترك لها خيارَ الحياة. تموت جسدًا، لكنّها تبقى حيّةً في ذاكرة الراوي، وفي ضمير القارئ، رمزًا لكلّ امرأةٍ كُسِرَت أجنحتُها لأنّها حاولت أن تحبّ بحريّة.
في المحصّلة، «الأجنحة المتكسّرة» ليست روايةً عن حبٍّ فاشل، بل عن إنسانٍ اصطدم بجدار المجتمع. هي نصٌّ عن الخسارة بوصفها وعيًا، وعن الألم بوصفه معرفة. ويبقى سؤالُ جبران معلّقًا في وجدان القارئ: هل يكفي أن نحبّ بصدق في عالمٍ يكافئ الصلابة العمياء ويعاقب رِقّة الإحساس؟
بهذا السؤال المفتوح، يظلّ هذا العمل حيًّا، لا لأنّه يحكي قصّةً قديمة، بل لأنّه يفضح حاضرًا يتكرّر، ويذكّرنا بأنّ الأجنحة لا تنكسر وحدها، بل تُكسَر حين يُمنَع الإنسان من أن يكون حرًّا في اختياره.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا